سيارة‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬كوبرنيكوس- كامل عبدالرحيم

لم‭ ‬أقرأ‭ ‬لسعد‭ ‬هادي‭ ‬غير‭ ‬عملين‭: ‬رواية‭ ‬قصيرة‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬الأقدار‭ ‬الفنلندية‮»‬،‭ ‬وقصة‭ ‬طويلة‭ ‬‮«‬سيارة‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬كوبرنيكوس‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬آخر‭ ‬أعماله‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬نُشر‭ ‬منها،‭ ‬وقد‭ ‬نُشرت‭ ‬مع‭ ‬قصتين‭ ‬أخريين‭.‬

نلتقي،‭ ‬أنا‭ ‬وسعد‭ ‬هادي،‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭ ‬مرتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثًا،‭ ‬وبهذا‭ ‬يكون‭ ‬الصديق‭ ‬شبه‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬ألتقيه‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭. ‬وله‭ ‬لقب‭ ‬خاص‭ ‬عندي‭: ‬‮«‬الصندوق‭ ‬الأسود‭ ‬للثقافة‭ ‬العراقية‮»‬،‭ ‬وربما‭ ‬يظنني‭ ‬كذلك،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجانب‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭. ‬لكن‭ ‬كلينا‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬صندوقينا‭ ‬الأسودين‭ ‬لا‭ ‬يساويان‭ ‬فلسًا‭.‬

أجده‭ ‬هاربًا‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬وعلى‭ ‬عكسه‭ ‬أنا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬وفي‭ ‬نقطة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬الطريق‭ ‬التقينا‭.‬

يعود‭ ‬الفضل‭ ‬لي‭ ‬بإعادة‭ ‬تعارفنا‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬لقائنا‭ ‬الأول‭ ‬حين‭ ‬ذكرته‭ ‬بصديقنا‭ ‬المشترك‭ ‬الذي‭ ‬عرفنا‭ ‬ببعض،‭ ‬ومكان‭ ‬اللقاء‭. ‬لكن‭ ‬استدامة‭ ‬الصداقة‭ ‬وتكرار‭ ‬اللقاءات‭ ‬يعود‭ ‬له‭ ‬بالمقابل‭.‬

في‭ ‬قصته‭ ‬‮«‬سيارة‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬كوبرنيكوس‮»‬‭ ‬يحاول‭ ‬الهروب‭ ‬بأقصى‭ ‬طاقته،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الهروب‭ ‬سيعود‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬نقطته‭ ‬الأولى،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يهرب‭ ‬منه‭ ‬بالذات،‭ ‬وهو‭ ‬الوحل‭ ‬الذي‭ ‬تحولت‭ ‬إليه‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياسة‭ ‬العراقيتان‭. ‬فهو‭ ‬يعود‭ ‬بـ«كوبرنيكوس‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬الثائرين‭ ‬على‭ ‬النظرة‭ ‬‮«‬البطلمية‮»‬‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬بطليموس،‭ ‬والتي‭ ‬تقول‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭ ‬الإبراهيمية‭ ‬حول‭ ‬مركزية‭ ‬الأرض‭ ‬وثباتها‭.‬

يعود‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬‮«‬وارشو‮»‬‭ ‬عاصمة‭ ‬بولندا،‭ ‬لكن‭ ‬ليحوله‭ ‬إلى‭ ‬طفل‭ ‬صغير‭ ‬لن‭ ‬يظهر‭ ‬عيانًا‭ ‬في‭ ‬القصة،‭ ‬بل‭ ‬يشار‭ ‬إليه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬أمه‭ (‬البطلة‭ ‬من‭ ‬بطلي‭ ‬القصة‭) ‬غابرييلا،‭ ‬وهي‭ ‬نصف‭ ‬متسولة‭ ‬وربع‭ ‬مشردة‭ ‬وربع‭ ‬عاهرة‭.‬

قد‭ ‬يظن‭ ‬القارئ‭ ‬أن‭ ‬القصة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭ ‬المتروبولي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نوه‭ ‬إليه‭ ‬الصديق‭ ‬الروائي‭ ‬خضير‭ ‬الزيدي‭ ‬في‭ ‬إشارته‭ ‬للقصة،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬خلوها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬محلي‭ ‬يذكرنا‭ ‬بجنسية‭ ‬الكاتب‭.‬

وقد‭ ‬يظن‭ ‬آخر‭ ‬بأن‭ ‬سعدا‭ ‬يحاول‭ ‬الإيغال‭ ‬في‭ ‬‮«‬التغريب‮»‬‭ ‬ليفعل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يفعله‭ ‬غيره،‭ ‬بأن‭ ‬يكتب‭ ‬قصة‭ ‬فنلندية‭ ‬أو‭ ‬شمال‭ ‬أوروبية‭ ‬خالصة،‭ ‬كون‭ ‬سعد‭ ‬هادي‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬فنلندا‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬منذ‭ ‬عقد‭ ‬ونيف‭. ‬لكني‭ ‬وجدتها‭ ‬وقرأتها‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭. ‬فهو‭ ‬يقول‭ ‬عبر‭ ‬مشهدية‭ ‬يملؤها‭ ‬التشرد‭ ‬والقذارة‭ ‬والجنس‭ ‬الكابوسي‭ ‬مثل‭ ‬عقوبة‭ ‬تلمودية،‭ ‬والضياع،‭ ‬ضياع‭ ‬الأصول‭ ‬والغايات‭ ‬والخلو‭ ‬من‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬وقوتها‭ ‬أيضًا،‭ ‬يقول‭ ‬عبر‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭: ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يستحق‭ ‬النضال،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يستوجب‭ ‬القتال،‭ ‬لا‭ ‬حقائق‭ ‬تجعلنا‭ ‬أذكى‭ ‬من‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض‭ ‬ولا‭ ‬أجناس‭ ‬أنقى‭ ‬من‭ ‬غيرها‭. ‬وكأنه‭ ‬يقول‭ ‬للثقافة‭ ‬العراقية،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬للعراقيين‭:‬‭ ‬ما‭ ‬بكم،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يستحق‭ ‬تنابزكم‭ ‬وتناهشكم‭ ‬وتمجيد‭ ‬طوائفكم،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬وطنكم‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬فيه‭ ‬يستحق‭ ‬قطرة‭ ‬دم‭ ‬أو‭ ‬عرق،‭ ‬فالعالم‭ ‬متناهي‭ ‬الكبر‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬صغير‭ ‬جدًّا‭ ‬كسيارة‭ ‬أطفال‭.‬

في‭ ‬القصة‭ ‬بطلان‭: ‬ديمتري‭ ‬وغابرييلا،‭ ‬مشردان‭ ‬ومتسولان‭ ‬ومن‭ ‬أصول‭ ‬متعددة‭ ‬أو‭ ‬مجهولة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الكنيسة‭ ‬والماخور‭ ‬موجودان‭ ‬بنفس‭ ‬المكانة،‭ ‬بلا‭ ‬تأثيث‭ ‬للذنب‭ ‬ولا‭ ‬إطناب‭ ‬للتوبة‭. ‬ومن‭ ‬البساطة‭ ‬إحالتهما‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬آدم‭ ‬وحواء‮»‬‭.‬

وهناك‭ ‬أيضًا‭ ‬سيارتان‭ ‬زرقاوان‭: ‬صغيرة‭ ‬كلعبة‭ ‬أطفال‭ ‬وكبيرة‭. ‬تجد‭ ‬غابرييلا‭ ‬الصغيرة‭ ‬بين‭ ‬الأزبال‭ ‬فتحتفظ‭ ‬بها‭ ‬لابنها‭ ‬الصغير‭ ‬المفقود‭ ‬كوبرنيكوس،‭ ‬والذي‭ ‬احتفظ‭ ‬به‭ ‬أبوه‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭!!.‬

السيارة‭ ‬الزرقاء‭ ‬الكبيرة‭ ‬هي‭ ‬الشمس،‭ ‬والصغيرة‭ ‬هي‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬لعبة‭ ‬صغيرة‭ ‬لكوبرنيكوس‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬طفلًا‭ ‬ضائعًا‭. ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬آخر‭ ‬نرى‭ ‬آدم‭ ‬وحواء،‭ ‬أو‭ ‬ديمتري‭ ‬وغابرييلا،‭ ‬يمارسان‭ ‬الجنس‭ ‬في‭ ‬الحوض‭ ‬الخلفي‭ ‬للسيارة‭ ‬الزرقاء،‭ ‬وعندما‭ ‬يبلغان‭ ‬النشوة‭ ‬أو‭ ‬يكادان‭ ‬ينتبهان‭ ‬لعينين‭ ‬كبيرتين‭ ‬تراقبهما‭ ‬بلا‭ ‬خمول‭ ‬أو‭ ‬فضول،‭ ‬عينين‭ ‬تخصان‭ ‬‮«‬أيلا‮»‬‭ ‬الصغير‭ (‬في‭ ‬مقعد‭ ‬السائق‭) ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬أقرب‭ ‬للعبة‭. ‬إنها‭ ‬قصة‭ ‬الخليقة‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى،‭ ‬ملؤها‭ ‬التقزز‭ ‬والقذارة‭ ‬والتوبة‭ ‬وحتى‭ ‬البراءة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ذنب‭ ‬رغم‭ ‬العقوبة‭ ‬الأبدية‭.‬

القصة‭ ‬تسخر‭ ‬إذن‭ ‬من‭ ‬مروياتنا‭ ‬المتطامنة،‭ ‬لكن‭ ‬ذروتها‭ (‬السخرية‭) ‬يركزها‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬كوبرنيكوس‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬طفلًا‭ ‬مفقودًا‭ ‬بين‭ ‬الحقائق‭ ‬والعلوم،‭ ‬وأيضًا‭ ‬على‭ ‬‮«‬الأرض‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يسحبها‭ ‬الضالان‭ (‬آدم‭ ‬وحواء‭) ‬بخيط‭ ‬واهٍ‭ ‬إلى‭ ‬المجهول،‭ ‬وكأنه‭ ‬يذكرنا‭ ‬بمقولة‭ ‬فرويد‭: ‬‮«‬منذ‭ ‬كوبرنيكوس‭ ‬والإنسانية‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬المجهول‮»‬‭.‬

قصة‭ ‬محلية‭ ‬وعالمية،‭ ‬عبثية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬ومتحللة‭ ‬وربما‭ ‬إباحية،‭ ‬مناقبية‭ ‬وديستوبية،‭ ‬لكنها‭ ‬برأيي‭ ‬تحرر‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬عقدة‭ ‬الذنب،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬شيئًا‭ ‬لكنه‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬عينين‭ ‬كبيرتين‭ (‬جدًّا‭) ‬لأيل،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬هاربًا‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬لعبة‭…‬