عالم محمد جلال الروائي وتأثره بنجيب محفوظ
شوقي بدر يوسف
رحلة الرواية عند محمد جلال هو الكتاب الذي قمت بكتابته في منتصف الثمانينات من القرن الماضي وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1988، وهي التجربة الثانية بعد كتابي الأول الذي صدر من المجلس الأعلي للثقافة عن الراحل ضياء الشرقاوي والذي تناولت فيه عالم ضياء الشرقاوي القصصي والروائي، وقد تناولت في كتاب رحلة الرواية عند محمد جلال المنجز الروائي عند محمد جلال بداية من روايته الأولي حارة الطيب التي صدرت 1962، مرورا بهذه الرحلة الروائية المتميزة التي قطعها الكاتب طوال حياته الإبداعية في مجال الرواية، وقد وقفت الدراسة عند رواية فرط الرمان التي صدرت في بداية الثمانينات. أخلص محمد جلال لفن الرواية تماما. وهو من الروائيين القلائل في الأدب المصري الحديث الذي آمنوا بدور الرواية في تصوير حركة المجتمع بل وحركة تجسيد قضايا الإنسان المعاصر عموما، وهو فنان ظل يعمل في جد ومثابرة وإخلاص شديد لفنه حتي استطاع في النهاية أن يحقق حضورا كبيرا في الساحة السردية، وأن ينجز مشروعا روائيا تناول فيه المكان والزمان وقضايا المجتمع، وحقق لنفسه حالة من الألق والتوهّج الإبداعي المتميز، وهو يعد في مقدمة الروائيين العرب المعاصرين الذين ساروا بفن الرواية العربية إلي آفاق رحيبة من الفكر الناضج والفن الرفيع.
تأثر كثيرا بالمشهد الروائي المعاصر خاصة بعالم نجيب محفوظ الذي يقول عنه دائما بأنه قد خرج من هذا المعطف الكبير لهذا الأديب المثابر المنضبط الدؤوب.
الزخم الروائي
وقد حاولت في كتابي عن الراحل محمد جلال أن أغوص قدر المستطاع في هذا العالم من خلال الأحداث التماهية مع المكان الذي احتفي به الكاتب، وأن أتعايش مع شخصياته التي انتخبها من الواقع المصري ومن الحارة المصرية علي وجه التحديد في أحياء السيدة زينب و المنيرة، هذه المنطقة التي شهدت نشأته وحياته الخاصة والعامة وذلك تأسيا بأستاذه نجيب محفوظ حينما احتفي بالحارة المصرية في حي الجمالية بالقاهرة، ونقلها من المحلية إلي آفاق العالمية في التناول الروائي. والفرق بين حارة نجيب محفوظ وحارة محمد جلال هو أن سكان حارة نجيب محفوظ يولدون فيها ولا يخرجون منها أبدا أما حارة محمد جلال فهي الحارة التي يلجأ إليها الناس بالهجرة ليتعايشوا مع واقعهم الجديد مستخدمين كل مقوماتهم وإمكانياتهم لهذه الحياة الجديدة.
وعليه فإنه حين دخل محمد جلال حلبة الرواية عن طريق روايته الأولي حارة الطيب مرورا بهذا الزخم الروائي الذي جاء بعد ذلك فإنه كان يستمد نسيج أعماله من تلك الصراعات التي تكاثر وجودها داخل المجتمع بين الطبقات المختلفة خاصة تلك الطبقات المستبدة بمقدرات الحياة وبين الطبقات الكادحة الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة. خاصة وأن المجتمع المصري آنئذ كان في فترة تحوله الاجتماعي المعروف بمرحلة التحول الإشتراكي، وكان أن أثرّت هذه المرحلة في جميع المحاولات والتجارب الأدبية والفنية والثقافية المنجزة في ذلك الوقت، وكانت القصة والرواية والمسرحية هم أهم الأجناس الأدبية التي تأثرت بتحولات هذه المرحلة. حتي أن النهايات التي أنهي بها محمد جلال بواكير أعماله الروائية كانت كلها تحتفي بهذه التيمة وهي تيمة انتصار الخير علي الشر وبزوغ ذلك الفجر الجديد المبشر بالمدينة الفاضلة التي يبحث عنها الناس في كل زمان ومكان. كما كانت أيضا طبيعة العلاقات التي تربط الشخصيات الروائية بعضها البعض تستمد وجودها من تلك العلاقات التي تواجدت بين المبدع وذاته، وكما تواجد نجيب محفوظ في العديد من أعماله الروائية في الثلاثية وخان الخليلي وغيرها من الأعمال، نجد أن محمد جلال قد تواجد في العديد من أعماله في قهوة المواردي وحارة الطيب وعطفة خوخة وحب في كوبنهاجن وغيرها من الأعمال.
ينقسم عالم محمد جلال الروائي إلي مراحل مختلفة تميزت كل مرحلة عن الأخري بمعمارها ومضمونها وقضاياها المختلفة وعالمها الخاص الملئ بإيقاعات الحياة المتحركة والمتأزمة والدائرة في حلبة الصراعات والتأزمات المتباينة. المرحلة الأولي وهي المرحلة الواقعية حارة الطيب 1962 ، ثم الواقعية الاشتراكية كما كان يطلق علي هذه المرحلة في روايات الرصيف 1962، القضبان 1965، الكهف 1967، الوهم 1969 ، ثم المرحلة الحديثة في المرحلة التعبيرية في رواية الأنثي في مناورة 1970، الحب 1971، الملعونة 1972، محاكمة في منتصف الليل 1976 ثم عود إلي بدء إلي المرحلة الواقعية النقدية في حب في كوبنهاجن 1975، قهوة المواردي 1978، عطفة خوخة 1980 ثم مرحلة استخدام الأسطورة في لعبة القرية 1980 . كما تميزت أعمال محمد جلال بقالب الثلاثية في ثلاثيته الكهف، الوهم، الحب وتعد هذه الثلاثية من العلامات المميزة في مسيرة محمد جلال السردية، وتمتد هذه الرواية عبر مساحة زمنية بدأت قبل قيام ثورة يوليو وانتهت عند بداية التأميم وصدور قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961. كما تميزت أعماله أيضا بأن الكاتب لا يربط نفسه ببطل معيّن ولا يلتزم بتحديد شخصية محورية تدور حولها أحداث النص وإنما تتفاعل الشخصيات كلها طبقا لما يمليه عليها الواقع الدرامي للحدث نتيجة لهذا الاحتكاك الذي يفرضه الصراع المتنامي والمتصاعد والمتواتر، بحيث أن هذه الشخصيات كلها تدور في فلك واحد يتباعد ويتقارب مكونا الهيكل العام لأحداث الرواية، بحيث تختفي الفردية في بطولة العمل وتظهر علي السطح البطولة الجماعية للشخصيات وهي سمة تميزت بها أعمال محمد جلال منذ روايته الأولي حارة الطيب وحتي رواية فرط الرمان.
وقد تأثر محمد جلال كثيرا بعالم نجيب محفوظ وبعض من الجيل المصاحب له في كثير من الأعمال الروائية له. وقد ظهر هذا جليا في هذه الرحلة الروائية التي سار أشواطها محمد جلال كما وكيفا. نجد ذلك كمثال في رواية الرصيف ، وتأثرها إلي حد ما برواية مليم الأكبر لعادل كامل، كذلك تأثر محمد جلال بشخصية زيطة صانع العاهات في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ في روايته الرصيف أيضا، وإن كانت هناك فروق جوهرية في أبعاد النصين حيث تتناول الأولي مجتمع المتسولين وتستمد أبعادها من صلب الصراع الدائر داخل هذا المجتمع الصغير. بينما جاءت حوادث الثانية أثناء وقوع مصر في براثن الاستعمار الإنجليزي، وظهور ما يسمي بالأورنس أو الكامب الذي كان يعمل فيه بعض المصريين.
تداعي الخواطر وتيار الشعور
وفي نماذج محمد جلال الروائية نجد ان التطور وتحولات الرواية قد طالت الشكل الفني في أعماله وتعد رواية الأنثي في مناورة 1970 هي الانعطافة الحقيقية في عالمه الروائي إذ انتقل بهذا النص من مرحلة الواقعية إلي مرحلة استخدام تكنيكات لغوية مستمدة من المونولوج الداخلي وتداعي الخواطر وتيار الشعور الذي بدأ يتسيّد المشهد الروائي في ذلك الوقت، وكما انتقل نجيب محفوظ في اللص والكلاب إلي مرحلة جديدة في الشكل الفني للرواية انتقل محمد جلال بهذا النص إلي مرحلة تتميز عن مرحلته السابقة عليها، في استخدام واقع داخلي في النص، ويقيم من خلاله عالما خاصا داخل أعماق الشخصية وداخل وعيها، فنجد أنه من خلال هذا المونولوج الداخلي الذي تداعت له أفكار سهي تلك الفتاة المشبوبة العواطف والتي تبدأ بتداعي هواجسها وبوحها الذاتي في هذا الصراع الدائر علي مستوي الواقع بين الخير والشر وهي التيمة الأساسية التي كان محمد جلال يلعب عليها دائما في كل نصوصه الروائية الواقعية والحداثية، كذلك جاءت رواية الملعونة 1972، علي نفس النسق الذي سارت عليه رواية الأنثي في مناورة من حيث التقنيات وجماليات التمثل في براعة السرد ودقة الحوار والترتيب المتميز لوقع اللغة داخل أعماق الشخصية ودلالاتها والشحنات الذاتية الذي يحملها النص في محاولة من الكاتب لتوصيل محتواها إلي ذائقة المتلقي، وقد صدرت رواية الملعونة بعد رواية الأنثي في مناورة مباشرة، وهي تدور كلها في ليلة واحدة، وبهذين النصين قلب محمد جلال موازين رحلته الروائية وحدد من خلالهما مسارا واتجاها جديدا وائم فيه بين إبداعه الواقعي وبين الأسلوب الجديد الذي بدأت الرواية الحديثة تتجه إليه. أصدر بعدهما رواية محاكمة في منتصف الليل 1976 وهي امتداد لنفس الخط الذي انتهجه محمد جلال في روايات المرحلة الأخيرة وهي الأنثي في مناورة و الملعونة وأيضا رواية الحب الذي استخدم لها الأطر السيكولوجية النابعة من داخل الشخوص للتعبير عن قضايا الحب والشك والغيرة والانسحاق الذاتي الذي يثير الزوابع والتأزمات داخل النفس البشرية ويحولها إلي بركان متحرك. كما نجد أيضا أن القضايا الاقتصادية وانحرافات بعض ذوي الميول النفعية متواجدة في كثير من إبداعاته ونجدها واضحة في رواية فرط الرمان التي تجسد مرحلة الانفتاح الاقتصادي، كما تناوله العديد من كتّاب الرواية المعاصرة أمثال فتحي غانم ومحمد جلال غيرهم من كتّاب الرواية.
لقد تواجد محمد جلال في المشهد الروائي المعاصر مبدعا ومؤصلا لحركة الرواية ومطورا لرحلته الخاصة ولرحلة الرواية بصفة عامة. بدأ في ساحة الواقعية وعبر جميع المذاهب في عفوية وتلقائية ذاتية وشكل بأعماله خطوة جيدة طريق الرواية العربية. فدفع بالرواية الفنية في مختلف مراحلها إلي الأمام وعبّر عن كل ما يستطيع أن يعبر عنه. كانت رؤيته الاجتماعية لها دلالتها الفنية ورؤيته النفسية نابعة من محور الذات ومن جبّلة تميل إلي الخير والبحث عن المدينة الفاضلة بشتي طرق البحث. عبّر عن أزمة الإنسان المعاصر وتأزمه في عصرنا الراهن. شاهد حضارات الدنيا فتحركت لديه نوازعه الإبداعية وكان الحب في كوبنهاجن كما هو الحب في القاهرة كما هو في كفر السرايا كما في قرية الصيادين كما هو في كل الدنيا. وظف مقوماته الفنية بإحساس الأديب بواقعه. وبإدراك كنه ما يعتمل في مجتمع الجامعة وعند المتسولين وفي المصانع والأحياء الشعبية والحارات والمقاهي في الجمالية والحسين والسيدة زينب وحيه الأثير حي المنيرة. كما كان مهموما أيضا بقضايا الحب والحرية، وكان ملتصقا دائما بهموم الناس وقضاياهم الخاصة والعامة يظهر ذلك واضحا جليا في كل أعماله الروائية، وعن هذه القضية يقول محمد جلال قضية الحرية لا تحتمل أي مناقشة لأنني ككاتب لو شعرت للحظة بالقهر لن أستطيع أن أمسك بالقلم، وهناك فرق بين تعبيري ككاتب عن القهر وشعوري به.. وكل هذه القضايا التي نراها الآن ليست حقيقية، وهناك فرق بين الدعارة والإبداع. فأنا أكتب فنا وعندما أريد أن أظهر غرفة نوم علي صفحات كتاب فيجب أن يكون هناك ضرورة فنية متوافقة مع الأحداث، وأنا مع الفن الجيد وليس الفن الهابط وأخيرا أقول إن الحرية مسئولية ثقيلة يجب احترامها. لقد عبّر محمد جلال في رؤيته الإبداعية عن المجتمع بما فيه من صفحات ناصعة وصفحات سوداء وانعكس كل ذلك في إبداعه الروائي.
وفي قضايا النقد نجد أن محمد جلال قد ابتعد عنه النقد كثيرا وعلي الرغم من هذا الكم الكبير وهذا التطور الذي طال رحلته الروائية الكبيرة، نجد أن هناك بعض الدراسات القليلة من النقاد نحو هذا العالم، كما أن الجوائز التي نسمع عنها كثيرا قد ابتعدت عنه هي الأخري إلا في الفترة الأخيرة حين فاز بجائزة التفوق وربما كانت المرحلة التي عاشها محمد جلال واصطدم فيها بالسلطة في فترة من فترات إبداعه خاصة هذه المرحلة التي كان فيها يوسف السباعي متسيدا المشهد الأدبي في مصر وكلنا نعرف حكاية محمد جلال ويوسف السباعي وقصة فيلم جميلة بوحريد التي كثيرا ما كان يرددها محمد جلال بحزن عميق. كما كانت للجوائز قصة أخري محمد جلال فعلي الرغم من عدم حصوله علي أي جائزة عن إبداعه الروائي إلا جائزة القراء، إلا أنه كان يشعر بالحزن إزاء هذه المواقف، لذلك كان يقول أشعر بالحزن كثيرا.. أتلفت حولي وأري دنيا الثقافة وقد قسمّت، وعليك أن تختار قسما إذا أردت أن تسمع كلمة تقدير وتنال جائزة وإلا عليك أن تعاني الوحدة من إبداعك إلا من شمعات طيبة صادقة تضئ حولك وتحاول أن تعوضك في زمن غريب لا يكفي فيه أن تغلق عليك باب حجرتك وتبدع كثيرا . وعلي الرغم من ذلك فقد ذاعت شهرة محمد جلال وكانت جائزته هو وصول أعماله إلي عدد كبير من القراء والمتلقيين عن طريق شاشات التليفزيون فقد حولت كثير من أعماله إلي أعمال تليفزيونية ناجحة، وكانت تذاع في رمضان من كل عام مسلسلا يتناول أحد أعماله الروائية المعروفة.
وعلي الرغم من أن الصحافة كانت تستهلك منه الجهد الكبير في عمله كرئيس تحرير لمجلة الأذاعة والتليفزيون إلا أن الرواية حبه الأول والأخير كانت لها المكانة العليا في نفسه وكان يؤثرها علي أي شئ . لقد كانت فعلا معادلة صعبة في أن يوائم محمد جلال بين إصداره ما يزيد علي عشرين عملا روائيا وبين العمل المضني في مجال الصحافة خاصة إذا كانت المجلة التي يشرف عليها مجلة أسبوعية. وتعتبر حركة النشاط الإبداعي عند محمد جلال حركة دؤوبة عصامية استطاعت أن تبني لنفسها مكانة مهمة علي خريطة الإبداع الروائي، وكما قلنا فإن الحركة النقدية للأسف لم تلتفت لها بشكل جاد وعلي الرغم من ذلك فقد كان عالم محمد جلال وسيزال علامة مهمة في تاريخ الرواية العربية المعاصرة.
/5/2012 Issue 4208 – Date 24 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4208 التاريخ 24»5»2012
AZP09
























