كبسولات‭ ‬الزمن‭ ‬المشفرة- حكم ناطق الكاتب

تتراءى‭ ‬الفنون‭ ‬البصرية‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬بوصفها‭ ‬اشتغالات‭ ‬جمالية‭ ‬مشحونة‭ ‬بنوايا‭ ‬خفية‭ .. ‬رسائل‭ ‬مشفرة‭ ‬وموجهة‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬بدونه‭ ‬إلى‭ ‬مستقبليات‭ ‬مجهولة‭.. ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬عند‭ ‬تأمل‭ ‬الأصول‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬مقصلة‭ ‬الزمن‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تلاشت‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬الفقد‭.. ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬بديهية‭ ‬بان‭ ‬الإنسان‭ ‬كائن‭ ‬مسكون‭ ‬بالتدوين‭ ‬مدفوع‭ ‬برغبة‭ ‬عارمة‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬سرديات‭ ‬بصرية‭ ‬تسبق‭ ‬حتى‭ ‬تشكل‭ ‬اللغة‭ ‬المحكية‭ ‬ومخارج‭ ‬الصوت‭..‬

‭ ‬لقد‭ ‬وجد‭ ‬إنسان‭ ‬الكهوف‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الوسائط‭ ‬البدائية‭ ‬ملاذاً‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬القلقة‭ ‬مسجلاً‭ ‬فوق‭ ‬جدران‭ ‬الحجر‭ ‬الصماء‭ ‬أولى‭ ‬المحاولات‭ ‬الإنسانية‭ ‬للاحتجاج‭ ‬على‭ ‬الفناء‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬التكوين‭ ‬البصري‭ ‬البدائي‭ ‬يختزل‭ ‬ثنائية‭ ‬الضوء‭ ‬والظلال‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬المغارات‭ ‬ومع‭ ‬تحول‭ ‬المجموعات‭ ‬البشرية‭ ‬وتطورها‭ ‬من‭ ‬استيطان‭ ‬الأراضي‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬القرى‭.. ‬ثم‭ ‬بزوغ‭ ‬فجر‭ ‬المدن‭ ‬العظمى‭ ‬انصهر‭ ‬الإنسان‭ ‬داخل‭ ‬منظومات‭ ‬اجتماعية‭ ‬معقدة‭ ‬محكومة‭ ‬بسياقات‭ ‬وأنظمة‭ ‬صارمة‭ ‬فاندثرت‭ ‬العفوية‭ ‬الأولى‭ ‬لتفسح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تقنين‭ ‬الخط‭ ‬والكتلة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المخاض‭ ‬التاريخي‭ ‬الطويل‭ ‬فرض‭ ‬المكان‭ ‬حضوره‭ ‬الطاغي‭ ‬كحاضنة‭ ‬للأثر‭ ‬فالجدران‭ ‬الكهفية‭ ‬استقالت‭ ‬لتصبح‭ ‬مدونات‭ ‬ممتدة‭ ‬والألواح‭ ‬الطينية‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬وثائق‭ ‬وجودية‭ ‬نابضة‭ ‬بالتعبير‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬غائرة‭ ‬تشق‭ ‬صمت‭ ‬المادة‭.. ‬ومع‭ ‬ولادة‭ ‬المنحوتات‭ ‬البارزة‭ ‬والنحت‭ ‬المجسم‭ ‬بلغت‭ ‬اللغة‭ ‬البصرية‭ ‬ذروة‭ ‬عنفوانها‭ ‬التعبيري‭.. ‬حيث‭ ‬تخلت‭ ‬الصورة‭ ‬عن‭ ‬بعديها‭ ‬الثنائيين‭ ‬لتقتحم‭ ‬الفراغ‭ ‬بثلاثية‭ ‬أبعادها‭ ‬الصارمة‭.. ‬هناك‭ ‬على‭ ‬حواف‭ ‬الحجر‭ ‬القاسي‭.. ‬أراد‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يصرخ‭ ‬بوجوده‭.. ‬فضرب‭ ‬بأزميله‭ ‬صوب‭ ‬الصخرة‭ ‬الصماء‭ ‬منقاداً‭ ‬لمقتضى‭ ‬الحال‭ ‬وأدواته‭ ‬المتاحة‭ ‬فأنطق‭ ‬قساوتها‭  ‬وغرس‭ ‬في‭ ‬أحشائها‭ ‬حكايات‭ ‬وسرديات‭ ‬تؤرخ‭ ‬لانطباعاته‭.. ‬ومخاوفه‭.. ‬وسريرته‭ ‬المأزومة‭ ‬بالبقاء‭ ‬محولاً‭ ‬المادة‭ ‬المصمتة‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬مشهدية‭ ‬تعج‭ ‬بالحياة‭ ‬والدراما‭ ‬والهارموني‭ ‬البصري‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الجنائزي‭ ‬العظيم‭.. ‬تتبدى‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬لكي‭ ‬يعي‭ ‬المشتغلون‭ ‬بشتى‭ ‬الفنون‭ ‬البصرية‭.. ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬حقولها‭ ‬وتفرعاتها‭ ‬الواسعة‭ ‬من‭ ‬رسم‭ ‬ونحت‭ ‬وتجهيز‭ ‬في‭ ‬الفراغ‭ ‬الخطورة‭ ‬الفائقة‭ ‬لعملهم‭ ‬الإبداعي‭.. ‬إن‭ ‬الفنان‭ ‬الحقيقي‭ ‬وهو‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬منجزه‭.. ‬يقف‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أمام‭ ‬مرآة‭ ‬تاريخية‭.. ‬فهو‭ ‬يختار‭ ‬أنماطاً‭ ‬جمالية‭ ‬تُؤرخ‭ ‬بأنثروبولوجيا‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬للحالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المعاشة‭.. ‬

هذا‭ ‬الوعي‭ ‬يملي‭ ‬عليه‭ ‬حمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬كاملة‭.. ‬صامداً‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬المؤثرات‭ ‬السياسية‭ ‬الموجهة‭.. ‬ومقاوماً‭ ‬للضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العابرة‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬قولبة‭ ‬المنجز‭ ‬البصري‭ ‬وفرض‭ ‬ميزان‭ ‬لوني‭ ‬مشوه‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬رغبات‭ ‬العصر‭ ‬النفعية‭.‬

لقد‭ ‬شهد‭ ‬القرن‭ ‬الأخير‭ ‬تدفقاً‭ ‬هائلاً‭ ‬للأيديولوجيات‭ ‬الموجهة‭.. ‬بشقيها‭ ‬الفكري‭ ‬والنظري‭.. ‬أو‭ ‬التقليدي‭ ‬والمعاش‭.. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأطر‭ ‬الفكرية‭ ‬الصارمة‭ ‬مارست‭ ‬انحيازاً‭ ‬فجاً‭.. ‬فانتصرت‭ ‬لفئات‭ ‬دون‭ ‬أخرى‭.. ‬وحاولت‭ ‬تدجين‭ ‬الفن‭ ‬ليصبح‭ ‬مجرد‭ ‬ملصق‭ ‬دعائي‭ ‬مسطح‭ ‬أو‭ ‬بوقاً‭ ‬للسلطة‭ ‬وتبريراً‭ ‬للمرحلة‭.. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التنميط‭ ‬المتعسف‭.. ‬وتلك‭ ‬الأدلجة‭ ‬الممنهجة‭ ‬تتهشم‭ ‬دوماً‭ ‬وتتساقط‭ ‬أوراقها‭ ‬عند‭ ‬اصطدامها‭ ‬بصدق‭ ‬التعبير‭ ‬الفني‭ ‬والضربات‭ ‬العفوية‭ ‬لفرشاة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬جوهر‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكامن‭ ‬تحت‭ ‬طبقات‭ ‬الألوان‭. ‬

الفنان‭ ‬هو‭ ‬رسول‭ ‬وموثق‭ ‬لحالة‭ ‬إنسانية‭ ‬معاشة‭.. ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصفة‭ ‬مسؤولاً‭ ‬عما‭ ‬يدور‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬وصراعات‭.. ‬حيث‭ ‬الصدق‭ ‬الفني‭ ‬هو‭ ‬المطرقة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تكسر‭ ‬زجاج‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الموجهة‭.. ‬لتبقي‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬الإنسان‭ ‬عارياً‭ ‬ونقياً‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬التاريخ‭.‬

وعندما‭ ‬نلتفت‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.. ‬متأملين‭ ‬المنجزات‭ ‬البصرية‭ ‬للحضارات‭ ‬السحيقة‭ ‬الموغلة‭ ‬في‭ ‬القدم‭.. ‬نكتشف‭ ‬أنها‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬نتاج‭ ‬تعبير‭ ‬محاصر‭ ‬بالموضوعية‭ ‬والمنظومات‭ ‬العقائدية‭.. ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فنان‭ ‬تلك‭ ‬العصور‭ ‬يمتلك‭ ‬ترف‭ ‬الحرية‭ ‬أو‭ ‬مساحات‭ ‬التعبير‭ ‬الفردي‭ ‬البحت‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬النحت‭.. ‬والرسم‭.. ‬والكتابة‭ ‬التعبدية‭ ‬تُنجز‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الحضور‭ ‬الطقسي‭ ‬والديني‭.. ‬وبأمر‭ ‬من‭ ‬السلطوي‭ ‬الحاكم‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬النافذة‭ ‬الوحيدة‭ ‬والشرعية‭ ‬لتمرير‭ ‬الفنون‭.. ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬التناسب‭ ‬والنسب‭ ‬الذهبية‭ ‬والمنظور‭ ‬التراتبي‭ ‬في‭ ‬اللوحات‭ ‬القديمة‭ ‬يخضع‭ ‬لشروط‭ ‬المقدس‭ ‬لا‭ ‬لشروط‭ ‬الرؤية‭ ‬البصرية‭ ‬الخالصة‭. ‬

كان‭ ‬الفنان‭ ‬أداة‭ ‬لخلود‭ ‬الملك‭ ‬أو‭ ‬الإله‭.. ‬ومع‭ ‬ذلك‭.. ‬تسرّب‭ ‬صدقه‭ ‬الإنساني‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬شقوق‭ ‬تلك‭ ‬النصوص‭ ‬الإلزامية‭ ‬ليصنع‭ ‬خلوده‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬التفاتة‭ ‬تمثال‭ ‬أو‭ ‬مسحة‭ ‬حزن‭ ‬خفية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬الحجر‭.‬

أما‭ ‬اليوم‭.. ‬فقد‭ ‬انفتحت‭ ‬بوابات‭ ‬التعبير‭ ‬على‭ ‬مصراعيها‭.. ‬وغدت‭ ‬الوسائط‭ ‬الفنية‭ ‬أكثر‭ ‬وفرة‭ ‬وتنوعاً‭ ‬وسهولة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.. ‬هذا‭ ‬الانفجار‭ ‬الأدواتي‭ ‬يستدعي‭ ‬من‭ ‬المشتغلين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الإبداع‭ ‬أن‭ ‬يمدوا‭ ‬خيالاتهم‭ ‬إلى‭ ‬أقاصي‭ ‬التجريب‭.. ‬وأن‭ ‬يكسروا‭ ‬جدران‭ ‬الجليد‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الجاهزة‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬صار‭ ‬لزاماً‭ ‬على‭ ‬المبدع‭ ‬المعاصر‭ ‬أن‭ ‬يجتاز‭ ‬وديان‭ ‬الركود‭ ‬التقليدي‭.. ‬وأن‭ ‬يثقف‭ ‬ذاته‭ ‬بالانفتاح‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتعددة‭.. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المساحة‭ ‬البيضاء‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬اللوحة‭ ‬ذات‭ ‬الأضلاع‭ ‬الأربعة‭.. ‬بنظامها‭ ‬الصارم‭ ‬وأطرها‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬تحبس‭ ‬المدى‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬الإطار‭.. ‬هي‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬أو‭ ‬الفضلى‭ ‬لاحتواء‭ ‬القلق‭ ‬الإنساني‭. ‬إن‭ ‬وسائل‭ ‬التعبير‭ ‬الراهنة‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭.. ‬وأشد‭ ‬تعقيداً‭ ‬وترابطاً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معاً‭.. ‬ويعود‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬عنصر‭ ‬الوقت‭ ‬والزمن‭ ‬الافتراضي‭ ‬بقوة‭ ‬جارفة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬البصري‭ ‬المعاصر‭.. ‬ليتحول‭ ‬الفن‭ ‬من‭ ‬ثبات‭ ‬اللوحة‭ ‬المعلقة‭ ‬إلى‭ ‬سيولة‭ ‬الفنون‭ ‬المفاهيمية‭ ‬وفنون‭ ‬الأداء‭ ‬التي‭ ‬تتلاشى‭ ‬بمجرد‭ ‬انتهائها‭.‬

المتابعون‭ ‬والمشتغلون‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يدركون‭ ‬تماماً‭ ‬أن‭ ‬المنظومة‭ ‬الواقعية‭ ‬الحالية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الزمني‭ ‬ضاغطاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الفكاك‭ ‬منه‭.. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.. ‬تغيرت‭ ‬نظرية‭ ‬التلقي‭ ‬تجميلاً‭ ‬وتفصيلاً‭.. ‬وحدثت‭ ‬فيها‭ ‬هزة‭ ‬راديكالية‭ ‬واختلاف‭ ‬جذري‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬عقدين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭.. ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬فعل‭ ‬التأمل‭ ‬الطويل‭ ‬للعمل‭ ‬الفني‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬لمحة‭ ‬بصرية‭ ‬عابرة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬زجاجية‭ ‬لا‭ ‬تحتفظ‭ ‬بالضوء‭. ‬

إن‭ ‬المتلقي‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬المعاصر‭ ‬يختلف‭ ‬بنيوياً‭.. ‬فكرياً‭ ‬وسيكولوجياً‭.. ‬عن‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬صاغت‭ ‬وعي‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭.. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحركة‭ ‬السريعة‭ ‬والتغير‭ ‬الخاطف‭ ‬هما‭ ‬السمات‭ ‬البارزة‭ ‬والوحيدة‭ ‬لهذا‭ ‬العصر‭.. ‬والسرعة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُقاس‭ ‬بالأيام‭ ‬أو‭ ‬بالساعات‭.. ‬بل‭ ‬انحدرت‭ ‬القياسات‭ ‬الجمالية‭ ‬والزمنية‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الثواني‭ ‬القليلة‭ ‬الخاطفة‭.. ‬مما‭ ‬أفقد‭ ‬العين‭ ‬توازنها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬التناغم‭ ‬اللوني‭ ‬والضربات‭ ‬التعبيرية‭ ‬الدقيقة‭.‬

من‭ ‬هنا‭.. ‬يغدو‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المقبول‭.. ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬قبيل‭ ‬الوهم‭.. ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬يصغي‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬أغنية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬فيلماً‭ ‬سينمائياً‭ ‬يمتد‭ ‬لساعات‭.. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأعمال‭ ‬البصرية‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬خمس‭ ‬عشرة‭ ‬دقيقة‭ ‬باتت‭ ‬تواجه‭ ‬خطراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬بالرفض‭ ‬والنفور‭.. ‬لقد‭ ‬فقدنا‭ ‬جماعياً‭ ‬ترف‭ ‬السرد‭ ‬الممتد‭.. ‬وتلاشت‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الاستفاضة‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬البصري‭ ‬والكلامي‭.. ‬وتفتتت‭ ‬الأشكال‭ ‬الكبيرة‭ ‬إلى‭ ‬شظايا‭ ‬مشهدية‭ ‬مجتزأة‭. ‬جمهور‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬كجمهور‭ ‬الأمس‭ ‬فالتحول‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬المعاصرين‭.. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬المتلقين‭ ‬التقليديين‭ ‬أنفسهم‭ ‬خضعوا‭ ‬لعملية‭ ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬سيكولوجية‭.. ‬فتحولوا‭ ‬إلى‭ ‬متلقين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬النشوة‭ ‬اللحظية‭ ‬السريعة‭ ‬والضربة‭ ‬البصرية‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬الحواس‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬شفرات‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬السطح‭ ‬التصويري‭. ‬يعود‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬سطوة‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الرقمية‭ ‬الجديدة‭.. ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بسرعة‭ ‬هائلة‭ ‬وتسابق‭ ‬الزمن‭ ‬إذ‭ ‬شعرت‭ ‬تلك‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬القديمة‭ ‬أنها‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬المؤخرة‭.. ‬فابتكرت‭ ‬لها‭ ‬مسارات‭ ‬تسير‭ ‬بسرعة‭ ‬الضوء‭ ‬لتواكب‭ ‬واقعاً‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬الواقفين‭.. ‬إنها‭ ‬ثقافة‭ ‬القطار‭ ‬السريع‭ ‬التي‭ ‬حولت‭ ‬الفن‭ ‬الرفيع‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬يومي‭ ‬عابر‭.. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬يندمج‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدوامة‭.. ‬أو‭ ‬يظل‭ ‬متجمداً‭ ‬في‭ ‬محطته‭ ‬المنسية‭ ‬يبكي‭ ‬أطلال‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬الزائلة‭.‬

في‭ ‬ذروة‭ ‬هذا‭ ‬التسارع‭ ‬المذهل‭.. ‬يدخل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كضاغط‭ ‬أساسي‭ ‬وحتمي‭.. ‬فارضاً‭ ‬شروطه‭ ‬الجمالية‭ ‬والتقنية‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الفني‭ ‬برمتة‭.. ‬فالأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستهلك‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الفنان‭ ‬أشهراً‭ ‬من‭ ‬التأمل‭.. ‬والبحث‭.. ‬ومداعبة‭ ‬اللون‭.. ‬ومصارعة‭ ‬الكتلة‭.. ‬وإيجاد‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الفراغ‭ ‬والامتلاء‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬اللوحة‭.. ‬أمست‭ ‬اليوم‭ ‬تُنجز‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬دقائق‭ ‬معدودات‭.. ‬بل‭ ‬وبدون‭ ‬أدنى‭ ‬مبالغة‭.. ‬باتت‭ ‬تولد‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬خاطفة‭ ‬عبر‭ ‬معالجات‭ ‬خوارزمية‭ ‬فورية‭ ‬وتوليد‭ ‬رقمي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬كشط‭ ‬ملايين‭ ‬الصور‭ ‬المخزنة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬السحابية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬العاصف‭.. ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬كل‭ ‬السرديات‭ ‬القديمة‭ ‬ويهز‭ ‬أركانها‭.. ‬اخترق‭ ‬بعنفوان‭ ‬جميص‭ ‬ع‭ ‬القيم‭ ‬والتقاليد‭ ‬الجمالية‭ ‬والميثيولوجية‭ ‬التي‭ ‬عكف‭ ‬عليها‭ ‬المشتغلون‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الفنون‭ ‬طوال‭ ‬القرون‭ ‬الماضية‭.. ‬مستبدلاً‭ ‬ملمس‭ ‬القماش‭ ‬وضربات‭ ‬السكين‭ ‬الحية‭ ‬بالبكسلات‭ ‬الرقمية‭ ‬الباردة‭.. ‬ومقصياً‭ ‬البعد‭ ‬الوجداني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يربط‭ ‬الفنان‭ ‬بأدواته‭ ‬وخاماته‭.‬

لقد‭ ‬وضع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬المبدع‭ ‬البشري‭ ‬كمنافس‭ ‬شرس‭.. ‬مستعد‭ ‬لإلغاء‭ ‬الخصوصية‭ ‬اليدوية‭ ‬والضربة‭ ‬الأسلوبية‭ ‬المتميزة‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬الفنان‭ ‬الذاتية‭.. ‬ومع‭ ‬حضور‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬الخوارزمي‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬العملية‭ ‬الإبداعية‭.. ‬استوت‭ ‬الرؤوس‭ ‬وتساوت‭ ‬الحظوظ‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭.. ‬وضاعت‭ ‬الحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬الموهبة‭ ‬الأصيلة‭ ‬والمحاكاة‭ ‬المصطنعة‭. ‬

يحضرني‭ ‬هنا‭ ‬قول‭ ‬صانع‭ ‬ومخترع‭ ‬أول‭ ‬مسدس‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.. ‬عندما‭ ‬أطلق‭ ‬رصاصته‭ ‬الأولى‭ ‬وقال‭ ‬بمرارة‭ ‬وانتشاء‭ ‬إن‭ ‬الشجاع‭ ‬والجبان‭ ‬قد‭ ‬تساويا‭ ‬الآن‭.. ‬وعلى‭ ‬ذات‭ ‬النسق‭ ‬المعرفي‭.. ‬ووفقاً‭ ‬لمعطيات‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬المثير‭.. ‬أقول‭ ‬بملء‭ ‬الصوت‭ ‬واليقين‭ ‬إن‭ ‬دخول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مجالات‭ ‬حياتنا‭ ‬وفنوننا‭ ‬قد‭ ‬ساوى‭ ‬بين‭ ‬العاقل‭ ‬المشتغل‭ ‬والمجتهد‭ ‬الذي‭ ‬قضى‭ ‬عمره‭ ‬يدرس‭ ‬النسب‭ ‬والتشريح‭ ‬والمنظور‭ ‬وظلال‭ ‬الأجسام‭.. ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬مجرد‭ ‬أمر‭ ‬نصي‭ ‬عابر‭. ‬إنها‭ ‬المساواة‭ ‬المفجعة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬العابرين‭ ‬والمحترفين‭ ‬الأدوات‭ ‬التقنية‭ ‬نفسها‭.. ‬تاركةً‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬معلقاً‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الروح‭: ‬

فهل‭ ‬يستطيع‭ ‬هذا‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أن‭ ‬يسرق‭ ‬القلق‭ ‬الإنساني‭ ‬الخفي‭.. ‬ذلك‭ ‬الوجع‭ ‬المشفر‭ ‬ودراما‭ ‬اللون‭ ‬الوجدانية‭ ‬التي‭ ‬يضعها‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬لتقرأه‭ ‬الأجيال‭ ‬بعد‭ ‬آلاف‭ ‬السنين؟‭ ‬إن‭ ‬الإجابة‭ ‬تظل‭ ‬رهينة‭ ‬بالاشتغالات‭ ‬القادمة‭.. ‬وبمدى‭ ‬قدرة‭ ‬المبدع‭ ‬البشري‭ ‬على‭ ‬صون‭ ‬أسراره‭ ‬الروحية‭ ‬والتمسك‭ ‬ببصمته‭ ‬اليدوية‭ ‬الفريدة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬الخوارزميات‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬تحسن‭ ‬المحاكاة‭ ‬لكنها‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬ابتكار‭ ‬الألم‭ ‬الحقيقي‭.‬