شيزوفرينيا جسد.. هوية الجندرية والقمع

 

مروان ياسين الدليمي

يبقى الزمن في مقدمة العناصر الجوهرية التي يستند إليها بناء الشكل الفني للرواية،وحالة الأرتباط ما بينه وبين السرد تأخذ بعدها الجمالي في المبنى الدلالي،طالما يمارس دوره في استقطاب العلاقات القائمة في بنية السرد، وفي رواية “شيزوفرينيا جسد” للكاتبة الفلسطينية المقيمة في النرويج وسام المدني يتحول الزمن إلى فاعل نصي يأخذ شكلا دائريا،حيث يبدأ من حيث تكون الأحداث قد انتهت،ومن ثم يؤكد لنا حضوره من خلال تنكره لأي تمثل للزمن الواقعي،كما سنقف أمام حركة متوالية للزمن،حيث يتبادل فيها الماضي والحاضر مواقعهما بشكل متناوب،وهذا المنحى ليس إلاَّ محاولة لسحب المتلقي إلى منصة السرد عبر تقنية التلاعب والتحكم بالزمن، استباقا وارتدادا،ليكون التلقي منزاحا إلى مساحة من التساؤلات التي يتشكل منها الخطاب الفني للرواية،بمعنى أن خيار السرد في هذه الرواية قد ابتعد في مبناه عن السياق التقليدي لمجرى الزمن.

البحث عن الهوية

شخصية نورالمحورية والساردة للاحداث،ارتبكت صلتها مع نفسها، مذ أدركت إشكالية العلاقة مع جسدها،فلم تعد تعرف من هي، ومن تكون، ولأن الفضاء الواقعي لايسمح بطرح مثل هذه التساؤلات خارج حدود ماهو مسموح ومتاح، فقد أغلق بوجهها نافذة السؤال،وهذا ما جعلها تشعر أن حريتها مرسومة لها بشكل مسبق،ولاينبغي لها أن تجتاز ماهو متاح أمامها، لأنها أنثى ،وهذا يكفي لكي تتخلى عما تشعر به مذ كانت طفلة،حيث كانت والدتها تنهال عليها بالوصايا منذ اليوم الأول لالتحاقها بالمدرسة،محذرة إياها من اللعب مع الأولاد،فتولدت لديها الأسئلة بوقت مبكر،في محاولة منها لمعرفة معاني الحب والكراهية والخوف،ومن أين تولد هذه المشاعر.
بدا المشهد الأول للرواية معبا بالدلالات التي ستتكىء عليها مكونات النص، فكانت نقطة الشروع تحمل كثافة في عناصرها السردية،وستبقى بمثابة المفتاح الذي سيقودنا لفهم تعقيدات ما تعانيه شخصية نور، فهي من جهة تعيش إشكالية في تحديد هويتها الجندرية إذ تتداخل في ذاتها مشاعر متضاربة،إنثوية وذكرية،وأصبح جسدها بمثابة سجن تقبع روحها خلف قضبانه، وانعدمت أمامها أي فرصة للتصالح معه،بالتالي فقدت بوصلة العلاقة مع نفسها ومع العالم المحيط بها،ولم يعد ممكنا أن تصل إلى لحظة تتوفر فيها فرص التوازن والتواصل ما بين الداخل والخارج.

من هنا نجد اعتماد بداية السرد لتكون في سيارة الإسعاف،مع المصيرالذي اختارته نور بلجوئها إلى الإنتحار والتخلي عن الحياة،خيارا فنيا يحمل قصدية تتعدى مسالة تعرية علاقتها مع العالم الذي تعيش صراعا معه،إلى الكشف عن حقيقة وجودها التراجيدي بعد أن وجدت هويتها الجندرية تتأرجح في منطقة رمادية دون إرادتها ،وعلى الرغم من أنها لم تكن تحمل مؤهلات علمية ولاتعليما متقدما، لكنها في ذاتها حملت وعيا متقدما إزاء ما تحتاجه كانسانة،تعاني من ضياع ملامحها بين هويتين جنسيتين،وعملت بكل ما تستطيع من أجل فصل هذا التشابك ، خاصة وأن سعيها كان يدور في إطار مجتمع منغلق لايعترف بما تعانيه،مهما كانت تحمل في داخلها صراعا نفسيا يعبر عن محنتها، واتضح ذلك بعد أن حاولت إقامة علاقة مع صفاء،زميلتها في المدرسة الثانوية،وبدل أن يصغي لها المجتمع ويمد يده لمساندتها، حتى تخرج من هوة هذا التشابك الداخلي الذي يعصف بها ،عمل بكل ما يملك من سلطات إلى قمعها ومعاقبتها،لا لشيئ إلاَّ لانها حاولت أن تتعدى الحدود التي وضعتها الذاكرة الجمعية المتوارثة،وهذا لوحده يكفي لأن يزجها في دائرة من ينبغي أن تنهال عليهم اللعنات.

إنقسام الشخصية

إعتمدت صياغة المادة الروائية من الناحية التقنية على ثنائية الصوت السارد للأحداث وبصيغة ضمير المتكلم في الحالتين ،لأننا أمام شخصية واحدة منشطرة،ولكي تتحقق هذه المعادلة إنحازت تقانة السرد إلى تنويع الوحدات الفنية في بنية السرد ،وقد تمثل ذلك في استثمار المذكرات والرسائل والمدونات والتعليقات التي تحفل بها الصفحات الالكترونية على الفيس ،إضافة إلى البوح الذاتي المباشر للشخصية ذاتها، فكان التناوب على السرد ما بين صوتها في الحاضر وهي داخل عربة الإسعاف،وصوتها في الماضي القادم من أوراقها التي كان يقرأها طبيبها في المستشفى،محاولة تقنية لخلق حالة من الإيهام لدى المتلقي،تجعله يتنقل بين عالمين وزمنيين سرديين لشخصية واحدة، بالتالي فإن هذا الانحياز في حبكة السرد بدا في حالة توافق كبير مع الانقسام الداخلي الذي تعيشه شخصية نور،فجاءت الحبكة على قدر كبير من التوافق مع طبيعتها الداخلية.ومسارالشخصية يشير إلى عمق الإشكالية النفسية والفلسفية التي تحكم العلاقة ما بين ذاتها والعالم،وعلى الرغم من أنها حاولت أن تعثر على مايحقق لها نوعا من التفاهم،إلاَّ أنها فشلت، حتى أن حياتها أصبحت في خطر شديد واضطرت إلى الهرب،لقسوة ردود الأفعال التي جوبهت بها ،وهذا يشيرإلى أنها شخصية باحثة عن حقيقتها الجندرية وسط ركام من أصوليات مجتمعية لاتسمح لها بمساءلتها،ولديها قدر كبير من الشجاعة،عبَّرت عنها بوضوح في رفضها لسلطة الواقع،إلاَّ أنها في النهاية تقر بعجزها عن إحداث أي تغيير في منظومة القيم المتوارثة،ومن هنا جاء قرارها بدخول المصح، وإن كان هذا الخيار يحمل شكل الهزيمة إلاّ أنه يعبر أيضا في وجهه الآخر عن فعل المواجهة،طالما يحمل في دلالته إدانة رمزية تومىء إلى أن العالم خارج المصح تنعدم فيه فرص الحياة.
وفق هذه الحبكة فإن الرواية تتوغل عميقا في متاهات الروح وغواياتها التي تجتاز بها خطوطا حمراء كرستها السلطة بمفهومها المطلق تحت عنوان العيب والحرام والممنوع .وكانت الصفعة القوية التي تلقتها من أبيها بمثابة الدرس الأقسى الذي لن تنساه،فتحولت إلى لحظة فاصلة في حياتها،افترقت فيها عما كانت عليه من براءة،واستحالت ذاتها من بعدها إلى ثنائيات متصارعة،وانتهت معها تلك العلاقة المفتوحة مع العالم،فإذا بالابواب تغلق بوجهها،معلنة البدء بزمن آخر لم يعد يتسع لتساؤلاتها ويضيق ذرعا بها، فكانت النتيجة أنها اختارت في ما بعد العيش في المصح بارادتها .

بنية الزمن

نقف في هذا العمل أمام زمنين سرديين الأول يرتبط بالحاضر حيث ترقد نور في سيارة الإسعاف ،ومن خلالها تبدأ عملية البوح لتمثل نقطة ارتكاز في ذاكرة الذات الساردة، التي تستعيد الأحداث عندما تستثيرها الصور المتتابعة عبر نافذة سيارة الإسعاف، أما الزمن الثاني فننتقل إليه عبر أوراقها التي دونتها والتي عثر عليها الطبيب الذي يعالجها في المصح ،فكانت فضاء تقنيا لسرد علاقاتها وأفكارها وهواجسها الحميمة التي مرت بها،وشكلت بالنتيجة نقاط الإحتدام بينها وبين سلطة الواقع الذي عمل على تدجينها في هوية لاتنتمي إليها رغما عنها.هذا إضافة إلى أن الرواية في استثمارها لتكنيك المدونات في صفحات مواقع التواصل الإجتماعي،لم تتعامل معها باعتبارها مادة وثائقية بل كانت إنفتاحا تقنيا على فضاء التناص، فأنتجت تلك الصيغة العلائقية نصوصا موازية داخل النص الأصلي، كانت تشتغل في إطار تدعيم السرد التخييلي بتعالق نصي واقعي، ومن غير أن تجري عليه أي تغيرات، وقد تجاوزت تلك النصوص وظيفتها الفنية بأن تحولت إلى وسيط وثائقي يدعم محتوى الخطاب الفني في النص السردي المتخيل .
ومن وحي وتاثير العالم الإفتراضي الذي حاولت شخصية نور أن توظفه في أدواتها ضمن إطار المكاشفة الذاتية مع من يتشاركون معها في ذات الإشكالية الهوياتية التي تعاني منها تدخل في علاقة إفتراضية مع هدى ،الفتاة العانس التي تضج أنوثة ولا أحد يلتفت إليها،ومن ثم تكتشف بان العلاقات الإفتراضية مها كانت تبدو صادقة إلاَّ أنها تبقى وهمية، ومن نتائجها أنها تزيد من الشعور بالإحباط ولن تكون بديلا عن العلاقات الفاشلة في الواقع الحقيقي.

شخصية شكسبيرية

شعور نور بتحررها جسدا وروحا،من قيود العالم الخارجي الذي قمعها تحقَّقَ في اللحظات الاخيرة من حياتها، بينما كانت متمددة على السرير داخل سيارة الإسعاف وهي تتارجح ما بين الصحو والغيبوبة،وجاء ذلك في أول مشهد إبتدأت به الرواية،وهنا تكمن قوة الحبكة السردية. حيث كانت تعبيرا عن حالة تصالح داخلية مع نفسها.ومن هنا تبدو رمزية هذه اللحظة في كشفها عن المعركة الشرسة التي يمارسها المجتمع،ضد من يبحث عن حريته الذاتية،وأن هذه المعركة لن تنتهي إلاَّ في حالة فناء الجسد، فالجسد هنا يمثل عقدة الصراع بين الذات و الذات،وبينها وبين الذوات الأخرى،ولنا أن نتصور تراجيدية هذه العلاقة،وانسداد الأفق فيها،إذ بدت شخصية نور في بنائها الدرامي أقرب إلى أن تكون”هاملتية” من ناحية علاقتها الوجودية مع العالم،لأن موقفها يعكس مواجهة حادة بين أن تكون أو لاتكون،وعندما انحازت إلى فكرة الإنتحار فهذا يعني أنها اختارت أن تكون.

*رواية “شيزوفرينيا جسد “: المؤلفة وسام المدني
إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر /الطبعة الاولى 2020
عدد الصفحات 256