

فارس الخطاب
حين نتأمل تجربة ثلاثة وعشرين عامًا من الارتباط السياسي والعقائدي للنظام السياسي والأمني العراقي مع إيران، لا يمكن أن نخرج باعتبارها مجرد علاقة ثنائية بين دولتين طبيعيتين، بل نذهب ويقين إلى أن مسارًا غريبا أعاد تشكيل طبيعة السلطة بين البلدين بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد 2003. غرابة هذا المسار أنه لم يكن خطيًا، بل تداخلت فيه المصالح، والهويات، والضرورات الأمنية، لينتج نموذجًا سياسيًا خاصًا، تعلم فيه الفاعلون الكثير، لكن ليس بما يخدم بناء الدولة العراقية ويحقق للشعب العراقي الازدهار والاستقرار والرخاء.
أول ما يظهر في هذه التجربة هو أن التعلم من هذه العلاقة كان في معظمه تكتيكيًا، ارتبط بكيفية إدارة النفوذ الإيراني والبقاء، أكثر من كونه استيعابًا استراتيجيًا لكيفية بناء مؤسسات مستقرة؛ فالنموذج المرتبط بإيران، وخاصة عبر منظومة الحرس الثوري الإيراني، يقوم على إدارة النفوذ عبر شبكات متداخلة من الفاعلين، وليس فقط عبر الدولة الرسمية، هذا الدرس نُقل إلى العراق بصورة جعلت الدولة نفسها ساحة لتقاطع هذه الشبكات، لا إطارًا جامعًا لها.
في المقابل، لم يتم استيعاب فكرة مركزية القرار التي تُعد من ركائز النظام الإيراني؛ فبينما تحتفظ طهران بمرجعية عليا تضبط التوازنات، تحوّل المشهد في العراق إلى تعددية مراكز القرار، بشكل تتقاطع فيها الولاءات وتتضارب المصالح، ما أدى إلى حالة من السيولة السياسية المستمرة، يصعب معها الحديث عن إرادة دولة موحدة.
الدرس الثاني الذي يمكن تحديده هو أولوية البقاء السياسي، فإيران وتحت ضغط العقوبات، طورت أدوات للصمود السياسي، فيما نقلته إلى العراق بشكل مبتور؛ إذ جرى التركيز على أدوات السيطرة السياسية دون بناء اقتصاد قادر على التحمل أو إدارة رشيدة للموارد. وهكذا نشأ تناقض واضح: دولة غنية بالثروات، لكنها عاجزة عن ترجمة ذلك إلى خدمات أو استقرار. أما على مستوى الهوية، فقد جرى استيراد البعد التعبوي للدين، دون الحفاظ على التوازن القومي الذي يميز التجربة الإيرانية. في العراق، لم تُدار الهوية بوصفها عنصر توحيد ضمن إطار وطني، بل تحولت إلى أداة فرز سياسي بشكلٍ عمّق الانقسامات بين المكونات القومية والدينية والمذهبية العراقية بدل احتوائها.
درس آخر أكثر حساسية، يتعلق بالتغيير الديمغرافي وتكريس الطائفية كآلية حكم؛ فبعد عام 2003، ومع تصاعد العنف الطائفي، لم يعد الواقع السكاني مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح في بعض الحالات جزءًا من أدواته، بعض الفاعلين السياسيين استوعبوا فكرة أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر المؤسسات أو الانتخابات، بل عبر تشكيل بيئة اجتماعية مواتية سياسيًا، هذا التفكير أدى، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تثبيت تحولات ديمغرافية في مناطق معينة، أو التعامل معها كأمر واقع يخدم توازنات السلطة، هذا المسار لم يكن نسخة مطابقة للنموذج الإيراني، بل قراءة انتقائية له، جرى فيها تضخيم البعد الطائفي على حساب البعد الوطني؛ ففي إيران، بقيت الهوية الدينية ضمن إطار دولة مركزية قوية، ولم تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع داخليًا بهذا الشكل. أما في العراق، فقد أدى توظيف الديمغرافيا سياسيًا إلى إضعاف فكرة المواطنة، وخلق بيئة دائمة من الشك المتبادل، حيث يُنظر إلى أي تغيير سكاني بوصفه تهديدًا، لا تحولًا طبيعيًا.
من جهة أخرى، تعلّم بعض السياسيين مهارات التفاوض الإقليمي عبر البوابة الإيرانية، خصوصًا في ظل التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة، لكن هذا التعلم بقي في إطار المناورة، ولم يتحول إلى سياسة خارجية مستقلة تعكس مصلحة عراقية واضحة خاصة بعد السياسة العدوانية التي ظهرت بها القيادة الإيرانية خلال الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران وقيام الأخيرة باستهداف دول الخليج العربية بعدوان بائن لم يستطع العراق أن ينأى بنفسه عنه، بل تحول إلى عنصر مساند لهذا العدوان عبر بوابة أذرع إيران الولائية هناك.
الأكثر إشكالية هو ترسّخ ما يمكن تسميته “عقلية الظل”، أي العمل ضمن هامش تحدده قوة إقليمية أكبر، مع مرور الوقت، لم يعد هذا مجرد خيار سياسي، بل تحول إلى نمط تفكير، تُقاس فيه القرارات بمدى توافقها مع مصالح الخارج الإيراني، لا بمدى خدمتها للداخل العراقي. ورغم كل ذلك، بدأت تظهر في السنوات الأخيرة إشارات إلى مراجعة جزئية، مدفوعة بتراجع الثقة الشعبية وتصاعد الاحتجاجات. هذه المراجعة لا تزال محدودة، لكنها تكشف أن بعض الفاعلين بدأوا يدركون أن الاستمرار في هذا المسار يعني إعادة إنتاج الأزمة ذاتها. فتجربة الـ 23 عاماً لم تكن خالية من التعلم، لكنها كانت مليئة بسوء التعلم من قبل أطراف العملية السياسية في العراق، فالسياسيون العراقيون ربما استوعبوا أدوات النفوذ والبقاء في المشهد السياسي العراقي، لكنهم تجاهلوا أو لم يتعلموا أسس بناء الدولة والسيادة.
الدرس الأخر ربما يتعلق بتكريس الفِرقة القومية والطائفية والسياسية؛ فبينما نجحت إيران في توظيف عناصر القوة القومية والطائفية ضمن منظومة وطنية متماسكة، مازال العراق يدفع ثمن النقل العشوائي للتجربة الإيرانية، حيث ركّزت القوى السياسية المتحكمة بالعملية السياسية في العراق على ما يخدم السلطة، وإهمال ما يبني الدولة ويطور أداءها لتخرج من دائرة “الفشل” المحكومة به منذ أكثر من عقدين من الزمن.
لسان حال العراقيين لا يسأل عن ماذا تعلّم سياسيو بلادهم من الدروس الإيرانية، بل ما إذا كانوا مستعدين لتفكيك هذه الدروس وإعادة بناء فهم جديد لها، ينطلق من مصلحة “العراق أولًا” وحل عقدة الارتباط السلبي مع إيران.























