الصعاليك النبلاء يلتقون معاً في حياة باسلة

الصعاليك النبلاء يلتقون معاً في حياة باسلة
العمر يذبل خلف السواتر وتحت ظلال المقاهي
علي حسين عبيد
بين آونة وأخرى تظهر هنا وهناك طروحات وآراء نقدية مثيرة للجدل، عن الرواية العراقية تحديدا، بعضها صائب، ومنها ما ينطوي على مغالاة يمتطيها المعنيون بالسرد العراقي وغيرهم، تقول تلك الآراء بأن الرواية العراقية لم تؤد ما عليها من دور مهم، خاصة ازاء الاحداث الجسام التي تشكّل منها تأريخ العراق القريب، وهم يعنون بذلك الاعوام الخمسين الماضية على نحو خاص .
يقول بعض هذه الطروحات أن الرواية العراقية فشلت في استقصاء خفايا الوجوه الاخرى الخفية أو العميقة، لما جرى بالعراق في ميادين السياسة والاجتماع والثقافة وغيرها كما قرأنا مثلا في احد مقالات حيدر سعيد التي أعاب فيها على الرواية العراقية عدم تصديها لجسامة الاحداث ، واذا كان التوثيق النمطي لما يتعلق بالسياسة، من اختصاص المؤرخين، فإن مهمة استغوار بواطن الوجوه الخفية للحياة يقع على عاتق الرواية قبل سواها، ليس بمعنى التوثيق التقليدي البارد، بل تدوين الاحداث والفواجع والكوارث التي سقطت على رؤوس العراقيين طيلة نصف قرن، بوساطة السرد الفني، ويأتي فن السيرة الذاتية في مقدمة الاساليب الروائية او السردية لتحقيق هذا الهدف، فهل تفوق صوت السرد على صمت التاريخ وهل قالت رواية حياة باسلة ما لايقال؟؟.
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة على المثقف ومن يعنيهم الأمر من الآخرين، لاسيما أننا كعراقيين وعرب وأعني الوسط المثقف، وسواه لا نثق بتأريخنا كما يجب، فهو وإن تحدّث للآخرين عمّا مضى، لكنه في الغالب يتلفع برداء الزيف أو التحريف والمغالاة، لذا يظهر حديثه أقرب الى الصمت أو التشويه في افضل الحالات، وما يزيد المشهد تعقيدا، ذلك الضمور البيِّن في مهام السرد، بوصفه البديل المؤتمَن، الذي اصبح بمقدوره التعويض عن تكاسل التاريخ من جهة، وتزييفه من جهة أخرى.
رواية حياة باسلة التي صدرت في القاهرة عن دار عين 1012 تدخل في اطار السيرة الذاتية، وهي عبارة عن سرد لتجربة عاشها كاتبها كوقائع ملتبسة متداخلة، لكنها حصلت فعلا، وهذا ما يزيد الامر صعوبة واستعصاءً، بخصوص التخلّص من سطوة التاريخ وفجاجته، وصعوبة تحييد الغلواء الذاتي، أي فيما تجترحه الذات من بدائل فنية، تقمع أو تكبح حضور التأريخ الحاد الذي قد يصل لدرجة إلغاء الفن الروائي، فهل نجح مؤلف رواية حياة باسلة ، في انجاز أهداف روايته التي يمكن حصرها بما يلي
أولا سرد الاحداث الواقعية لا يعني إلغاء الفن وشرط التجنيس، إذ ينبغي التخلص كليا من آلية التدوين التأريخي الرتيب.
ثانيا تجنب المغالاة، بسبب تضخّم الانا الساردة، والحيادية والصدق مع الحضور الفاعل للفن الروائي.
ثالثا تقديم الذات بوصفها مرآة عاكسة لضخامة ما أحدثته الحروب والحصارات.
رابعا كشف الوجه المضمَر للثقافة العراقية خلال عقديّ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
خامسا توظيف الهاجس الشعري كبديل راجح عن السرد عندما يكون الأخير عاجزا عن وصف هول الفجيعة واللامعقول في الدمار الذي حدث لنفسية الإنسان الذي واجه الحرب وتبعاتها .. وبصورة تبدو اشد صدقا من الخيال.
للخوض في النقاط الخمس أعلاه، يستدعي الامر قراءة متأنية، لحياة باسلة، وتمحيص الاسلوب التلقائي المباشر لكتابتها، لأن سرد الوقائع ثقافية أو حربية أو يوميات حياة عادية قد يُسقط عملية السرد في فخ التدوين التأريخي ، وينحو الى إلغاء الانتماء لفن الرواية، هذا الفن الذي قال عنه كولن ولسن في كتابه الموسوم بـ فن الرواية» إن الكتابة الابداعية تشبه عملية الصعود الى أعلى التل، حيث يتصاعد الاقوياء، فيما يتساقط الضعفاء على السفح تباعا فهل تخلّص حسن النواب مدوّن هذه الرواية من رتابة السرد وتجنب السقوط في فخ الكتابة العادية؟، لنقرأ المقطع التالي معا حين اصبحنا في غرفة الاستقبال، دنت مني وشمّت بعمق رائحة صدري، ومرغت وجهها القمحي الطري على يدي، ثم ابتعدت لتجلس على الاريكة بعد ان تركت عباءتها تستريح على ارضية الغرفة، كانت ترتدي زيها المدرسي، تنورة سوداء وقميصا ابيض شفافا، يظهر مفاتن نهديها الطليقين، وبدأت تفتح ازرار القميص على مهل حتى لمحتُ حبات عرق صغيرة تضيء على نهديها ص79. إن اسلوب السرد هنا كان متهاديا شاعريا وهو يتسلل إلينا على مهل بتلقائيته المحببة التي ارتفعت باللقطة وهذبتها بتصوير جمالي لغوي مدهش، لكي تروق للمتلقي تماما.
لقد أثارت رواية حياة باسلة قبل الصدور وبعده، جملة من الآراء البنّاءة لعدد من الأدباء المخلصين للأدب، وقد أكد هؤلاء في نصوص منشورة نجاح حياة باسلة بسبب اسلوبها الابداعي الأخّاذ، وأنا أكرر هذا التوصيف، فقد تمكن حسن النواب من تحويل الوقائع التي عاشها الى مشاهد ولقطات ساخنة مدهشة، بلغة بيضاء، تلقائية، نافرة، متوترة بلذة خفيّة، ما أن يطالعها المتلقي حتى تترسخ صورها في أعماقه، فتحيله من قارئ خارج النص الى عنصر منصهر في دوامة الاحداث، فيصبح احد شخوص حياة باسلة، ويعيش لهيب الحرب والجوع والحصار والحب والموت المزروع في كل صفحة من صفحاتها.
وفي هذا النوع من الروايات التي تعتمد السيرة، تكمن الخطورة كلها في التضحيم الذاتي، حيث يقع الراوي أو المؤلف نفسه غالبا، في مشكلة تمجيد الذات من دون أن يعي ذلك، إنه يكتب عن نفسه وحياته وذكرياته، إنه ينساق بحنين جارف الى تلك الاحداث، لذا هو يعشقها وربما يقدسها، حتى المميت منها يبدو له في دهاليز الذاكرة الروائية مضيئا، كونه يصب في تمجيد الذات، فهل قفز حسن النواب هذا العارض؟ وهل نجح في تحييد ذاته ازاء المتن المدوَّن؟، هناك دلائل يمكن أن نستقيها من المتن الروائي، وما يؤكد ذلك مشاهد البؤس والخوف والتردد والجبن أحيانا، التي تتلبس وتعتري بطل الرواية ومؤلفها في مواقف كثيرة يكاد يعج بها نسيج السرد، فالنواب لا يطرح نفسه بطلا، لا في وقائع الحروب، ولا في صراعه الذاتي بالميدان الثقافي، بل لم نر ما ينصف حقيقة الراوي أحيانا، وهو يعرض لحياة باسلة تمتد على عقدين من الزمن، قدمّها الكاتب بطرائق سرد لم نألفها من قبل وهي تزج في روح الشعر بمناطق عديدة من الرواية، فيتعاضد اسلوب التحييد الذاتي، مع الميل الى التجنيس السردي، ليسهما بنجاح، في تقديم حياة باسلة كرواية تمتلك شروط الانتماء الى هذا الجنس الادبي المتسيِّد.
أما النقطة الثالثة، أي تقديم الذات بوصفها مرآة عاكسة، فقد بلغت هذه الرواية قمتها، في عرضها لمشاهد الفجيعة المزمنة التي بدأت بافرازات الحرب العراقية الايرانية وسواترها وضخامة ويلاتها والارواح التي أزهقت فوق سواترها في كلا الجبهتين، وصولا الى حرب الخليج الثانية وفواجعها، ثم بدء صفحة الحصار المفتوح وحروب الاستنزاف المحايثة لتجويع لم يحدث أن عاناه شعب آخر في عموم الارض، لنبدأ مع النقطة الرابعة.
أي مع مسار آخر، مواز لويلات الحروب يتعلق برصد المشهد الثقافي وصراعاته الفردية والشللية، فانعكست صورة سياسية ثقافية تكاد تكون مكتملة وبالغة الصدق، لمرحلة كتب عنها كثيرون، لكن حسنة حياة باسلة أنها لم تتردد في قول ما لا يُقال. سيما في توثيق الكاتب لمجريات حساسة وخطيرة مع عرض تفاصيلها بدقة مدهشة وتلقائية عالية ومفارقات مذهلة، لتتولد لدى القارئ أجواء نفسية يمكنه استعادتها كما لو انها تحدث الآن، لقد اراد حسن النواب أن يكون صادقا بصورة مطلقة، لذا رسم المواقف كما هي ولكن بحساسية صافية وموجعة وطريفة احيانا نحسده عليها، أو كما حدثت تماما، حتى تلك التي ربما تمس بشخصه وابداعه وتاريخه، وهو يعي بالضرر الذي قد تلحقه به هذه التفاصيل الصادقة، وكان يمكنه تجميلها، أو إهمالها او التغاضي عنها في اضعف الايمان، لكنه اراد أن يقدم حياة باسلة بمجرياتها المشرّفة والمؤسفة في آن.
وفيما يتعلق بتوظيف الهاجس الشعري لمنح الاسلوب السردي خصوصيته، حرص كاتب حياة باسلة على استخدام المفردة الأشد وضوحا والأسرع تقاربا من ذائقة المتلقي، آخذا بنصيحة موباسان التي يقول في مضمونها بخصوص الكتابة السردية إحذف كل كلمة تعتقد أنها فائضة عن الحاجة، واستخدم الكلمات التي تشعر بأنها تنقل شعورك بصورة مباشرة الى القارئ ، ولكن تمكن مع هذا الوضوح، أن يجعل لنفحات الشعر حضورا متدفقا ومؤثرا في معالجة الاحداث والمواقف المادية والنفسية في آن، كما نقرأ ذلك في هذا المقطع إقتربتْ منه فجأة، وألقت بجسدها النحيف على صدره، فوضع الوشق البري يده على رأسها، يمسد شعرها كما لو انه يمرر يده على فروة قطة أليفة، بينما ساحتْ دموع اخته نورما على قميصه الرث، واستمر عناقهما لدقائق قبل ان تدعه طليقا مرة اخرى… مسحت دموعها التي ما زالت تنهمر بأصابعها الشمعية وغادرتنا بهدوء ص424. يغلب مثل هذا الاسلوب على مساحة السرد، مما اعطى الرواية نكهة شاعرية أسهمت بانقاذها من السقوط في الرتابة لاسيما أن صفحاتها تجاوزت الـ 500 صفحة» قطع متوسط . هكذا اذن يكتب الصعاليك سيرتهم .
وهذا ما أعرفه وقرأته من قبل عن سيرة الصعاليك الشجعان والنبلاء، كما حدث لي مع هذه السيرة الحرجة؟ التي قرأتها بمتعة لا يشاطرها إلا الدمع الذي انهمر من روحي بصمت.
/5/2012 Issue 4212 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4212 التاريخ 29»5»2012
AZP09