
تتراءى الفنون البصرية منذ فجر الوعي الإنساني بوصفها اشتغالات جمالية مشحونة بنوايا خفية .. رسائل مشفرة وموجهة بوعي أو بدونه إلى مستقبليات مجهولة.. ذلك ما يتبادر إلى الذهن عند تأمل الأصول الفنية التي نجت من مقصلة الزمن أو تلك التي تلاشت في عتمة الفقد.. يكشف عن حقيقة بديهية بان الإنسان كائن مسكون بالتدوين مدفوع برغبة عارمة في خلق سرديات بصرية تسبق حتى تشكل اللغة المحكية ومخارج الصوت..
لقد وجد إنسان الكهوف الأول في الوسائط البدائية ملاذاً للتعبير عن ذاته القلقة مسجلاً فوق جدران الحجر الصماء أولى المحاولات الإنسانية للاحتجاج على الفناء حيث كان التكوين البصري البدائي يختزل ثنائية الضوء والظلال في عتمة المغارات ومع تحول المجموعات البشرية وتطورها من استيطان الأراضي إلى تشكيل القرى.. ثم بزوغ فجر المدن العظمى انصهر الإنسان داخل منظومات اجتماعية معقدة محكومة بسياقات وأنظمة صارمة فاندثرت العفوية الأولى لتفسح المجال أمام تقنين الخط والكتلة.

في هذا المخاض التاريخي الطويل فرض المكان حضوره الطاغي كحاضنة للأثر فالجدران الكهفية استقالت لتصبح مدونات ممتدة والألواح الطينية تحولت إلى وثائق وجودية نابضة بالتعبير عبر خطوط غائرة تشق صمت المادة.. ومع ولادة المنحوتات البارزة والنحت المجسم بلغت اللغة البصرية ذروة عنفوانها التعبيري.. حيث تخلت الصورة عن بعديها الثنائيين لتقتحم الفراغ بثلاثية أبعادها الصارمة.. هناك على حواف الحجر القاسي.. أراد الإنسان أن يصرخ بوجوده.. فضرب بأزميله صوب الصخرة الصماء منقاداً لمقتضى الحال وأدواته المتاحة فأنطق قساوتها وغرس في أحشائها حكايات وسرديات تؤرخ لانطباعاته.. ومخاوفه.. وسريرته المأزومة بالبقاء محولاً المادة المصمتة إلى فضاءات مشهدية تعج بالحياة والدراما والهارموني البصري.
أمام هذا الإرث الجنائزي العظيم.. تتبدى الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لكي يعي المشتغلون بشتى الفنون البصرية.. على اختلاف حقولها وتفرعاتها الواسعة من رسم ونحت وتجهيز في الفراغ الخطورة الفائقة لعملهم الإبداعي.. إن الفنان الحقيقي وهو يقف أمام منجزه.. يقف في حقيقة الأمر أمام مرآة تاريخية.. فهو يختار أنماطاً جمالية تُؤرخ بأنثروبولوجيا غير معلنة للحالة الاجتماعية المعاشة..
هذا الوعي يملي عليه حمل المسؤولية كاملة.. صامداً في وجه المؤثرات السياسية الموجهة.. ومقاوماً للضغوط الاجتماعية العابرة التي تحاول قولبة المنجز البصري وفرض ميزان لوني مشوه يتوافق مع رغبات العصر النفعية.
لقد شهد القرن الأخير تدفقاً هائلاً للأيديولوجيات الموجهة.. بشقيها الفكري والنظري.. أو التقليدي والمعاش.. ولا شك أن هذه الأطر الفكرية الصارمة مارست انحيازاً فجاً.. فانتصرت لفئات دون أخرى.. وحاولت تدجين الفن ليصبح مجرد ملصق دعائي مسطح أو بوقاً للسلطة وتبريراً للمرحلة.. غير أن هذا التنميط المتعسف.. وتلك الأدلجة الممنهجة تتهشم دوماً وتتساقط أوراقها عند اصطدامها بصدق التعبير الفني والضربات العفوية لفرشاة تبحث عن جوهر الحقيقة الكامن تحت طبقات الألوان.

الفنان هو رسول وموثق لحالة إنسانية معاشة.. يجد نفسه في قلب العاصفة مسؤولاً عما يدور حوله من تحولات وصراعات.. حيث الصدق الفني هو المطرقة المعرفية التي تكسر زجاج الأيديولوجيا الموجهة.. لتبقي على جوهر الإنسان عارياً ونقياً في مهب التاريخ.
وعندما نلتفت إلى الوراء.. متأملين المنجزات البصرية للحضارات السحيقة الموغلة في القدم.. نكتشف أنها جاءت في معظمها نتاج تعبير محاصر بالموضوعية والمنظومات العقائدية.. إذ لم يكن فنان تلك العصور يمتلك ترف الحرية أو مساحات التعبير الفردي البحت.
كان النحت.. والرسم.. والكتابة التعبدية تُنجز تحت إشراف مباشر من سلطة الحضور الطقسي والديني.. وبأمر من السلطوي الحاكم الذي يمثل النافذة الوحيدة والشرعية لتمرير الفنون.. مما جعل التناسب والنسب الذهبية والمنظور التراتبي في اللوحات القديمة يخضع لشروط المقدس لا لشروط الرؤية البصرية الخالصة.
كان الفنان أداة لخلود الملك أو الإله.. ومع ذلك.. تسرّب صدقه الإنساني من بين شقوق تلك النصوص الإلزامية ليصنع خلوده الخاص في التفاتة تمثال أو مسحة حزن خفية على وجه من الحجر.
أما اليوم.. فقد انفتحت بوابات التعبير على مصراعيها.. وغدت الوسائط الفنية أكثر وفرة وتنوعاً وسهولة من أي وقت مضى.. هذا الانفجار الأدواتي يستدعي من المشتغلين في مجالات الإبداع أن يمدوا خيالاتهم إلى أقاصي التجريب.. وأن يكسروا جدران الجليد والمفاهيم الجاهزة.
لقد صار لزاماً على المبدع المعاصر أن يجتاز وديان الركود التقليدي.. وأن يثقف ذاته بالانفتاح على مصادر المعرفة الإنسانية المتعددة.. فلم تعد المساحة البيضاء المتمثلة في اللوحة ذات الأضلاع الأربعة.. بنظامها الصارم وأطرها الكلاسيكية التي تحبس المدى داخل حدود الإطار.. هي الوسيلة الوحيدة أو الفضلى لاحتواء القلق الإنساني. إن وسائل التعبير الراهنة باتت أكثر انفتاحاً.. وأشد تعقيداً وترابطاً في آن معاً.. ويعود هذا التعقيد إلى دخول عنصر الوقت والزمن الافتراضي بقوة جارفة داخل النظام البصري المعاصر.. ليتحول الفن من ثبات اللوحة المعلقة إلى سيولة الفنون المفاهيمية وفنون الأداء التي تتلاشى بمجرد انتهائها.
المتابعون والمشتغلون على منصات الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي يدركون تماماً أن المنظومة الواقعية الحالية جعلت من النظام الزمني ضاغطاً أساسياً لا يمكن الفكاك منه.. وبناءً على ذلك.. تغيرت نظرية التلقي تجميلاً وتفصيلاً.. وحدثت فيها هزة راديكالية واختلاف جذري عما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة عقود.. حيث تحول فعل التأمل الطويل للعمل الفني إلى مجرد لمحة بصرية عابرة على شاشة زجاجية لا تحتفظ بالضوء.
إن المتلقي الذي ينتمي إلى الجيل المعاصر يختلف بنيوياً.. فكرياً وسيكولوجياً.. عن المنظومة التي صاغت وعي الجيل الذي سبقه.. فقد أصبحت الحركة السريعة والتغير الخاطف هما السمات البارزة والوحيدة لهذا العصر.. والسرعة اليوم لم تعد تُقاس بالأيام أو بالساعات.. بل انحدرت القياسات الجمالية والزمنية إلى حدود الثواني القليلة الخاطفة.. مما أفقد العين توازنها وقدرتها على رصد التناغم اللوني والضربات التعبيرية الدقيقة.
من هنا.. يغدو من غير المقبول.. بل ومن قبيل الوهم.. الرهان على جمهور يصغي اليوم إلى عمل فني أغنية كانت أم فيلماً سينمائياً يمتد لساعات.. بل إن الأعمال البصرية التي تتجاوز خمس عشرة دقيقة باتت تواجه خطراً حقيقياً بالرفض والنفور.. لقد فقدنا جماعياً ترف السرد الممتد.. وتلاشت قدرتنا على الاستفاضة في النص البصري والكلامي.. وتفتتت الأشكال الكبيرة إلى شظايا مشهدية مجتزأة. جمهور اليوم ليس كجمهور الأمس فالتحول لم يقتصر على الشباب المعاصرين.. بل إن المتلقين التقليديين أنفسهم خضعوا لعملية إعادة ضبط سيكولوجية.. فتحولوا إلى متلقين يبحثون عن النشوة اللحظية السريعة والضربة البصرية المباشرة التي تثير الحواس دون الحاجة إلى تفكيك شفرات العمل أو قراءة ما وراء السطح التصويري. يعود هذا التحول إلى سطوة الأيديولوجيا الرقمية الجديدة.. التي تعمل بسرعة هائلة وتسابق الزمن إذ شعرت تلك الأنساق الثقافية القديمة أنها تسير في المؤخرة.. فابتكرت لها مسارات تسير بسرعة الضوء لتواكب واقعاً لا يرحم الواقفين.. إنها ثقافة القطار السريع التي حولت الفن الرفيع إلى استهلاك يومي عابر.. فإما أن يندمج الفنان في هذه الدوامة.. أو يظل متجمداً في محطته المنسية يبكي أطلال الكلاسيكية الزائلة.
في ذروة هذا التسارع المذهل.. يدخل الذكاء الاصطناعي كضاغط أساسي وحتمي.. فارضاً شروطه الجمالية والتقنية على المشهد الفني برمتة.. فالأعمال الفنية التي كانت تستهلك من عمر الفنان أشهراً من التأمل.. والبحث.. ومداعبة اللون.. ومصارعة الكتلة.. وإيجاد التوازن بين الفراغ والامتلاء على سطح اللوحة.. أمست اليوم تُنجز في غضون دقائق معدودات.. بل وبدون أدنى مبالغة.. باتت تولد في لحظات خاطفة عبر معالجات خوارزمية فورية وتوليد رقمي يعتمد على كشط ملايين الصور المخزنة في الذاكرة السحابية. هذا التحول العاصف.. الذي يتجاوز كل السرديات القديمة ويهز أركانها.. اخترق بعنفوان جميص ع القيم والتقاليد الجمالية والميثيولوجية التي عكف عليها المشتغلون في حقل الفنون طوال القرون الماضية.. مستبدلاً ملمس القماش وضربات السكين الحية بالبكسلات الرقمية الباردة.. ومقصياً البعد الوجداني الذي كان يربط الفنان بأدواته وخاماته.
لقد وضع الذكاء الاصطناعي نفسه أمام المبدع البشري كمنافس شرس.. مستعد لإلغاء الخصوصية اليدوية والضربة الأسلوبية المتميزة التي تعبر عن هوية الفنان الذاتية.. ومع حضور هذا الكائن الخوارزمي في تفاصيل العملية الإبداعية.. استوت الرؤوس وتساوت الحظوظ في الظاهر.. وضاعت الحدود الفاصلة بين الموهبة الأصيلة والمحاكاة المصطنعة.
يحضرني هنا قول صانع ومخترع أول مسدس في التاريخ.. عندما أطلق رصاصته الأولى وقال بمرارة وانتشاء إن الشجاع والجبان قد تساويا الآن.. وعلى ذات النسق المعرفي.. ووفقاً لمعطيات هذا العصر الرقمي المثير.. أقول بملء الصوت واليقين إن دخول الذكاء الاصطناعي مجالات حياتنا وفنوننا قد ساوى بين العاقل المشتغل والمجتهد الذي قضى عمره يدرس النسب والتشريح والمنظور وظلال الأجسام.. وبين من يملك مجرد أمر نصي عابر. إنها المساواة المفجعة التي تمنح العابرين والمحترفين الأدوات التقنية نفسها.. تاركةً التحدي الحقيقي معلقاً في فضاء الروح:
فهل يستطيع هذا الذكاء الاصطناعي أن يسرق القلق الإنساني الخفي.. ذلك الوجع المشفر ودراما اللون الوجدانية التي يضعها الفنان في عمله لتقرأه الأجيال بعد آلاف السنين؟ إن الإجابة تظل رهينة بالاشتغالات القادمة.. وبمدى قدرة المبدع البشري على صون أسراره الروحية والتمسك ببصمته اليدوية الفريدة بعيداً عن أعين الخوارزميات الباردة التي تحسن المحاكاة لكنها تعجز عن ابتكار الألم الحقيقي.
























