
همسات ساخنة .. ومضات هادئة
بِرُّ الوالدين سعادة وصدقة – لويس إقليمس
جميع الأديان في شرائعها وأساسياتها وتعاليمها تذكّر بواحدٍ من أسرار النجاح والسعادة في البيت الأسري ومن خلاله في المجتمعات التي تعوّل على حفظ كرامة الآباء والأجداد عندما يأخذ الكبر في التغلغل إلى حياتهم. وفي هذه النقطة بالذات، نجد اختلافات في طريقة التداول مع كبار السنّ، أي مع الأهل، سواءً تجاه الوالدين أو مَن يتواجد معهم في البيت الأسري من أعضاء آخرين من العائلة ممّن لم يُكتب لهم أن يؤسسوا بيتًا أسريًا لأي سبب من الأسباب. وفي كلّ الأحوال، فِبرُّ الوالدين يبقى من سمات الخلفة الصالحة بحسب التقليد وطبيعة الحياة الاجتماعية والظرف الزماني والمكاني لهذه الشرائح المجتمعية التي بلغت من العمر عتيًّا. فالأعراف والتقاليد والتربية المنزلية والدينية وحتى المذهبية والإتنية تتداخل في وسائل حفظ كرامة الوالدين، وكبار السن بصورة أعمّ، من منطلق كون رضا الله من رضا الوالدين، لو صحّ التعبير أكثر. والتاريخ يذكّر الأبناء والأحفاد بضرورة مراعاة هذه الشريحة التي اشتركت مع الخالق في ولادة الأبناء والبنات وتعبت في حياتها وربّت وصرفت جهودًا جبارة من أجل راحة الأبناء والأحفاد وتوفير كل السبل المتاحة لتحقيق سعادتهم، إلاّ ما ندر في حدود الشذوذ عن القاعدة العامة والعرف القائم والواقع المجتمعي والديني والأسري المتعارف عليه.
هناك ضرورات ملزمة من جانب الأبناء تجاه والديهم وكبار السن أينما وجدوا أو تواجدوا، حتى لو باتَ مصيرُهم في بيوت الملاجئ العامة أو الخاصة لدواعٍ لا مجال للدخول في أسبابها وحيثياتها بالرغم من أن الإنصاف المجتمعي لا يحلّل أو يسمح بترك كبار السنّ وذوي الرحم والقربى في عزلة، مهما كانت الأسباب.
حينها تتولى جهاتٌ تزخر بالرحمة والبرّ والصدقة بإنقاذ هذه الفئة من المجتمع التي خذلها قانون الحياة والموت بسنواتٍ باقيات تتحملها رغمًا عنها في انتظار المصير الزؤام، اي الموت المحتم في نهاية العمر. والأعمار بيد الله الخالق، كما نعلم! لكن من المؤسف، هناك مَن يتحايل من الأبناء عديمي الرحمة وناقصي الغيرة ممّن يستكثرون على والديهم الذين سهروا الليالي في تكوين الأسرة وتربيتهم بحسب الظروف التي تختلف في حدتها وقساوتها وصعوبتها أو في لطفها وهدوئها وبساطتها، فيذهبون بهم إلى المجهول بالتحايل المخجل للتخلّص منهم بأية وسيلة كانت، حتى لو حصل ذلك خلافًا للشرع والعرف المجتمعي والأخلاقي. وهنا تدخل بعض الأسباب الإضافية في شكل هذا التحايل، لاسيّما بدخول فردٍ أو أفرادٍ جددٍ في حياة البيت الأسري.
جرس الانذار
ومقصدي في هذا، دخول المرأة بصورة زوجةٍ لأحد الأبناء، لتتعكّر الأجواء في سيرها وفق أهواء وإرادة هذه المرأة التي تفرض جبروتها وإرادتَها بقدرة مؤهلاتها الأنثوية الناعمة على الزوج الذي يضعف عادة أمامَ شروطها وطلباتها، فيظهرُ كمَن لا حول ولا قوة له في العديد من مثل هذه الحالات. حينئذٍ يقرع جرس الإنذار الذي يبدأ بتنغيص حياة هذه الشريحة المتقادمة في السنّ، من والدين أو أجداد من الذين شاءت إرادة الخالق أن يستمتعوا بعمرٍ أطول لينعموا ويكحّلوا عيونهم وعقولهم ونفوسهم بمشاهدة الأبناء والأحفاد يشقّون طريق النجاح والسعادة وتكوين أسرٍ جديدة على طريق تنمية العائلة الكبيرة وانعكاس شكلٍ من سعادة الأبناء التي فتحت لهم الأبواب مشرعة بفضل جهود الاباء والأجداد حتمًا.
وهذا كلّه من ثمار التربية المنزلية والمدرسية المتزنة الصحيحة بلوغًا لأقصى ما يسعى إليه الآباء والأجداد لمصلحة أبنائهم وأحفادهم. ولكن كما يبدو، لا تجري الأمور بمثل هذه السلاسة والسهولة في إكمال ما تبقى من مشوار العمر. فالإناء في كلّ الأحوال ينضح بما فيه. كما أنَّ ما غرسه وزرعه الأجداد والآباء في عقول ونفوس الأبناء هو ما يحصدونه قبل تسليم ذواتهم لخالق العباد وانتهاء أيامهم المكتوبة على الأرض. هنا أقول، ليس من المقبول ولا من المعقول أو الأخلاقي أن يعيش كبار السن بعيدًا عن بيت الحنان الأبوي لكونهم دائمًا وأبدًا بركةَ السماء على الأرض.
التقدم في العمر من أسرار الحياة الدنيا
كلنا ندرك حقيقة الألم الذي يولّدُه التقدم في العمر لما فيه من مخرجات جديدة وتهريش على حال الأبناء والأحفاد، بل وعلى حال الأسرة أو العائلة الكبيرة نتيجة لظروف عديدة فرضتها الحياة المعاصرة المتعبة في الكثير من وقائعها غير محسوبة النتائج والأسباب.
وهذا شكلٌ من أسرار الحياة القائمة. ففي هذه الظروف الجديدة لكبار السن مهما كانت صلة الرحم والعلاقة القائمة وسط الأسرة أو العائلة، يبقى من حق هذه الفئة التي أحالها الزمن إلى ما هي عليه من الهرم وربما العوق والعجز والمرض، أن تراجع حساباتها وفق المتغيرات الحياتية الجديدة من دون أن تُحرم من حقِّ الألم والحسرة على الفرص التي اضاعتها ولم يتسنى لها الاستمتاع براحة الفكر والجسد والعقل أو بتحقيق حلمٍ راوَدَها في فترة أو مناسبة عندما لم تصل إليها يد المساعدة والنصيحة والدعاء. وإنّ أكثرَ ما يواجهه هؤلاء المسنّون من ألم وحسرة يكمن في عدم القدرة على استيعاب دروس الحياة القاسية التي مرت عليهم بعد خسارة الجزء الأجمل من سنوات العمرمن دون أن يتمتعوا أو تُتاح لهم فرصة الاستفادة من أشكال الحب والحنان والعاطفة والاهتمام والإحساس بالأبوّة السعيدة وغيرها من المشاعر الأسرية والاجتماعية الأساسية في الحياة. ويزداد الألم والحسرة عندما لا يجدون اليد الرحيمة واللطيفة والحانية التي تأخذ بأيديهم وتعطف على جسدهم المثقل بهموم الأمراض وتعب الحياة كلّما تقدموا في العمر وابتعاد أدوات السعادة عنهم لأية أسبابٍ، ومنها المتغيرات الأسرية التي تلحق بالأبناء ودخول عناصر بشرية جديدة في حياة الأسرة التي قد تغيّر الأحوال من جذورها في حالات كثيرة، كما تتحدث به حكايات وروايات معاصرة في أيامنا هذه.
خلاصة الحديث، الأب والأم بحاجة إلى احترام كبير وفهمٍ خاصٍ لموجبات ومتطلبات التقادم في العمر. وأقصد هنا في حديثي فئةً معينة لم تقصّر في واجباتها الأسرية تجاه الأولاد والأحفاد أكثر من فئاتٍ غيرها ممّن لم يتيسر لها مثل هذه الظروف السلسة والطبيعية في الحياة الاجتماعية للأسرة أينما تواجدت في أرض الله الواسعة.
ففرحة الآباء والأجداد، لا توصف لاسيّما لدى قناعتهم ونجاحهم بإدخال الأبناء والأحفاد إلى معترك الحياة ونيلهم فرص الكسب الحلال في مواجهة مصاريف ونفقات الحياة وبلوغهم حدًّا من السعادة الوفيرة، كما يتمنى العقلاء من كبار السن لفلذات أكبادهم. قد تختلف أساليب التفكير بين جيل الأجداد والآباء مع حقبة الأبناء والأحفاد.
وهذا أمرٌ مفرغٌ منه وطبيعيّ. فالظروف الزمنية والمكانية وشكل التربية والتعليم والتكنلوجيا بتجدّدها وتطوّرها ونقلاتها السريعة في الحياة المعاصرة من شأنها أن تخلق بشرًا بعقولٍ لا تفكّر بذات البصمة التي اعتاد عليها مَن سبقوهم على ذات البقعة أو البلد أو المسكن بسبب تغيرات الجغرافيا وشجون الحضارة والتكنلوجيا ومنغصات الحياة المعقدة. لكنّ ليس من شأن كلّ هذه التطورات والتغييرات أن تعقّد أو تقلّل أو تنتقص من مشاهد الاحترام والتبجيل والتقدير والعرفان تجاه الآباء والأمهات والأجداد والجدّات ومَن في سنّهم أو بالقرب منهم. فاحترامُهم أمرٌ مفرغٌ منه غصبًا عن الأبناء والأحفاد مهما اختلفوا معهم في وجهات النظر وسبل مصارعة أتعاب الحياة، كلّ وفق تفكيره وحدسه. وكما قال واحدُهم: «عند الأب والأم تنقلب الأفكار وتقف موازين الحياة وكل القواعد تسقط». وأضيف عليه ما يصيب العقلاء وحافظي المعروف تجاه الوالدين من ألمٍ وحسرة عند فقدان أو غياب أحدهم وبقاء مكانه خاليًا وسط البيت الذي يخشى غيابَ البركة عنه بسبب هذا الغياب الأبدي.
فبعد أن استثمروا بالأولاد كي يصلوا إلى ما وصلوا إليه من نجاح وتقدم وتكوين عائلة جديدة، يتبيّن للأبرار من البنين والأحفاد مقدار ما حرمَ آباؤُهم وأجدادُهم أحوالَهم من كثير الفرص والملذات والمناسبات لأجل توفير سعادة أكبر للأولاد والأحفاد.
اعظم النعم
وتجربتي في الحياة، كما عند غيري ممّن أعرفُهم وأتحدث عنهم، تحكي صحة ما ذهبتُ إليه.
فأعظم النعم وخير البركات أن يسرّ الوالدان بطاعة الأبناء وإدراك واجباتهم البنوية تجاههم كما تأمر ذلك الشرائع الطبيعية والدينية والقيم الأخلاقية التي تطبع الشعوب المتربية جيدًا. فهم يرضون عن أبنائهم وبناتهم كلّما وجدوا منهم وفيهم الخير والبركة والنجاح والسعادة في قضاء حاجاتهم بعد التوكل على رب السماء والأرض والخالق العظيم الذي يأمرُ بالوالدين إحسانًا!!!
























