
لم أقرأ لسعد هادي غير عملين: رواية قصيرة اسمها «أم كلثوم في حانة الأقدار الفنلندية»، وقصة طويلة «سيارة صغيرة إلى كوبرنيكوس»، وهي آخر أعماله أو ما نُشر منها، وقد نُشرت مع قصتين أخريين.
نلتقي، أنا وسعد هادي، كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا، وبهذا يكون الصديق شبه الوحيد الذي ألتقيه هذه الأيام. وله لقب خاص عندي: «الصندوق الأسود للثقافة العراقية»، وربما يظنني كذلك، على الأقل فيما يتعلق بالجانب السياسي من هذه الثقافة. لكن كلينا يعلم أن صندوقينا الأسودين لا يساويان فلسًا.
أجده هاربًا من شيء ما، وعلى عكسه أنا أبحث عن شيء ما، وفي نقطة ما من الطريق التقينا.
يعود الفضل لي بإعادة تعارفنا بعد أكثر من أربعين عامًا من لقائنا الأول حين ذكرته بصديقنا المشترك الذي عرفنا ببعض، ومكان اللقاء. لكن استدامة الصداقة وتكرار اللقاءات يعود له بالمقابل.
في قصته «سيارة صغيرة إلى كوبرنيكوس» يحاول الهروب بأقصى طاقته، لكن هذا الهروب سيعود به إلى نقطته الأولى، أو إلى ما يهرب منه بالذات، وهو الوحل الذي تحولت إليه الثقافة والسياسة العراقيتان. فهو يعود بـ«كوبرنيكوس» وهو أول الثائرين على النظرة «البطلمية» نسبة إلى بطليموس، والتي تقول بها كل الأديان الإبراهيمية حول مركزية الأرض وثباتها.
يعود به إلى مسقط رأسه «وارشو» عاصمة بولندا، لكن ليحوله إلى طفل صغير لن يظهر عيانًا في القصة، بل يشار إليه عن طريق أمه (البطلة من بطلي القصة) غابرييلا، وهي نصف متسولة وربع مشردة وربع عاهرة.
قد يظن القارئ أن القصة تنتمي إلى الأدب المتروبولي، وهذا ما نوه إليه الصديق الروائي خضير الزيدي في إشارته للقصة، وذلك عبر خلوها من أي أثر محلي يذكرنا بجنسية الكاتب.
وقد يظن آخر بأن سعدا يحاول الإيغال في «التغريب» ليفعل ما لم يفعله غيره، بأن يكتب قصة فنلندية أو شمال أوروبية خالصة، كون سعد هادي يقيم في فنلندا مع عائلته منذ عقد ونيف. لكني وجدتها وقرأتها غير ذلك. فهو يقول عبر مشهدية يملؤها التشرد والقذارة والجنس الكابوسي مثل عقوبة تلمودية، والضياع، ضياع الأصول والغايات والخلو من الأخلاقيات وقوتها أيضًا، يقول عبر ذلك كله: لا شيء يستحق النضال، لا شيء يستوجب القتال، لا حقائق تجعلنا أذكى من بعضنا البعض ولا أجناس أنقى من غيرها. وكأنه يقول للثقافة العراقية، ومن خلالها للعراقيين: ما بكم، لا شيء يستحق تنابزكم وتناهشكم وتمجيد طوائفكم، بل حتى وطنكم لا شيء فيه يستحق قطرة دم أو عرق، فالعالم متناهي الكبر وفي نفس الوقت صغير جدًّا كسيارة أطفال.
في القصة بطلان: ديمتري وغابرييلا، مشردان ومتسولان ومن أصول متعددة أو مجهولة، رغم أن الكنيسة والماخور موجودان بنفس المكانة، بلا تأثيث للذنب ولا إطناب للتوبة. ومن البساطة إحالتهما إلى «آدم وحواء».
وهناك أيضًا سيارتان زرقاوان: صغيرة كلعبة أطفال وكبيرة. تجد غابرييلا الصغيرة بين الأزبال فتحتفظ بها لابنها الصغير المفقود كوبرنيكوس، والذي احتفظ به أبوه في هونغ كونغ!!.
السيارة الزرقاء الكبيرة هي الشمس، والصغيرة هي الأرض التي تعود لعبة صغيرة لكوبرنيكوس الذي عاد طفلًا ضائعًا. في مشهد آخر نرى آدم وحواء، أو ديمتري وغابرييلا، يمارسان الجنس في الحوض الخلفي للسيارة الزرقاء، وعندما يبلغان النشوة أو يكادان ينتبهان لعينين كبيرتين تراقبهما بلا خمول أو فضول، عينين تخصان «أيلا» الصغير (في مقعد السائق) كان قبل ذلك أقرب للعبة. إنها قصة الخليقة بطريقة أخرى، ملؤها التقزز والقذارة والتوبة وحتى البراءة من أي ذنب رغم العقوبة الأبدية.
القصة تسخر إذن من مروياتنا المتطامنة، لكن ذروتها (السخرية) يركزها الكاتب على كوبرنيكوس الذي يجعله طفلًا مفقودًا بين الحقائق والعلوم، وأيضًا على «الأرض» التي يسحبها الضالان (آدم وحواء) بخيط واهٍ إلى المجهول، وكأنه يذكرنا بمقولة فرويد: «منذ كوبرنيكوس والإنسانية تتجه نحو المجهول».
قصة محلية وعالمية، عبثية وأخلاقية ومتحللة وربما إباحية، مناقبية وديستوبية، لكنها برأيي تحرر الإنسان من عقدة الذنب، فهو لم يفعل شيئًا لكنه يهرب من عينين كبيرتين (جدًّا) لأيل، ربما يكون هاربًا وربما يكون لعبة…





















