البورتريه شهادة تُعيد للوجوه حضورها – صالح رضا

حين يُحارَب العقل ويُساء فهم التقدّم

البورتريه شهادة تُعيد للوجوه حضورها – صالح رضا

أكبر منجز قدمته، وأنا أكتب هذه الكلمات، هو تجربتي في رسم البورتريه؛ أكثر من خمسمئة شخصية وثّقتها بريشتي، من العراق إلى امتداد الوطن العربي، نُشرت في الصحف والمجلات، وعاشت بين الناس بوصفها وجوهًا تنبض بالحياة والذاكرة.

لكن المؤسف اليوم، أن نسمع أصواتًا تحاول التقليل من قيمة ما يُنشر، وتهاجم كل ما هو جديد، وكأنها تريد أن تعيدنا إلى عصورٍ كانت المعرفة فيها حبيسة الجهل والخوف. هؤلاء لا ينتقدون من أجل التطوير، بل يرفضون من حيث المبدأ، ويضعون أنفسهم في مواجهة الزمن.

كيف يمكن أن نرفض أدوات المعرفة الحديثة، والعالم من حولنا يقفز قفزات هائلة؟ كيف نستهين بلغة رصينة تُكتب بمساعدة أدوات متقدمة، وهي في جوهرها تخدم الكاتب وتفتح أمامه آفاقًا أوسع؟ هل المطلوب أن نغلق الأبواب، ونكتب كما كان يُكتب قبل مئات السنين، فقط لأننا نخشى الجديد؟

العلم اليوم لم يعد كما كان. نحن نعيش زمن المركبات التي تُرسل إلى الفضاء، والطائرات التي تصل إلى أقاصي الأرض، والمهمات التي تُدار من دون طيار، فتصل إلى القمر والمريخ، وترسل الصور والبيانات والأبحاث الدقيقة. فهل نقف أمام هذا كله لنقول: لماذا لا يقودها إنسان؟ وهل هذا منطق نقد… أم إنكار للعقل؟

إن الذكاء الاصطناعي، بكل ما يُقال عنه، ليس بديلاً عن الإنسان، بل أداة من أدواته. هو لا يرسم إحساس الفنان، ولا يخلق تلك الرعشة في اللون، ولا ذلك الحوار العميق بين الظل والضوء الذي تعيشه اللوحة التشكيلية. الفن الحقيقي يبقى ابن التجربة والروح، ابن المعاناة والجمال معًا.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هذه التقنيات تقدّم خدمة عظيمة للكاتب والباحث، فهي تجمع المعلومات، وتعرض السير الذاتية، وتفتح مصادر كانت بعيدة أو صعبة المنال. ومن هنا، فإن استخدامها لا يُضعف النص، بل يقوّيه – إذا كان وراءه عقل واعٍ يعرف كيف ينتقي ويصوغ.

المشكلة ليست في الأدوات، بل في طريقة النظر إليها. هناك من يرى في كل جديد خطرًا، وهناك من يراه فرصة. وبين هذين الموقفين يتحدد موقعنا من العالم: إما أن نكون جزءًا من تقدمه، أو نظل نراقبه من بعيد، نرفضه… ثم نتساءل لماذا تجاوزنا.وليس غريبًا، في خضم هذا التحول الكبير، أن تظهر كتابات تتخفّى خلف السخرية، لأنها تعجز عن المواجهة الحقيقية. فالسخرية، حين تكون فارغة من الفكرة، ليست موقفًا نقديًا، بل هروب من مسؤولية الكلمة.

هناك من يقضي أيامًا في نسج الحكايات والتهكم، لكنه يقف عاجزًا أمام كتابة نص واحد يحمل قيمة حقيقية للمجتمع، نص يضيف معرفة، أو يفتح أفقًا، أو يضيء جانبًا من حياة الناس. لأن البناء أصعب من الهدم، والإبداع يحتاج إلى تجربة وصدق، لا إلى تلميحات عابرة أو ضحك سهل.

إن الانتقاص من الفنان أو الأديب أو الشاعر لا يصنع كاتبًا، كما أن السخرية من الجهد لا تصنع منجزًا. القيمة الحقيقية تُقاس بما يُقدَّم، لا بما يُهدم.

وأنا أكتب هذا، أستعيد بداياتي في ثمانينيات القرن الماضي، حين لم تكن هناك تقنيات، ولا وسائل توثيق، ولا حتى كاميرا فوتوغرافية نحفظ بها أعمالنا. ضاع كثير من نتاجنا مع الزمن، وبقيت التواقيع على اللوحات شاهدة على ما أنجزته اليد والعين والروح.

قضيت عمري بين الرسم والدراسة والتجريب، حتى في أدق تفاصيل الجسد الإنساني؛ درستُ البنية والتكوين، وتأملتُ كيف تتماسك العضلات وتتشكل الحياة في أدق صورها، لأفهم الإنسان قبل أن أرسمه. هذا الجهد لم يكن عابرًا، بل كان طريقًا طويلًا من التعب والمعرفة.

واليوم، بعد هذا العمر، لا يُقاس هذا المنجز بكلمة عابرة أو سخرية عابثة. التجربة لا تُختصر، والتاريخ لا يُمحى، والإبداع الحقيقي لا يُلغى لأنه لا يوافق مزاج البعض.

ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح: لماذا أرسم وجوهًا غاب أصحابها منذ سنين طويلة؟ليس حنينًا عابرًا، ولا تكرارًا لما مضى، بل وفاءٌ لمن صنعوا شيئًا يستحق أن يُتذكَّر. أرسمهم كي لا يُمحَوا من ذاكرة الأجيال، وكي لا يصبح الغياب موتًا ثانيًا.الفن هنا ليس ترفًا، بل شهادة. شهادة تُعيد للوجوه حضورها، وللأسماء معناها، وللتاريخ نبضه. حين أرسم شخصية راحلة، فأنا لا أستعيد ملامحها فقط، بل أمدّ جسرًا بين زمنين؛ بين من صنعوا الطريق، ومن يسيرون عليه اليوم.

وفي زمنٍ ينشغل فيه البعض بالسخرية والتقليل، يبقى هناك من يعمل بصمت، يكتب أو يرسم أو يبدع، ليحفظ ما يستحق البقاء. لأن الأمم التي تنسى وجوهها… تفقد ملامحها.لهذا أرسم. ولهذا سأبقى أرسم.ولهذا أيضًا، سيبقى الفن الحقيقي، كما الكلمة الصادقة، أعلى من كل محاولات التقليل، لأنه ببساطة… يضيف للحياة، ولا يكتفي بالتعليق عليها.نحن لا ندافع عن تقنية، بل عن حق الإنسان في أن يتطور، أن يتعلم، أن يستخدم كل ما يصل إليه من معرفة. لأن الفن، كما العلم، لا يعيش في الماضي، بل يصنع .