أسد عقرقوف يمهد للمماليك حكم بغداد سنة 1750

أسد عقرقوف يمهد للمماليك حكم بغداد سنة 1750

ميعاد شرف الدين الكيلانى

[email protected]

عقرقوف أوعكركوف كما تلفظ محليا منطقة قريبة من بغداد وتعد من اطرافها وصفت  قديما بهور واحيانا بغابة والامر سيان لأن الاهوار دائما ما ينبت فيهاالقصب ثم تتشكل منه أجمة كثيفة تشبه الغابة وأشتهرت هذه المنطقة بأثرها التاريخى البارز (زقورة عقرقوف) وما يهمنا هنا هو تواتر الروايات التي تؤكد وجود أسود فى غابات عقرقوف وقيام ولاة بغداد فى العهد العثماني برحلات لصيدها وهذا يقودنا الى الرمزية السياسية للاسد في تأريخ العراق فهذه الرمزية استخدمها ملوك وقادة العراق القديم بكفاءة وذكاء فملوك آشور دائما ما تتضمن منحوتاتهم  و جدارياتهم على منظر صيد الاسود والتي نعتقدها انها كانت بمثابة رسائل سياسية ثابته يبعثون بها الى الداخل والخارج لتأكيد قوة ملوكهم ومتانة مملكتهم ويتكرر هذاالحال فى حضارة بابل فهذا أسد بابل الشهير يقف كشاهد على هذا الاستخدام الاعلامي الرمزي والسياسي  ثم عاد تارة اخرى هذا الرمز وبشكل مفاجئ فى عهد احد ولاة بغداد فى العهد العثماني حين أشيع ببغداد من ان الوالى أحمد باشا يخرج برحلات قنص للاسود بصحبة مماليكه والاهم ان هذه الشائعات تقول: ان الوالى لايسمح لأحد من مساعديه التدخل لمساعدته فى لحظة مواجهته للاسد وانه بعد أن يجهز عليه يقوم بسلخه ثم يأتي به الى بغداد ليتحول المشهد بأكمله الى رسالة سياسية بليغة حين يشاهد أهل بغداد بأم أعينهم الاسد المسلوخ على عربة الوالي وربما اضاف مماليك الوالي عن عمد عناصر تشويقية الى القصة   من شأنها ان تلقى الرعب فى قلوب الناس والأهالي  ولكل من تسول له نفسه التلاعب بالأمن  أو التحرش بحدود ولاية بغداد.

الرمح المكسور

قصة الرمح المكسور لها صلة بمماليك الوالى الا أن سياق الحوادث يقتضي منا بعض التوضيح قبل سردها فالمماليك وقتئذ يسمونهم (الكولة مند) أوالكولة من ومنهم تشكلت محلة الكولات ببغداد  واكثر المماليك ببغداد من الشركس  يشترونهم صغار من اسواق تفليس وأول من قام بشرائهم الوالي حسن باشا (1704م-1723م) والي بغداد  بأعداد كبيرة  ليحل بهم مشكلة كانت مستعصية في بغداد وهى مشكلة الأنكشارية أي الجيش العثماني  لأن هؤلاء الأنكشارية كانوا مصدر تهديد مستمر لاي والي  وسلسلة تمرداتهم طويلة واستمرت مشكلتهم دون حل لذا فكر الوالي حسن باشا بالمماليك  وبدأ بشرائهم وهم صغار ومن ثم يتولى تربيتهم وتدريبهم على يد (اللالات) القراءة والكتابة والقتال بعد ذلك يتم فرزهم بحسب قابلياتهم والاكثرية منهم يستخدمونهم فى العسكر وبعضهم فى الكتابة اى فى ادارة الولاية.

وبمرور الوقت تأسست ببغداد دائرة ولاسيما بهم تسمى(ايج دائرة سي)اى الدائرة الداخلية مهمتها الاشراف على المماليك وتدريبهم وهكذا بدأت اعدادهم بالزيادة  وتقدر بعض المصادر عدد مماليك الوالي ب(1200)مملوك  بينما تقدرهم مصادر اخرى بأعداد مضاعفة ولاسيما بعد توالدهم ببغداد المهم انهم صاروا قوة عسكرية وادارية لها ثقلهاالسياسي والعسكري. وكذلك صارت لهم مكانة اجتماعية ببغداد تبعا لذلك. ولاسيما ان والي بغداد حسن باشا وكذلك أبنه أحمد باشا اعتمدوا عليهم اعتمادا كليا فى ادارة الولاية.

نعود الى قصة الرمح وهي : أنه في أحد الايام خرج الوالي أحمد باشا على عادته فى رحلة لصيد الاسود الى غابات عقر قوف قرب بغداد وكان معه أربعون مملوكاً وخادماً فعثر على أسد ضخم فى أجمة وبدأ بمطاردته الى أن حانت لحظة قتله  فتقدم اليه ورماه برمحه.واذا بالرمح ينكسر دون ان يصيب مقتلا لذا حاول الوالي الهرب من شر غضبة هذا الاسد الجريح الا أن الاسد الغاضب هاجم الوالي  واذا بأحد المماليك ويدعي (سليمان) يبادر بسرعة وشجاعة متناهية ويهاجم الاسد ويعالج الموقف بقتل الاسد وينقذ سيده من موت مؤكد.

على أثر ذلك فتحت أبواب السعادة لهذا المملوك فبدأ يرتقي الرتب كما نرتقى نحن السلالم صعودا  فمنح رتبة (خازندار) اي صاحب الخزينة.ثم أرتقى الى رتبة (كتخذا) اى معاون الوالي وهذه الرتبة لم يكن ليحلم بها مملوك من قبل.

الزواج من بنت الوالى

توفى الوالي حسن باشا في سنة 1136- 1723م بعد ان توغل بجيوشه الى كرمنشاه  فوجدت الدولة العثمانية نفسها مرغمة على توريث ولاية بغداد الى ابنه أحمد باشا  ولعل موضوع المماليك يقف خلف هذا القرار الفريد لان جيش حسن باشا فيه مماليك كثر وهؤلاء ولائهم المطلق لهذه العائلة  لذا فان تنصيب والي لا يدينون له بالولاء (غريب عنهم) لربما سيؤدى الى كارثة عسكرية  كما ان الدولة العثمانية كانت تحلم بهذه الفرصة التاريخية باحتلال ايران  لذا اتخذت قرارها بتعين احمد باشا بدلا عن والده واليا لبغداد وقائدا للجيوش  لضمان ولاء المماليك له وفعلا تقدم بهذه الجيوش وتمكن من فتح همذان وهو فى ذروة انتصاراته واذا باخبار موحشة تصله بعصيان القبائل داخل العراق  فاقفل راجعا وتحول كل شيء الى انكسار لذا فكر وهو في أزمته هذه تزويج أبنته لمن يثق به ويعتمد عليه في هذا الظرف الحرج  فلم يجد اكثر اخلاصا له من الشخص الذي انقذه من براثن الاسد الغاضب اي من المملوك سليمان فزوجه ابنته عادلة خاتون وعقد قرانهما سنة 1145-1732م  والسيدة عادلة خاتون هذه امرأة قوية وصاحبة مشاريع خيرية ببغداد  منها انشاؤها جامع العادلية الكبير وجامع العادلية الصغير(جامع عادلة خاتون) وأوقفت عليهما اوقافا واسعة  وفى سنة 1149-1736م عين زوجها سليمان واليا على البصرة وحصل على الباشوية وصار أسمه سليمان باشا برتبة مير ميران.

الا أنه فى سنة 1160 م  توفي والي بغداد أحمد باشا فى دلي عباس (المنصورية) ونقل جثمانه الى بغداد. وبدأت مرحلة جديدة.

سليمان باشا

بعد وفاة أحمد باشا حاولت الدولة العثمانية ارسال ولاة من قبلها الي بغداد  الا انهم فشلوا فى ادارة هذه الولاية الصعبة  بالاضافة الى ضعف خبرة هؤلاء الغرباء بالمشهد العراقي المعقد  وهناك اشارات الى أن عادلة خاتون كان لها دور فى افشال مهمات هؤلاء الولاة لما لها من نفوذ على رؤساء القبائل واعمدة القوم  المهم ان الدولة العثمانية توصلت الى قرار بتعيين سليمان باشا واليا لولاية بغداد فى سنة 1750م  عندئذ دخل العراق فى عهد المماليك….. بفضل أسد عقرقوف.

المصادر والمراجع

1- ياقوت الحموي-معجم البلدان:ج4 ص 137 قال:عقر اضيف اليه قوف..والقوف فى اللغة الكل…وهي قرية من نواحي الدجيل بينها وبين بغداد اربعة فراسخ والى جانبها تل عظيم من تراب.

2-رحلات الاجانب والسواح الى العراق تخبرنا بان الاسود كانت منتشرة فى العراق:انظر رحالة اوربيون فى العراق:ص60وص 112

3-عبد الرحمن السويدي-حديقة الزوراء في سيرة الوزراء:ص 468

4-لونكريك-اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث:ص197المماليك كان يطلق عليهم الرق الابيض

5-عباس العزاوى-تاريخ العراق بين احتلالين:ج 5 ص241 ص282

6- الكركوكلى-حديقة الزوراء:ص 89 ورحلة نيبور:ص66.

7- الانترنيت : موقع (معالم التصوف) facebook