

سلسلة أسواق بغداد
ورّاقو السراي .. حيث تُصنع المعرفة والثقافة – صلاح عبد الرزاق
تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه : في سوق الكتب عند بوابة البصرة ببغداد، التي كانت تضم أكثر من مئة متجر، كان المتعلمون من كل أنحاء العالم الإسلامي يجتمعون. هنا يفتش الفيلسوف والشاعر الفلكي عما صدر حديثاً من الكتب، وهناك ينقب الطبيب والمؤرخ وجامع الكتب عن النسخ القديمة، وهنا وهنالك يتناقشون جميعاً ويتبادلون المعرفة أو تقرأ عليهم برمتهم مقتطفات مما كتب.
ويذكر المؤرخون أنه في سوق الوراقين كان يوجد مائة دكان يعلمون بنسخ الكتب. وكان السوق يقع بين المدرسة المستنصرية وبيت الحكمة. أي أنه كانت هناك مائة مطبعة في العهد العباسي تتولى طباعة وتكثير الكتب المكتوبة من قبل مؤلفيها أو مترجميها إذا كانت مترجمة من لغات أخرى.
بذلك ساهم سوق الوراقين في بغداد في نشر كتب العلوم والأدب والشعر والدين والطب والجغرافية والرحلات والفلك والهندسة. فكان لسوق الوراقين دوره وتأثيره في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية.
سمي بسوق السراي نسبة إلى سراي الحكومة المقابل لمدخل السوق. وكلمة (سراي) لفظة تركية تعني القصر. وكان مقر الإدارة العثمانية ووالي بغداد في بناية القشلة ، وكان السراي مركز النشاط الحكومي والاداري والقانوني، وكان يراجعه مئات المواطنين والموظفين يومياً. وبذلك نسي اسم السوق الأصلي أي سوق الوراقين واشتهر باسم سوق السراي.
موقع سوق الوراقين
كان سوق الوراقين أول ما أنشئ في جانب الكرخ التي كانت تضم أشهر أسواق بغداد. فقد ذكر الخطيب البغدادي أنه سنة ( 156 هـ / 664 م) قام أبو جعفر المنصور بنقل الأسواق من المدينة مدينة الشرقية إلى باب الكرخ وباب الشعير والمحول، وهي السوق التي تُعرف بسوق الكرخ ، وأمر ببنائها من ماله على يد الربيع مولاه. (1)
ويؤكد اليعقوبي كلام الخطيب البغدادي فيقول وأسواق هناك أكثر ما فيه في هذا الوقت (القرن الثالث الهجري) وهو الوراقون أصحاب الكتب ، فإن فيه أكثر من مائة حانوت للوراقين.
ويذكر الصولى حدوث حريق عظيم شب في سوق الكرخ في ذي القعدة سنة ( 333 هـ / 945م ) ووصل الحريق إلى أصحاب محال الوراقة وأدواتهم مما جعل مهنة الوراقة تتعرض لبعض التراجع.
ويشير ياقوت الحموي إلى أن سوق الوراقين كانت بالجانب الغربي من بغداد أي في سوق الكرخ.
أما سوق الوراقين في الرصافة فقد نشأ وبدأ بالانتعاش بعد تضاؤل سوق الوراقين في الكرخ. وهو السوق الذي بقي إلى اليوم في موقعه الحالي.
ذكرياتي في سوق السراي
في منتصف الستينيات كنت في الدراسة المتوسطة (1966-1969)، ونسكن في حي الخضراء. وكنت أتردد على سوق السراي لشراء المجلات العلمية (عالم المعرفة) ومجلات الرسوم المتحركة. وتدريجياً وعندما صرت في الإعدادية عام 1969 زاد اهتمامي بالمجلات الأدبية والثقافية وخاصة مجلة العربي الكويتية. وكانت تُعرض في السوق الكتب والمجلات المستعملة بأسعار زهيدة. واتذكر أنني اشتريت الأعداد الأولى لمجلة العربي ، كما طلبت من أحد الدكاكين في السوق تجليد المجلة بواقع ستة أعداد بمجلد واحد. فقام بالمهمة وتم تجليد ثلاثة مجلدات بسعر 300 فلس للمجلد الواحد. وما تزال المجلدات عندي ، وهي تعود لعام 1960 . كان السوق مظلماً ، والحوانيت صغيرة الحجم ، والكتب والقرطاسية غير منظمة ، وبعضها معروض خارج الدكان. وكان هناك دكان صغير افتتحه عام 1930 السيد حسين الفلفلي (1914-1966) وكان بديناً جداً يجلس بين الكتب المتناثرة على المنضدة والأرض والرفوف. وكان متخصصاً ببيع المناهج المدرسية المستعملة حيث يشتريها من الطلاب ويبيعها بثمن زهيد. وكان الفلفلي ذو ذهن وقاد وذاكرة قوية بحيث لو سألته عن أي كتاب فسيخرجه لك من الرف أو من بين الكتب المكدسة على المنضدة.
في عام 1949 طلب الفلفلي من نوري السعيد المساعدة في نصب هاتف للمكتبة، فاستجاب لطلبه وبذلك تحقق للفلفلي اجراء الاتصالات لتوفير أمهات الكتب والمطبوعات المصادر مقصد الطلاب والباحثين عن المعلومات أو الصور عن تاريخ العراق، كما قام الفلفلي بطباعة مؤلفات بعض الكتّاب العرب والعراقيين مثل سعد أطلس، وعبد الحميد الرشودي، وجواد علي، وغيرهم،
ومن الغريب وجود مطعم شهير في نهاية السوق من جهة القشلة وهو (كبة السراي) وهو مطعم صغير جداً لا يسع الزبائن المتجمهرين أمامه ، فيتناولون الكبة الشهيرة وهو وقوف. وأغلب الزبائن كانوا من المراجعين لدوائر الدولة القريبة من السوق مثل المحاكم المدنية (حاليا المركز الثقافي البغدادي) و دوائر الحكومة في القشلة وأمانة العاصمة ومتصرفية بغداد والبريد الحكومي والاعدادية المركزية وغيرها.
سوق السراجين
وقد شيده والي بغداد حسن باشا وهو غير الوالي الشهير صاحب محلة جديد حسن باشا وجامع (جديد حسن باشا). وقد بني بجوار جامع الوزير الذي كان اسمه جامع (عتيق حسن باشا). وكان يُسمى (سوق الجوبقچية) قبل أن يُطلق عليه سوق السراجين وسوق السراي المجاور له.
يؤدي المدخل الرئيس لسوق السراي إلى سوق السراجين الذي يتميز بمدخله الفخم على شكل أقواس مبنية من الطابوق الأصفر والجص. إن سوق السراجين يلاصق جامع الوزير ويمتد على طول ضلعه الشرقي. فالسوق قد بني على أرض الجامع لتعود إيراداته إلى الجامع تنفق على صيانته ورواتب العاملين فيه. لذلك ينتهي سوق السراجين بعد قرابة مائة متر ثم ينعطف يميناً ليلتقي بسوق السراي. وبناء السوق على الطراز الإسلامي وسقفه عبارة عن قباب متجاورة فيها فتحات لدخول الضوء والهواء. ويوجد طابق آخر فوق الدكاكين ولها أربعة مداخل وسلالم ، ويستخدم كورش أو مختزن للبضائع.
ويختص السوق بالصناعات الجلدية كالحقائب والمحفظات والأحزمة واللوحات الجلدية المزينة بمعالم العراق وبغداد.
جامع الوزير
هو من مساجد بغداد القديمة، وجرى بناؤه في عام ( 1008 هـ / 1599 م ) ، وقد بناهُ الوزير حسن باشا بن محمد باشا الطويل زمن ولايتهِ لبغداد في أيام السلطان محمد خان، وجرى ترميمه وإعادة بنائه في عهد الدولة العثمانية عام ( 1060 هـ / 1660 م) ، ويقع في جانب الرصافة من مدينة بغداد، خلف سوق السراي على ضفاف نهر دجلة، ولقد هُدم هذا المسجد وأُضيفت بعض مساحتهِ إلى مدخل جسر المأمون (جسر الشهداء حالياً) في عام 1939م، ثم أنشئ في بعض أرضهِ مصلى حديث بهيئة لا صلة لها بما كان عليهِ المسجد الأثري سابقا . ويحتوي المسجد على مصلى حرم واسع يتسع لأكثر من 400 مصل، وتعلو الحرم قبة مزكرشة بالكاشي الكربلائي، وعلى يسارها منارة مئذنة تستند على أربع ركائز مدورة ويوجد فيه أيضا مصلى صيفي يتسع لأكثر من 250 مصل، وفي الجامع حديقة تطل على ضفاف نهر دجلة. وللمسجد بابان أحدهما باب حديدي يطل على الشارع العام، والآخر باب خشبي مصنوع من خشب الصاج القديم، يفضي إلى سوق السراجين. ويقابله من الجهة الثانية للجسر مرقد الشيخ محمد الكليني.
وفي الحديقة توجد شجرة سدر معمرة يقال أن عمرها (400) عام ، أي بعمر المسجد. وقد رأيتها والتقطت صوراً معها، وتروى حكاية في سبب بنائهِ حيث قيل إنه بُني هذا الجامع بأموال التجار الذين غرقت بضائعهم في النهر، ولم يستطيع ولاة الأمر التعرف على بضائعهم فاقترحوا في حينها بيع البضائع والسلع وبناء مسجد بثمنها، فبني مبنى الجامع من أموال بيع البضائع المتروكة. ، وذكر المؤرخ مصطفى جواد إن الجامع بني في الموضع نفسه الذي كان مشغولا بمدرسة دينية قديمة تدعى المدرسة التتشية. وصفه السيد محمود شكري الآلوسي فقال: ( هو رحب الفناء ، فسيح المصلى ، عن شماله منارة شامخة ، وعن يمينه مدرسة جميلة الوضع مطلة على النهر. وأمامه رواق مستطيل.
وهذا الجامع قديم العهد ، وقد جُدّد وعُمّر مراراً ، وممن عمّره حسن باشا أحد ولاة بغداد السابقين على ما دلّت عليه الكتابة المنقوشة في المرمر الموضوع في صدر باب المصلى. ولم يزل هذا الجامع قائم الأركان مشيد الجدران ، تقام فيه الجمع والأعياد والصلوات المكتوبة). (2)
هُدم هذا المسجد وانتهت عمارتهِ سنة ( 1360 هـ / 1941م) ، ولم يبقَ منهُ إلا منارتهِ فأعادتهُ مديرية الأوقاف العامة في عام 1956 م ، ثم جددهُ ديوان الأوقاف عام 1965 م ، وكان الشيخ عبد الجبار الأعظمي يقيم فيهِ إماما وخطيباً وكانت مجلتهُ (الثقافة الإسلامية) تصدر عنهُ بعد انتقالها من جامع الأورفلي، وكان الجامع في الأصل مدرسة عباسية قديمة أنشأها الأمير السلجوقي خمارتيكن بن عبد الله سنة 500 للهجرة وعرفت باسم المدرسة التتشية، وتتش اسم تنسب لهُ عدة مواضع منها هذا الموضع الذي بنيت فيهِ المدرسة، وممن تولى الإمامة والخطابة فيهِ الشيخ محمد بن حسن البيرقدار المتوفي بمكة في 17 تشرين الأول 1980.
نشوء شارع المتنبي
يقع شارع المتنبي في محلة (جديد حسن باشا) المتداخلة مع محلات (باب الأغا) و(الميدان) و(الحيدرخانة)، والشارع يربط بين هذه المحلات كأنه شريان يهب الحيوية والنشاط. وبعد انتعاش شارع المتنبي وتحول عيادات بعض الأطباء إليه صار يجذب إليه أصحاب حوانيت الكتبية في سوق السراي. ولما انتقلت تلك المكتبات إلى المتنبي فتحت بمكانها دكاكين باعة القرطاسية ولوازم المكاتب والدوائر والمدارس.
فكانت بذلك بداية تخصص سوق السراي بالقرطاسية ، وشارع المتنبي بالكتب والطباعة.
فصار أصحاب مكتبات سوق السراي يفتتحون مكتبات حديثة في المتنبي مثل المكتبة العصرية لصاحبها محمود حلمي (افتتحت عام 1914) ومكتبة نعمان الأعظمي (افتتحت عام 1908 واستمرت خمسين عاماً قبل أن يتنازل عنها للأديب صادق القاموسي عام 1964) ومكتبة عبد الكريم خضر حفيد الملا خضر الذي أنشأ (مكتبة الزوراء عام 1860) .
وقد قُتل عبد الكريم خضر برصاصة طائشة في مدخل سوق السراي من جهة القشلة في انقلاب مايس 1941 الذي قاده رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة.
وكانت مكتبة خضر (البغدادية حالياً) تقع في قيصرية الاكمكخانة أو المخبز العسكري الذي كان يزود جنود القشلة بالخبز في العهد العثماني.
وتأسست المكتبة الأهلية عام 1922 من قبل السيد عبد الأمير الحيدري ، ثم مكتبة نجله السيد كاظم عبد الأمير الحيدري الذي أسس عام 1928 المكتبة الحيدرية.
وتوالت بعد ذلك المكتبات بالظهور في سوق السراي ثم انتقلت إلى المتنبي مثل المكتبة الوطنية لصاحبها عبد الحميد زاهد ومكتبة المثنى لصاحبها قاسم محمد الرجب .
ومنذ الخمسينيات تأسست العديد من المكتبات مثل مكتبة المعارف لصاحبها محمد جواد حيدر ، ومكتبة البيان التي أسسها الأديب علي الخاقاني.
مكتبة النهضة تجربة نوعية
وكان لتأسيس عبد الرحمن حسن حياوي عام 1956 مكتبة النهضة نقطة تحول في مهنة بيع الكتب.
فالمكتبات قبله كانت توفر الكتاب لطالبه المفرد ، ولما تأسست مكتبة النهضة ابتدع مؤسسها مسألة الخصم على الأسعار.
. كما ابتدع التفريق بين البيع بالجملة والمفرد ، فكان يمنح خصماً على سعر الكتاب للطلاب والأساتذة الجامعيين والمعلمين وأصدقاء المكتبة. ويمنح خصماً آخر لباعة الكتب وأصحاب المكتبات الفرعية ووكلاء المحافظات ، وكل ذلك جعلها تستقطب الرواد والزبائن والوكلاء الفرعيين.
وخطت مكتبة النهضة خطوة نحو المهنية عندما صار تسعير الكتاب يراعي أسعار الصرف بالنسبة للعملة العراقية. الأمر الذي حقق فرقاً كبيراً في التسعير وتخفيضاً ملموساً بأسعار الكتب ، وهو أمر كان له تأثير في ارتفاع نسبة الطلب على الكتاب ، وصارت مكتبته مركزاً لتوزيع الكتاب. الأمر الذي شجعه على تأسيس فروع لها في بغداد وفي المحافظات ، وأصبح للمكتبة فرع أو وكيل واحد في كل حي ببغداد وفي كل محافظة.
من جانب آخر تبنت مكتبة النهضة نشر الكتاب العراقي بحلة عصرية ضاهت ما هو عليه الكتاب المطبوع في مصر ولبنان. كما كانت المكتبة تشارك في المعارض الدولية في القاهرة وبيروت ودمشق وحلب وتعرض مطبوعاتها وخاصة الكتاب العراقي . ولذلك ذاع صيت المكتبة محلياً وعربياً ودولياً، وبوجودها ولنشاطها ترسخ كون شارع المتنبي شارعاً يختص بالكتاب. (3)
وفي آخر لقاء مع صاحب المكتبة الحالي عمار العاني (أبو منتظر) حدثني عن تاريخ المكتبة ومؤسسها وتاريخها. كما حدثني عن المأساة التي عاشتها في حادث التفجير الإرهابي في 5 شباط 2006 الذي وقع أمام المكتبة واستشهاد محمد حياوي نجل مؤسسها عبد الرحمن حياوي ، وإصابة أخيه القاضي نبيل عبد الرحمن حياوي بجروح بالغة ،استشهاد ولده يحيى في الحادث. فيما تناثرت جثث زوار المكتبة داخلها وأمام مدخلها. وشاهدت صور المؤسس وابنه وحفيده الشهيدين. كما أهداني كتاباً يؤرخ الحادث بالوثائق والمعلومات والصور.
وكانت المكتبة قد أعدت (100) طرداً من الكتب لشحنها إلى أربيل للمشاركة في معرض أربيل الدولي الثاني للكتاب بلغت قيمتها (65 ألف دولار). وضمت منشوراتها والمكتبة العصرية بلبنان والعديد من منشورات لبنان ومصر والأردن وسورها قدرت أضرار المكتبة بحدود نصف مليون دولار.
الاستثمار في سوق المكتبات
لقد شجع التطور الذي شهده شارع المتنبي لجهة تخصصه بنشر وتوزيع الكتاب ، وكذلك تزايد الطلب على الكتاب وافتتاح المئات من المكتبات الفرعية في محلات بغداد والمحافظات ، واعتمادها على التزود من شارع المتنبي بأنواع الكتب المطبوعة محلياً أو المستوردة من الخارج ، العديد من محبي المعرفة أو أصحاب رؤوس الأموال على التوجه لتأسيس المكتبات في شارع المتنبي والدخول في صناعة الكتب ونشرها. وهكذا تم إنشاء العديد من المكتبات في الربع الأخير من القرن العشرين ، ومن أبرز هذه المكتبات المؤسسة في تلك الفترة : مكتبة التربية لصاحبها السيد عبد الحسين مزهر الراضي ، ومكتبة شقيقه السيد عبد الوهاب الراضي (دار الكتب العلمية) و (مكتبة الشفاء) لصاحبها السيد سعد عبد الشهيد ، و (مكتبة الشرق الجديد) لمؤسسها السيد هاشم مجيد العزاوي ، و(المكتبة القانونية) التي تخصصت بطبع ونشر الكتب القانونية والمراجع القضائية والكتب المنهجية لطلاب الجامعات وكليات الحقوق ، و(مكتبة الرباط) المتخصصة بكتب الفقه والتراث ، و(مكتبة القيروان) و(مكتبة أنوار دجلة) و (مكتبة أيسر) و (مكتبة عدنان) التي تخصصت بالكتاب العراقي القديم والحديث. (5)
واتخذت (المكتبة البغدادية) منن قيصرية الاكمكخانة داخل شارع المتنبي مقراً لها . تضم القيصرية بطابقيها سبعين محلاً وغرفة. وصارت القيصرية مركز نشاط باعة الكتب أصحاب البسطيات والأكشاك. والبسطية تعني أن يكون لبائع الكتب مخزن صغير في داخل المجمع ، بينما يفترش الأرصفة داخل وخارج المجمع لعرض كتبه نهار كل يوم. وبذلك ارتفع عدد المكتبات ، كبيرة وصغيرة ، إضافة إلى أصحاب البسطيات والأكشاك إلى أكثر من مائة. (5)
ذكرياتي في المتنبي
عندما بلغت الثامنة عشرة ودخلت كلية الهندسة (1962-1966)، أصبح اهتمامي بالكتب التاريخية والدينية. فصرت أزور مكتبات شارع المتنبي بحثاً عن تلك الكتب. وكنت أتعرف على أصحاب المكتبات ليزودوني ببعض الكتب الممنوعة من قبل النظام البعثي ، وخاصة الكتب الإسلامية السنية والشيعية وغيرها. فكانوا يوفرونها بعد التأكد من سلامة موقفي واكتساب الثقة.
وأتذكر أن أول كتاب اشتريته كان بعنوان (قصص الأنبياء) للكاتب اللبناني عبد العفيف طبارة ، فقد استهوتني قصصهم ولكن كنت بحاجة إلى تفصيلات أكثر عن حياتهم وسيرتهم. والكتاب الثاني كان (روح الدين الإسلامي) للكاتب نفسه. وهكذا بدأت أشتري كتباً متنوعة شملت تاريخ الإسلام والرحلات والعقائد والتفسير والفقه. وأول رسالة عملية اشتريتها هي تعليقة السيد محمد باقر الصدر على رسالة (منهاج الصالحين) في بداية السبعينيات. وقد أثارت فتاواه ضجة كبيرة في الوسط الإسلامي. فقد ورد فيها أن الخمر ليست نجسة إلا المأخوذة من العصير العنبي. وأن اللعب بالورق ليست قماراً إذا لم يتضمن الرهان أو نقوداً. فكانت فرصة للعب بالورق دون حرج شرعي أو توبيخ من الكبار.
وهكذا بدأت مكتبتي تزداد حجماً يوماً بعد آخر ، لكن بعد قرار الهجرة من العراق في نهاية عام 1980 تركتها تحت رحمة والدتي التي دفنتها خوفاً من السلطات الأمنية فتلفت جميعها. وتمكن والدي من انقاذ بعضها مثل مجلة العربي وكتاب الحكماء السبعة للورنس العرب وكتاب تفسير الميزان للسيد الطباطبائي الذي يتألف من 25 مجلداً ، وكنت قد اشتريته عام 1968 من الكاظمية بسعر (25) ديناراً.
وخلال حياتي فقدت مكتبتين بسبب الهجرة الطويلة ولكن تمكنت من إبقاء آخر مكتبة جمعت كتبها في هولندا. وعندما قررت العودة إلى العراق عام 2003 شحنتها بشاحنة أوصلتها إلى بغداد براً. وفي بغداد تمكنت من إضافة مئات الكتب إليها فبلغت قرابة (2500) كتاباً ، وأنوي إهداءها إلى المركز الثقافي البغدادي.
كنت أزور أغلب المكتبات في شارع المتنبي وأشهرها المكتبة العصرية لصاحبها صادق القاموسي ، ومكتبة المثنى لصاحبها قاسم محمد الرجب ، ومكتبة النهضة لصاحبها عبد الرحمن حسن حياوي ، ومكتبة دار الكتب العلمية وغيرها. وكنت أشاهد فيها جلسة يحضرها أساتذة ومؤرخون وأدباء وشعراء وصحفيون يتناقشون في بعض القضايا الفكرية والتاريخية والأدبية. فقد كانت تلك المكتبات مجالس أدبية تحضرها النخبة المثقفة حيث لم تكن في المتنبي مكاناً آنذاك لمثل هذه النشاطات.
خلال فترة الحصار الاقتصادي في التسعينيات اضطر كثير من الأكاديميين والمثقفين والأدباء إلى بيع مكتباتهم الشخصية. كما صار الورثة يستسيغون بيع مكتبات آبائهم المعروفين بعد وفاتهم. كل ذلك أرى إلى بيع الكتب بأسعار زهيدة في بسطيات وأرصفة شارع المتنبي. ومن المؤسف أن تجد بعض الكتب عليها إهداءات مؤلفيها وتواقيعهم عليها.
بعد سقوط النظام عاد الانتعاش لسوق الكتاب ، وعادت كتب كانت ممنوعة لتباع بشكل علني. كما نزلت كتب جديدة تتحدث عن جرائم صدام وحزب البعث ومذكرات واعترافات عن تلك الفترة المظلمة. كما وجدت أقراص سي دي تتضمن مشاهد من التعذيب الذي مارسه عدي وقصي صدام ضد مواطنين أبرياء. لقد حدثت ثورة كبيرة في المتنبي اثر الانتقال من النظام القمعي المجرم إلى النظام الديمقراطي المنفلت إعلامياً. وصارت تباع كتب الالحاد والفاحشة وأدب الجنس وأقراص الأفلام الإباحية على الأرصفة.
وارتفع عدد المكتبات الجديدة ، وتغيرت واجهاتها وديكوراتها وكتبها المعروضة. وظهرت أسماء دور نشر جديدة ساهمت في طباعة مئات العناوين شهرياً. فازدهر سوق الكتاب في بغداد ، وازداد عدد القراء. الأمر الذي شجع على إقامة معرض بغداد للكتاب الدولي منذ عام 2009 في معرض بغداد الدولي في المنصور.
تاريخ صناعة الورق في بغداد
تقول إحدى الروايات إنّ العالم الإسلامي عرف الورق عقب معركة «طلاس» (Talas)، جنوب كازاخستان، عام 751م، الواقعة على طريق الحرير. فقد هزم القائد العربي زياد بن صالح الجيش الصيني في سهوب آسيا الوسطى، وعاد إلى قواعده في سمَرْقند (أوزبكستان)، مصطحبًا عددًا من الأسرى الصينيّين من بينهم عدد يتقن صناعة الورق. وفي سمَرْقند استغلّ أولئك الأسرى الموارد المحلّيّة من القُنَّب وخِرق الكتّان، فضلًا عن المياه المتوافرة في قنوات الري التي يرفدها نهر طرفشان، فأسّسوا مصنعًا للورق، فاشتُهرت المدينة بجودة الورق الذي أنتجته على مدى قرون.
لكنّ هذه الرواية تبقى مجرّد حكاية، وربّما مصطنعة، ذكرها المؤرخ العربي الثعالبي (ت 1038م) بعد ثلاثة قرون من وقوع المعركة، في كتابه «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» الذي أفرد فيه فصلًا للحديث عن خصائص مختلف البقاع وصفاتها وما تنفرد به. وقد ذكر في هذا السياق أنّ إحدى خصائص سمَرقند هو الورق، الذي يبدو أفضل وأكثر مرونة وسهولة في التعامل معه، وأكثر ملاءمة للكتابة عليه من قراطيس مصر (ورق البَردي) أو الرَّقّ. وينقل الثعالبي عن صاحب كتاب «المسالك والممالك» المجهول قوله في سبي زياد بن صالح الأسرى الصينيين وعلاقتهم ببدء صناعة الورق في سمَرقند. وما يدعم عدم صحّة رواية الثعالبي أنّ مصدرًا صينيًا معاصرًا هو دو هوان (Du Huan) الذي وقع أسيرًا في قبضة المسلمين، ثم عاد إلى وطنه بعد عشر سنوات من تاريخ المعركة، يذكر النسّاجين والرسّامين وصانعي الذهب والفضّة من بين الصينيّين الذين سباهم المسلمون، بيد أنّه لم يذكر صنّاع الورق أبدًا.
مهما يكن من أمر، فقد انتشرت صناعة الورق في جميع أرجاء آسيا الوسطى بحلول القرن الثامن. ويجب ألاّ يُنسَب الفضل إلى الأسرى الصينيّين في تعريف سكّان آسيا الوسطى بالورق وبصناعته، إذ استُخدم الورق في سمَرْقند، وربّما صُنع هناك قبل عقود من معركة «طلاس». (6)
شهدت صناعة الورق تطوّراً كبيراً عبر العصور، إذ انتقلت من حالٍ إلى حال، والفضل في اكتشافها يعود إلى الصينيين، إلّا أن المسلمين تمكّنوا من تطويرها والإبداع فيها بشكل كبير.
تعدّ سمرقند مركز انطلاق صناعة الورق في الحضارة الإسلامية؛ إذ تركّزت فيها، ثم انتقلت إلى بقية أجزاء الدولة الإسلامية، وإلى بغداد في عصر هارون الرشيد. تفنّن الكُتّاب والصُنّاع والورّاقون المسلمون في صناعة الورق، فزيّنوه وحسّنوه وأضافوا إليه الكثير، حتى ظهرت لنا أنواع عدّة من الورق.
سوق الورّاقين عباسياً
احتضن العراق الخلافة العبّاسية منذ القرن الثامن. وقضى قرار الدواوين العبّاسية باستخدام الورق بوصفه حاملًا للكتابة في السجلات الرسمية وتدوين الوثائق بدور فعّال في قبول الورق في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. فقد أمر الخليفة أبو جعفر المنصور وزيره خالد البَرْمَكي باستبدال الأوراق المفردة بالسجلاّت على هيئة الكتب . لكنّ الكتّاب المسلمين واصلوا استخدام ورق البَردي في أعمال الدواوين في عهد الخيفة العبّاسي الثاني أبي جعفر المنصور. ويذكر ياقوت الحموي (ت 1229م) أنّ الخليفة هارون الرشيد أسّس أوّل مصنع للورق في بغداد عام 794-795م. لكنّ ابن خلدون (ت 1406م) كان أكثر تحديدًا حين ذكر أنّ الفضل بن يحيى البَرْمكي، وزير هارون الرشيد، فهو الذي أمر بصناعة الورق واستخدامه في الدواوين، واتّخذه الناس من بعده صُحفًا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية. ومن ثمّ توافرت كميات كافية من الورق للكتّاب في الدواوين، إذ سرعان ما أصبحت بغداد مركزًا لصناعة الورق.
ازدهرت صناعة الورق في بغداد، وأمّن السكان إمدادات كبيرة من الخِرق لمصانع الورق، وضخّت أنهارها وقنوات الري فيها مياهًا كافية لإدارة الدواليب في مصانع الورق. وعدّ بعض الناس الورق البغدادي أفضل أنواع الورق، حتّى إنّ المصادر البيزنطيّة أشارت إلى الورق أحيانًا باسم «البغدادي». ويشير القلقشندي (ت 1418م) إلى الجودة العالية التي تمتّع بها الورق البغدادي، ويعدّد تسعة أحجام لقَطْع الورق، كان أكبر قَطعين منها هما: القَطع البغدادي الكامل (110 * 63 سم)، والقَطع البغدادي المصغّر (98 * 65 سم). (6)
وغدت «الوِراقة» عملًا تجاريًّا متوسّعًا، فاكتظّ سوق الورّاقين جنوب غربي بغداد بأكثر من مئة حانوت لبيع الورق والكتب. ويمثّل مصحف صغير الحجم كتبه الخطّاط البغدادي الشهير ابن البوّاب (ت 1032م)، إحدى أقدم العيّنات من الورق يمكن ربطها ببغداد مباشرة.
بعد أن نشأت صناعة الورق في بغداد، انتشرت بسرعة فائقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فدخلت سوريا ومصر وشمال إفريقيا وإسبانيا. وتحسنت الصناعة تحسناً ملموساً بسرعة كبيرة وأنتجت المصانع أنواعاً ممتازة من الورق، أما المداد (الحبر) فلقد كان العرب يستوردونه من الصين، أو يصنعونه محلياً من الزاج أو العفص، أو الصمغ أو الرماد، وهذا أمر أدى إلى تسهيل إنتاج الكتب بطريقة خيالية عما كان عليه الأمر في أي وقت مضى.
في أقل من قرن من الزمان انتشرت مئات الآلاف من النسخ، في جميع أنحاء العالم الإسلامي، من قرطبة في الأندلس إلى سمرقند في الصين، ويكفي هنا أن تتأمل مقولة جوستاف لوبون المعبرة: «ظل الأوربيون في القرون الوسطى زمناً طويلاً لا يكتبون إلا على رقوق (من جلد الحيوان) وكان ثمنها المرتفع عائقاً كبيراً وقف أمام انتشار المؤلفات المكتوبة، وسرعان ما أصبحت هذه الرقوق نادرة الوجود، حتى لقد اعتاد الرهبان على حك مؤلفات عظماء اليونان والرومان ليستبدلوا بها مواعظهم الدينية، ولولا العرب لضاعت معظم المؤلفات التي ادعى الرهبان أنهم حفظوها بعناية داخل الأديرة.
كما يؤكد جوستاف لوبون على أن اكتشاف مادة تقوم مقام الرق وتشابه بردى قدماء المصريين يُعد من أعظم العوامل في نشر المعارف، وتثبت المخطوطات التي عثر عليها الغزيري في مكتبة الإسكوريال والمكتوبة في عام 1009 م على ورق مصنوع من القطن، والتي هي أقدم من جميع المخطوطات الموجودة في مكتبات أوربا، أن العرب أول من أحل الورق محل الرق. (8)
حين اجتاح هولاكو بغداد عام 1258م، أحدث فيها دمارًا هائلًا، لكنّ الورق البغدادي احتفظ بجودته. ومع تدهور أوضاع المدينة وتراجع مكانتها على مدار القرن التالي، وهجرة بعض صنّاع الورق من العراق باتجاه دمشق أو القاهرة، وإقبال بعض المسلمين على استخدام الورق الأوربي المستورد، انخفض إنتاج الورق البغدادي، وغدا عزيزًا في القرن الخامس عشر، بعد نهب تيمورلنك بغداد عام 1401م، والمذبحة التي أوقعها بسكّانها، وكان يُستخدَم حصرًا لنسخ الوثائق المهمّة، مثل المعاهدات، ووثائق التنصيب، ومكاتبات الأمراء.
مهنة الوِراقة
الوراقة، هي حرفة تختص ببيع الورق وأدوات الكتابة، أو الكتب، أو نسخها أو تهذيبها أو تجليدها.
يصف ابن خلدون مهنة الوِرَاقة، (بأنها حرفة معاناة الكتب بالاستنساخ، والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتابية والدواوين). ويوضح أبو حامد العربي الفاسي، بأن (النساخة حِرفة، وهي الوِرَاقة، وكلّ من جعل النسخ حرفة يحترفها أو شغلاً يشتغل به لنفسه، فهو نسّاخ وورّاق أيضاً، والجمع ورّاقون).
كانت هناك أربعة أمور يهتم بها الوراق وهي:
1-النسخ والتأليف وما يتبعه من تزويق وتصوير وتذهيب.
2- بيع الورق والحبر وأدوات الكتابة والأقلام.
3- تجليد الكتب
4- بيع الكتب (9)
أما مهنة النسخ فهي من المهام الرئيسة . وقد ارتبطت بحركة الترجمة والتأليف بعد أن ينتهي المترجم أو المؤلف من الكتاب يقدمه للناسخ. وكان هناك نساخ مشهورين بجودة الخط ، وكانت مهنة الناسخ تتركز في ثلاثة أمور وهي:
1-ناسخ يعمل في خدمة ورّاق معيّن.
2- ناسخ يعمل في خدمة مؤلف معيّن.
3- ناسخ مستقل يعمل لحسابه الشخصي. بيع الكتب (10)
وقد تخصص بعض النساخ في علوم محددة فظهر فيهم:
1-من ينسخ العلوم الشرعية والفقه والأصول واللغة العربية. وله إطلاع بالمصطلحات الفقهية والعربية.
2- من ينسخ التاريخ وله خبرة بأسماء الملوك والأسر الحاكمة وألقابهم ونعوتهم وكناهم خصوصاً ملوك الترك والعجم ، وأسماء المدن والقرى والبلدان ، ويحتاج الناسخ كتابتها بضوابط وإشارات تدل عليها.
3- ناسخ الشعر والدواوين فيحتاج إلى معرفة العربية وعلم العروض ليقيم وزن البيت إذا أشكل هو على أصله وصفته أو حصل فيه حذف أو زيادة ، فيكتبه حسب خبرته وعلمه بحيث لا يخل بالمعنى.
ويحتاج الوراق إلى مقابلة المنسوخ بالمخطوط الأصلي . وهو أمر أساسي في منهج الوراقة. فالمقابلة تأتي تبعاً للإملاء حيث ينبغي للطالب مقابلة كتابه بكتاب شيخه الذي يروي عنه سماعاً أو إجازة. إن نسخة الأصل تكون هي الأفضل إذا كانت بقلم المؤلف. وعادة ما يقوم بالمقابلة شخصان ، أحدهما الناسخ يقرأ فيما نسخه ، والآخر يدقق مع يسمعه بالنسخة الأصلية.
لقد أحصى الأديب الجاحظ مائة دكان للوراقة، كل واحد منها، يعّد مطبعة بالمفهوم الحديث، يشتغل في إعداد الكتب من نسخها وتذهيبها وتجليدها. وكان للورّاقين آدابهم وأخبارهم ونتاجهم الأدبي، وشكّلوا دعامة أساسية للثقافة والعلم والفن، فأصبح السوق ملتقى العلماء والأدباء والفقهاء. وتقرأ النسخة على المؤلف نفسه والحصول على موافقته ، إذا كان على قيد الحياة وقريباً من الوراق.
ومن آداب النسخ أن يبدأ بكتابة البسملة والدعاء ، وكتابة (أما بعد) . وعلى الناسخ كتابة تاريخ النسخ ، ويكتب رسمه في نهاية الكتاب.
والطريف في مهنة الوراقة، هو وظيفة الشخص «المُنادي» على الكتب، أي، الذي يقوم بدور الدعاية والإشهار صوتياً، كما في الدعاية التلفزية والإذاعية حالياً.
ومن الجدير بالاعتبار أن العرب ما كادوا يتعلمون هذه الصناعة حتى بدأوا بتجارب لإنتاجه من الكتان والخرق، وظهرت في بغداد أولى مصانع الورق، وبدأ استخدام الورق في دواوين الدولة، ثم انتشرت مصانع الورق بالتدريج في أنحاء الإمبراطورية، وأنتجت أنواعاً جديدة منه، مثل ورق الحرير، وورق الكتابة، والورق المقوى وغير المقوى والورق الناعم والخشن والأبيض والملون.
وكان من حسن طالع الفنون والآداب، إذ وجدت بانتهاء عهد البردي والرق مادة رخيصة وجديدة للكتابة. إن الانقلاب الناتج عن إدخال الورق لم يكن أقل شأناً من توطئة الطريق لفن الطبع، لأن الندرة الشديدة للكتب كانت على الأكثر راجعة إلى ندرة الرقوق، ولذلك كانت أسعار الكتب غالية جداً، وحتى في الزمن الأخير في عهد لويس الحادي عشر حينما أراد الملك أن يستعير تصانيف طبية للإمام الرازي من مكتبة جامعة باريس، قدم مقداراً من الذهب للتأمين، واضطر زيادة عليه أن يقدم شريفاً لينضم معه كالضمانة في عهد يجبره على إعادة الكتاب.
ومما له دلالته أن صناعة الورق أدخلت إلى إسبانيا في القرن الثاني عشر، واتخذت لها مركزاً في طليطلة، ومنها انتشرت تحت رعاية مسلمي الأندلس إلى ممالك إسبانيا المسحية. وعلى هذا النحو تعلم الإيطاليون أيضاً فن صناعة الورق من مسلمي صقلية، ويؤكد ستانوود كب على أن أول وثيقة أوربية مسجلة على الورق إلى الملك روجر الصقلي Roger of Sicily ترجع إلى عام 495 ﻫ/ 1102 م وأقيمت مصانع الورق لأول مرة في إيطاليا عام 675 ﻫ/ 1276 م بمدينة فابريانو Fabriano وسرعان ما تبعتها مصانع أخرى في جميع المدن الهامة، وهكذا كان إمداد أوربا بالورق عدة بين يديها لإخراج الكتب بكميات كبيرة حين حدث اختراع الطباعة حوالي عام 844 ﻫ/ 1440 م. (11)
وتتضح الأهمية البالغة للورق عندما تتمثل في أذهاننا ظروف العصور الوسطى حين كانت كتابة الكتب تجري في قماش Vellum أو رّق البرشمان Parchement) ) وهما باهظان الثمن حتى أن الكاتدرائيات والأديرة وحدها هي التي كانت تمتلك مكتبات.
ولكي يتبين مدى الأثر البعيد الذي تركه هذا الاختراع وصناعته، يكفي هنا أن نشير إلى مقدار المفردات التي دخلت اللغات الأوربية والتي تتصل بالورق وصناعته اتصالاً كبيراً. فالعبارات على المقاييس الورقية مثل (ريز) عربية الأصل، فلفظ (رِيز) هو العربي (رزمة) بمعنى ما شد في ثوب واحد، ومن ثَمّ انتقلت إلى الإسبانية حيث نجد رزمة وإلى الإيطالية رزمة والفرنسية (رام) والإنجليزية (ريم).
كما يؤكد جوستاف لوبون على أن العرب اخترعوا من الأسمال صناعة الورق الصعبة الكثيرة التراكيب، ويستند في هذا الرأي إلى أن العرب استخدموا هذا النوع من الورق في زمن أقدم من الزمن الذي استخدمته فيه الأمم النصرانية بمدة طويلة، فأقدم ورق موجود في أوربا من هذا النوع هو ورق الكتاب الذي أرسله جوانفيل إلى الملك سان لويس قبيل وفاته عام 1270 م، أي بعد حملته الصليبية المصرية الأولى، مع أن لدينا ورقاً عربياً صُنع من الأسمال قبل هذا التاريخ بنحو قرن، كالورق المحفوظ بين مخطوطات برشلونة والمكتوب عليه معاهدة السلم بين ملك أرغونة الأذفونشي الثاني وملك قشتالة الأذفونشي الرابع عام 1187 م والمصنوع في مصنع شاطبة العربي الشهير الذي امتدحه العالم الجغرافي الإدريسي في النصف الأول من القرن الثاني عشر من الميلاد.
أما المكتبات الخاصة فكانت لا تحصى، ولقد رفض أحد الأطباء دعوة سلطان بخارى للإقامة ببلاطه، لأنه يحتاج إلى أربعمائة بعير لنقل مكتبته، وربما ملك الصاحب بن عباد في القرن العاشر كمية من الكتب تقدر بما كان في مكتبات أوربا مجتمعه، وبلغ الإسلام في ذلك الوقت أوج حياته الثقافية، وكنت تجد في ألف مسجد منتشرة من قرطبة إلى سمرقند، علماء لا يحصيهم العد، كانت تدوي أركانهم بفصاحتهم.
وقد كتب أقدم مخطوطات على ورق بالعربية في القرن التاسع، وربما يكون كتاب «غريب الحديث» المنسوخ في عام 866 م أحد أقدم هذه الكتب، وهو الآن محفوظ بمكتبة جامعة ليدن، وأما أول وثائق أوربية مكتوبة على ورق، فعقد للملك روجر الصقلي في عام 1102 م وأمر كتبته زوجته باليونانية والعربية معاً في عام 1109 م.
وتذكر لنا المستشرقة زيغريد هونكة انتشار المكتبات في العالم العربي والإسلامي بقولها: «نمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة، ففي عام 891 ﻫ يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو وَزيد من الناس استعارة ما يشاء منها، وأن يجلس في قاعات المطالعة ليقرأ ما يريد، كما ويجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية. (12)
ومع بداية القرن الرابع الهجري أصبحت المكتبات العربية والخزانات تعج بالمخطوطات والكتب التي تبحث في كافة العلوم والآداب، وعلى أقل تقدير ينسخ عن هذه الكتب والمخطوطات، ولقد كانت زيادة أعداد هذه النسخ من المخطوطات تعتمد على فئة من الكتبة الذين كانوا يسمون بـ»الوراقين» الذين انتشرت دكاكينهم في كافة أنحاء الدولة العربية الإسلامية، وكان هؤلاء ينسخون آلاف المخطوطات، ولولا وجود «الوراقين» ما كانت المخطوطات العربية بهذه الكثرة. والوراقة هي مهنة «الوراق» وهي أشبه ما تكون من حيث المهمة والإطار العام بدور النشر الحالي، وهي أقل مرتبة من التأليف، وتتطلب مهنة الوراقة حسن الخط وجودته، ودقة النقل والضبط.
ولم تكن تلك الكتب التي تنسخ رخيصة الثمن، فقد تقاضى ابن الهيثم عالم البصريات المشهور – مثلاً – 75 درهماً أجراً لنسخ مجلد من مجلدات إقليدس، وقد عاش منه ابن الهيثم ستة أشهر، ولقد ترك ابن الجزار – الطبيب والرحالة القيرواني – عند وفاته 250 طناً من لفائف جلد الغزال التي كتبها بنفسه. وعرف الناس عند وفاة أحد العلماء أنه قد ترك 600 صندوقاً متخماً بالكتب في كل فروع العلم، وأن كل صندوق منها بلغ من الثقل حداً جعل عدداً من الرجال يعجزون عن نقله إلى خارج المنْزِل.
في هذه الحوانيت استقبل ابن النديم زبائنه وتعرف بهم، وكان ابن النديم تاجراً للكتب، وكان هو نفسه عالماً فذا له شهرته، وهو مؤلف «الفهرست» الذي يحوي أسماء جميع الكتب والترجمات التي ظهرت باللغة العربية حتى ذلك الحين، وقد ذيل اسم كل كتاب بشيء عن مؤلفه، وكان أغلب ما كتبه عن المؤلفين وليد خبرته ومعرفته الشخصية بهم كتاجر للكتب.
وكان ابن النديم كأغلبية زملائه من تجار الكتب، فقد تلقى تربية علمية واسعة للكتب فسمع محاضرات الأعلام من فلاسفة عصره، وزار منازلهم، وتعرف بالأوساط العلمية التي انتشرت على شكل جماعات ومدارس في كل أنحاء المنطقة العربية خلال القرن العاشر، وكان ابن النديم صديقاً مقرباً لعلي بن عيسى، أشهر أطباء العيون في العصور الوسطى، ولغيره من أئمة العلماء الذين كان يقضي معهم السهرات الطوال في المناقشات العلمية المثمرة، ولم يكن هذا الرجل المثقف تلك الثقافة العالية إلا نموذجاً للكثيرين من زملائه ناشري العلم والمعرفة في تلك العصور.
وقد وفرت له هذه المهنة (الوراقة) بعض من سعة العيش في شبابه، إلا أنه تطلع إلى التخلص منها في مرحلة الكهولة والشيخوخة، حين بدأ يتصل بالوزراء، وقد اتسع أفقه العلمي وترامت معرفته الموسوعية إلى آفاق رحبة وعميقة في مختلف المعارف والعلوم، فأظهر منها الضجر وسماها حرفة الشؤم، لأن فيها ضياع العمر والبصر، ورفض بتبرم شديد أن ينسخ لابن عباد ثلاثين مجلدة من رسائله، حين طلب منه ذلك، وكان هذا من أسباب الجفوة بينهما.
ولا يجب أن ننسى أن أستاذ التوحيدي الذي تخرج عليه في علم الكلام، وأخذ عنه مباشرة الكثير من الدروس النحوية والمنطقية، فهو الشيخ علي ابن عيسى الرماني (276 ﻫ / 890 م) المعروف أيضاً بالوراق، والذي كان أحد مشاهير الأئمة في مختلف العلوم خاصة في علم الكلام الاعتزالي ، وقد كانت له مصنفات علمية في جميع العلوم من نحو ولغة ونجوم وفقه وحديث، فضلاً عن تفسير كبير للقرآن الكريم، وكتاب دقيق في إعجاز القرآن الكريم. ونجد التوحيدي صاحب التآليف الكثيرة والعميقة يروي عنه كثيراً في مؤلفاته خاصة في كتابه «المقابسات» ويثني عليه في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» بقوله: «وأما علي بن عيسى فعلي الرتبة من النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق.. وقد عمل في القرآن كتباً نفيسة، هذا مع الدين الثمين والعقل الرزين.
وعن دور الوراقة في نشر العلوم الإسلامية، وكذلك الإسهام الجمالي لهذه المهنة، يشير مؤّلف كتاب «ورّاقو بغداد في العصر العباسي»، لنأخذ دور الخطّاطين في مهنة الوراقة، الذين كانوا يخطّون الكتب، فقد انشقّ هؤلاء لاحقاً عن المهنة، وأسّسوا مدرسة الخط العربي. وأضاف: «هكذا، ساهموا جمالياً بالفنون الإسلامية، التي نراها في المنمنمات والمقامات، وكذلك في الزخرفة في الجوامع والعمارة الإسلامية. (13)
يقول الباحث في التراث الدكتور خير الله سعيد، مؤلف «موسوعة الوراقة والورّاقين في الحضارة العربية الإسلامية» ، «إن الوراقة مهنة إسلامية حصراً، وهكذا، فإن أوّل كتاب نَسَخهُ الورّاقون هو القرآن، وبالتحديد في جامع المنصور».
من هناك نشأت مجالس «الإملاء»، التي أنتجت الموسوعات الكبرى مثل «أمالي بن حجر العسقلاني»، و»أمالي بن عساكر». هكذا كان المسجد بمثابة أول (مطبعة) عوضاً عن كونه أوّل مجلس فقهي وفلسفي. والإملاء، هي النهج الوراقي المتّبع يومذاك في تدوين الثقافة على العامّة، إذ يُملي الشيخ على طلابه الموضوع، وهم يدوّنونه».
لم يكن السوق مطبعة فحسب، بل مركزاً لتعليم اللغة العربية والعلوم الدينية، ورافداً لتصدير الكتب إلى أنحاء الإمبراطورية الإسلامية، يقصده الشعراء والكُتّاب والفلاسفة بوصفه سوقاً للنشر، ومكتبة فريدة في الوقت نفسه، ومُعيناً لا غنى عنه لدار «الحكمة».
من الشائع عن الشاعر المتنبي، اشتغاله عند أحد الورّاقين من أجل دراسة اللغة العربية وقواعدها، وكان مألوفاً حينها، ذهاب الشعراء إلى البوادي، لاكتساب الفصاحة والجزالة اللغوية، فحلّ سوق الوراقين عوض ذلك.
كان الجاحظ الذي مات بسبب سقوط مكتبته عليه، يستأجر دكاكين الورّاقين ليبيت فيها، في علاقة فريدة مع الكتب والعِلم والمعرفة. فأي علاقة مصيرية هذه مع الكتب والتأليف والنشر؟
أشهر الورّاقين
اشتغل بمهنة الوراقة، أشهر الكُتّاب والعلماء والقضاة، أو بالأحرى كل أديب أو قاضٍ، لم ينخرط تزلّفاً إلى السلطة العباسية، لكسب قوته اليومي، وتحقيقاً للاستقلالية الأدبية والاجتماعية، وأبرزهم الكاتب أبو حيان التوحيدي، الذي كتب شاكياً «تمكّن مني نكد الزمان إلى الحد الذي لا أسترزق مع صحة نقلي، وتقييد خطي، وتزويق نسخي وسلامته من التصحيف والتحريف، بمثل ما يسترزق البليد الذي يمسخ النسخ ويفسخ الأصل والفروع».
وقد امتهن علماء وأدباء حرفة الوراقة إمثال:
- أبو الفتوح محمد ابن اسحق النديم، مصنف كتاب الفهرست.
- أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، عمل في نسخ الكتب والتجارة فيها.
وكتب عن الوراقين
- ذكر السمعاني في كتابه ( الأنساب) مجموعة من الوراقين.
- خصص خير الله سعيد في كتلبه ( وراقو بغداد في العصر العباسي) بابًا تحت عنوان: ( أعلام الوراقين)
ذكر عبد الباسط بن يوسف الغريب جملة من الوراقين في كتابه ( الطرفة فيمن نسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة).
ومن الذين عملوا في الوراقة المؤرّخ وكاتب السيرة وجامع الفهارس الورّاق المؤلّف ابن النديم، صاحب البيبلوغرافيا الشهيرة «الفهرست»، صدرت في 938 م، فضلا ًعن النحوي الشهير القاضي أبو سعيد السيرافي، الذي يقول عنه ابن خلكان في «وفيات الأعيان»، «كان زاهداً لا يأكل إلّا من كسب يده، ولا يخرج من بيته إلى مجلس الحكم ولا إلى مجلس التدريس في كل يوم، إلّا بعد أن ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرها عشرة دراهم قدر مؤنته، ثم يخرج إلى مجلسه».
وثمّة قصة طريفة حول الكاتب الورّاق، ياقوت الحموي، صاحب «معجم البلدان» و»ومعجم الأدباء»، الذي اشتغل عند أحد الورّاقين بعد مجيئه إلى بغداد أسيراً، ولمّا رأى علمه وورعه، أعتقه.
وعُرف إمام الحنابلة في زمنه ابن مروان البغدادي (ت 403هـ) بـ»الوراق» لأنه كان «ينسخ الكتب ويقتات من أجرتها»، متعففا عن هدايا السلاطين، وورد أن الإمام أبا حامد الغزالي (ت 505هـ) «كان ينسخ الكتب والمصاحف.. ويبيعها».
ومن الأمراء الذين «احترفوا» الوراقة -وهم في السلطة- السلطانُ نور الدين زنكي (ت 569هـ) الذي كان «يأكل من عمل يده فكان ينسخ الكتب»، ومن أبناء الملوك الأمير شرف الدولة يحيى بن المعتمد بن عباد الذي مارس نسخ الكتب -بعد زوال سلطان عائلته بإشبيلية- ووُصف بأنه «مثابر على نسخ الدواوين».
وفي عملهم الشامل والهائل هذا؛ كان الوراقون يتبارون في سرعة الخط والقدرة على نسخ المؤلفات الكبيرة؛ وقد قدّم لنا المراكشي تقديرات ورّاقي زمانه لأحجام الكتب فقال إن «المجلد اللطيف» (الصغير) يكون بحجم ديوان المتنبي (قرابة 5350 بيتا)، و»المجلد المتوسط» يكون قَدر ديوان أبي تمّام (نحو 7300 بيت)، و»المجلد الضخم» يضم 15 ألف بيت فأكثر، ولعل ثمة «المجلد الكبير» الذي سيكون وسطا بين «المتوسط» و»الضخم».
ومن صور التباري بين الوراقين؛ أن أبا الفضل محمد بن طاهر المقدسي الظاهري (ت 507هـ) كان يقول: «كتبت صحيح البخارِي ومسلم وابن داود سبع مرات بالوراقة، وكتبت سنن ابن ماجه بالوراقة عشر مرات»، وذكر النديم أن الفيلسوف المسيحي أبا زكريا يحيى بن عدي (ت 364هـ) «كان يكتب في اليوم والليلة مئة ورقة».
وقد يُفرّق الكتاب -خاصة إن كان ضخما- على عدة وراقين طلبا لسرعة الإنجاز؛ كما حصل حين استأجر ابن أبي شيبة (ت 235هـ) عشرة وراقين لينسخوا له كتابه العظيم «المصنَّف»، ووُزّع «تاريخ دمشق» (وكان 80 مجلدا) للحافظ ابن عساكر (ت 571هـ) على عشرة وراقين فأكملوا نسخه في سنتين، وهي «مدة معقولة طبقا لمعايير الوراقين»؛ كما يقول المستشرق فرانز روزنتال، وكان ابن الحطيئة الفاسي كان يتقاسم نسخ الكتاب الواحد مع زوجته وابنته.
نساء وراقات
وقد عملت المرأة إلى جانب الرجل في مهنة الوراقة ناسخةً أو مساعِدةً؛ ففي الأندلس يروي عبد الواحد المراكشي (ت 647هـ) عن المؤرخ الأندلسي أحمد بن سعيد ابن أبي الفياض (ت 459هـ) أنه «كان بالرَّبَض (الجانب الشرقي من قرطبة) مئة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟»، وكانت ورقاء بنت ينتاب الشاعرة الطليطلية (ت بعد 540هـ) من الناسخات المُجيدات.
وفي العراق شرقا؛ ذكر أبو العلاء المعري (ت 449هـ) -في «رسالة الغفران»- الجاريةَ «توفيق السوداء التي كانت تخدم بدار العلم ببغداد» أيام البويهيين، وكان من مهمتها مساعدة الوراقين بأن تُخرِج «الكتبَ للنُّسّاخ»، ولعلها كانت تورّق أيضا.
وفي عام 1928م؛ حدّث الكاتب والمؤلف العراقي عبد اللطيف جلبي (ت 1945م) أنه رأى بجامع الحيدرخانة ببغداد نسخة من قاموس «الصحاح» لأبي نصر الجوهري (ت 393هـ) نسختها امرأة تدعى مريم بنت عبد القادر (القرن 6 هـ)، وكتبت في نهايتها عبارة مؤثرة هذا نصها: «أرجو من وجد فيه سهوا أن يغفر لي خطئي، لأني كنت بينما أخط بيميني كنت أهز مهد ولدي بشمالي»!!
وروى المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) أن أبا العباس بن الحطيئة الفاسي (ت 560هـ) «نسخ الكثير بالأجرة [في مصر].. وعلّم زوجته وابنته الكتابة فكانتا تكتبان مثل خطه سواء، فإذا شرعوا في نسخ كتاب أخذ كل واحد جزءا وكتبوه، فلا يفرِّق بين خطهم إلا الحاذق». (14)
والجدير ذكره، أن مهنة الوراقة ساعدت الكُتّاب والأدباء المشتغلين بها اطلاعاً على الآداب والعلوم والمصنّفات، ما ترك أثراً واضحاً في نتاجاتهم. (15)
قال ابن الجوزي في ترجمة الحافظ أبي العلاء الهمذاني: «وبلغني أنه رُئي في المنام في مدينة جَميع جُدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تُحدّ، وهو مشتغل بمطالعتِها، فقيل له: ما هذه الكتُب؟ قال: سألت الله أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدُّنيا، فأعطاني»، وفي السياق ذاته يقول بورخيس «لطالما تَخَيّلت النعيم مكتبة، بينما يُفكّر الآخرون بحديقة أو قصر».
أحرق أبو حيّان التوحيدي كتبه، ولكنها ظلّت حاضرة في القلوب والعقول، كما قام أبو سعيد المؤذّن بإغراق كتبه، وثمّة حكايات طريفة في «ألف ليلة وليلة» عن الكتاب المسموم والكتاب الغريق.
الوراقة ونسخ القرآن
من الناحية التاريخية؛ ارتبطت «الوراقة» في بدئها بوصفها مهنة باحتراف نسخ القرآن الكريم تكسُّبًا، فقد ذكر النديم (ت 384هـ) في كتابه ‘الفهرست‘ أن الناس «كانت تكتب المصاحف بأجرة»، وكان أول من عُرف بتخصصه في ذلك عمرو بن نافع مولى عمر بن الخطاب، لكن النديم عزا إلى المؤرخ محمد بن إسحق (ت 151هـ) أن «أول من كتب المصاحف في الصدر الأول، ويوصف بحسن الخط هو خالد بن أبي الهياج»، لعمله «ورّاقا» للخليفة الوليد بن عبد الملك (ت 96هـ)
ومع أواسط القرن الثاني؛ انضم إلى نسخ القرآن جمعُ الحديث النبوي، وتوثيقُ فتاوى الصحابة والتابعين، وتدوينُ لغة العرب وأشعارها؛ فظهرت «مصنفات» في شتى العلوم، ومن أوائل تلك المؤلفات -مما وصل إلينا نصُّه موّثقَ النسبة- «الموطأ» للإمام مالك بن أنس، و»الرسالة» للإمام الشافعي، و»المبسوط» للإمام محمد بن الحسن الشيباني، و»الكتاب» في النحو لسيبويه الفارسي، وقاموس «العين» للفراهيدي، و»مختارات» من أشعار العرب مثل «المفضليات» و»الأصمعيات».
وأدت كثرة طلاب العلم وازدياد انشغال العلماء بإقبالهم على التأليف إلى اتخاذ بعض الأئمة «ورّاقاً» أو »كاتباً» خاصا به كما اتخذ كل شاعر «راوية» لديوانه؛ فكان مثلا حبيب بن أبي حبيب وراقا للإمام مالك (ت 179هـ)، وعُرف محمد بن سعد (ت 230هـ) بأنه «كاتب الواقدي» المؤرخ (ت 207هـ).
وقد انتشرت لاحقا عادةٌ عمّت جميعَ طبقات العلماء والأدباء بل وحتى الخلفاء والأمراء، وهي اعتماد وراقِين محددين كما يعتمد المؤلفون الكبار في عصرنا ناشرا معينا لطباعة كتبهم، فقد كان محمد بن أبي حاتم وراقا للإمام البخاري (ت 256هـ)، وأحمد بن محمد النِّباجي وراقا للإمام يحيى بن معين (ت 233هـ)، وورد أن الخليفة العباسي المعتمد (ت 284هـ) «كان له وراق يَكتب شعره بماء الذهب».
وقد يكون لبعضهم وراقان كما كان للواقدي ولأبي عُبيد القاسم بن سلام مؤلف كتاب «الأموال» (ت 224هـ)، ولأبي داود (ت 275هـ) صاحب «السنن» وراقان أحدهما ببغداد والثاني بالبصرة، وللجاحظ (ت 255هـ) وراقان: أبو القاسم عبد الوهاب بن عيسى وأبو يحيى زكريا بن يحيى. (16)
سوق الورّاقين المعاصر
يقول أحد العاملين بالتجليد، وهو ذو سردية طويلة مع عالم التجليد وتذهيب الكتب، مقتفياً عصرها الذهبي، «أحببت مهنة تجليد الكتب، وكانت مصدر رزق عائلتي، إذ اشتغلت بها منذ ستينيات القرن المنصرم، ولطالما عملت نسخاً إلى وزراء ومسؤولين في الدولة العراقية، وكان والدي معتمَداً لدى أعيان العهد الملكي، بينما يتغاضى الجيل الجديد عن مهنة الوراقة التقليدية، وعن فنيّة هذه المهنة». و يتابع: «لدينا ماكينات للكبس اليدوي والجرافيك، وأحبار للتذهيب وهكذا، فنحن بمرتبة الفنانين سواسية».
ويقول باحث آخر: شهد السوق خطوة أكثر إبهاراً بدخول مطبعة حكومية وضعت أساساً في إسطبل لخيول الجندرمة عام ( 1341 هجرية / 1923م) وكان هذا المكان من أوقاف السيد محمد أمين الطبقجلي، ولكن الحكومة العثمانية اشترته منه بثلاثين ألف روبية، وبلا شك فإن السوق ذاته امتلك شرعية وجوده هذه المرة بوجود مطبعة حكومية قضت على النسخ البطيء بدخول هذه الآلة، مع أن النسخ بالأصابع ظل إلى وقت طويل هو الطريقة المباشرة للكتابة واستنساخ المخطوطات التي تجود بها قرائح الشعراء والعلماء والأدباء وأهل المعارف، وكان هذا التطور العلمي مناهضاً لروح البراءة والعفوية في الكتابة الخطية، لكنه كان واقعاً لا مفر من الإقرار به. (16)
الهوامش والمصادر
1- الخطيب البغدادي (تاريخ بغداد) ، ج 1 ، ص 360
2- محمود شكري الآلوسي (تاريخ مساجد بغداد وآثارها) ، ص 66 ، مطبعة دار السلام في بغداد : 1346 هـ
3- صفاء الزبيدي (شارع المتنبي .. ملف بالصور والوقائع لتفجير الشارع) ،
4- صفاء الزبيدي ، مصدر سابق ، ص 21
5- صفاء الزبيدي ، مصدر سابق ، ص 22
6- العالم الإسلامي وصناعة الورق في العصور الوسطى ، موقع مجلة العربي.
6- موقع مجلة العربي، مصدر سابق
8- بركات محمد مراد (الورقة والوراقة والوراقون في الثقافة العربية) ، موقع ألوكة https://www.alukah.net/ ، 1 كانون الثاني 2013
9- وداد جودي (أسواق الوراقين في بغداد خلال العصر العباسي) ، ص 46 ، الجزائر : 2016
10- وداد جودي ،مصدر سابق ، ص 45 ، الجزائر : 2016
11- بركات محمد مراد (الورقة والوراقة والوراقون في الثقافة العربية) ، موقع ألوكة https://www.alukah.net/ ، 1 كانون الثاني 2013
12- بركات محمد مراد ، مصدر سابق
13- علي عباس (الوراقة في بغداد .. حرفة المثقفين في زمن العباسيين) ، موقع الشرق ، في 29 كانون الأول 2023
14- ناديا البنا (الوراقة والوراقين .. حكاية صناعة الكتب قبل ظهور الطباعة وأقدم أسواقها) ، موقع أخبار اليوم ، 5 آذار 2021
15- علي عباس ، مصدر سابق
16- ناديا البنا ، مصدر سابق
16- وارد بدر السالم (سوق الوراقين .. رائحة حبر عمره سبعة قرون) ، موقع البيان ، في 26 شباط 2006





















