ريشة بوشكين بقلم حنون مجيد – حسن العاني

ريشة بوشكين بقلم حنون مجيد – حسن العاني

ضمن حق واحد من حقوق (الصداقة ) الأنسانية والأدبية ، أسمح لنفسي أن أصفَ حنون مجيد بأنه واحد من عناوين التواضع في الوسط الثقافي ، على قلة المتواضعين ، وربما ندرتهم في هذا الوسط النرجسي ، وحتى لا يُساء الفهم أقول الصداقة التي أعنيها هنا ، هي افضل الطرق واوثقها لمعرفة الصديق ، أسراره وظاهره ، وبالتالي يكون الحكم عليه عن قرب …. حنون أمتعنا بريشة بوشكين ، تاركاً لنا أرضية مفتوحة للحوار والأتفاق والأختلاف والأكتشاف وهو بعيد عن انشغالاتنا ، منهمك في صومعته طلباً لمنجز جديد .

ابداع القصة

لامبرر لتباين آرائنا ، فمن أُولى الضرورات التي نتفق عليها بأرادتنا ، إن عالم (قصص قصيرة جداً ) – وهو اسم لم أستطع الاقتناع به يوماً – قد لايكون متعذراً او صعباً ، وربما يوحي بأنه اسهل أنواع الأبداع الادبي .. غير ان الامر في الحقيقة ليس كذلك بالنسبة لكاتب (القصة القصيرة ) على وجه الخصوص ، وحنون مجيد أحد مبدعي القصة القصيرة الذي دخل ميدان (القصيرة جداً) وهو مطالب بالانقلاب على تاريخه مع (القصة القصيرة ) وشروطها وضوابطها ، والأهم من ذلك أجواء الحرية التي يخسرها لصالح (جداً) لكونه محكوماً بقوانين (جداً) وضوابطها ، وفي المقدمة منها اجهاض الوصف وجمالياته ، وبلاغة التعبير المزدان بالصور ، وتقليص حدود الخيال الى اضيق مساحة … كل هذا وغيره لارضاء (جداً) وتوفير مستلزماتها وطلباتها التي تبدأ بالاختزال الاجباري والتكثيف الذي لايمكن الافلات من قيوده ، بحيث يبدو كاتب (جداً) وكأن قصصه خاضعة لمقص رقيب دكتاتوري .. ولاينتهي الامر باجتثاث الحرية واجبار الخيال والوصف والجمل على تعاطي المزيد من حبوب منع الحمل .. هناك مواجهة صعبة تكمن في مهمة كاتب (جداً) تقديم هذا النوع المقزم متضمناً استيفاء الفكرة والرمز والوصف والخيال والثراء اللغوي .. وعلى الجملة من (جداً) ، برغم كثافتها وتكثيفها ان توازي في الاداء والتأثير وايصال الفكرة والهدف ، ماتقدمه (القصة القصيرة) .. الغريب ان عدداً من الادباء فضلوا هذا الاختناق ، والتخلي عن الحرية ، واعلنوا (انتماءهم ) او ان شئنا الدقة نجاحهم في هذه التجربة الحديثة نسبياً على الادب العراقي ، وحنون احد المنتمين بحماسة !

في ريشة بوشكين (منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ) قدم لنا حنون اكثر من مئة (جداً) ، وبلغة الارقام انجز (مئة) – على وجه الدقة 109 قصة او فكرة- فهل حالفه الحظ ؟ لو تركنا هذا السؤال اللئيم ، يمكن القول ، ان المؤلف عمد الى خزين ذاكرته وذكرياته ، والى ثقافته الموسوعية التي اعرفها عن قرب ، وهذه هي احدى حسنات الصداقة مثلما عمد الى قرابة ثمانية عقود من رحلة حياة عامرة بالأحداث والمواقف تبدأ من عمر الطفولة ، وربما قبل او اهم من لك كله مايتمتع به من موهبة اصيلة وذكاء ابداعي جعله يبتدع ويبتكر عبر هواجس خيالية لم تكتفِ بعطايا الارض ، فأذابها تحلق الى عوالم غير عوالمنا المألوفة … ومع ذلك فهذه الاشادات او الشهادات لاتفي بالغرض من دون توفر عالمين ، اولهما تكثيف القصة الى ادنى حد من الكلمات كما سبقت الاشارة ، ولذلك استغربت – على سبيل المثال – من قصة (المقهى- ص19) لأن فيها استطرادات تخرج عن اعراف القصيرة جداً ، وثانيهما ايصال المضمون بسلاسة الى القارئ برغم مايحمله من اشارات او رموز او تأويلات من دون النظر الى التباين في ثقافات المتلقين وتأويلاتهم .ترددت مفردة الرموز غير مرة ، ولايراد بهذه المفردة رمزاً بذاته ، ولكن من الملاحظ إن (الرموز السياسية ) في ريشة بوشكين انفردت بحصة الاسد ، وعلة ذلك ان الحياة العراقية من الفها الى بأنها سياسة في سياسة ، وحنون مجيد ليس ضيفاً على هذه الحياة .. انه ابن بيئتها ، ومن الثرثرة القول ان السياسة المشرفة في حياته كانت موازية للبيئة ، وتكفي العودة الى بعض قصص المجموعة على غرار : المروحة – ماسمعه الملك اليوم – الكعكة العظيمة – لعبة صيد الفئران – المشاركة في الله … الخ

حضور ابداعي

  ثمة معادلة توحي بنزاع خفي بين طرفين ، يذهب الاول الى ان اشتراطات (جداً) تؤدي بالضرورة الى فقدانها الحضور الابداعي تحت متطلبات الاختزال اللغوي وغياب الحرية وتجميد الخيال …الخ ، في حين يذهب الطرف الثاني الى ان نصوص (جداً) الناجحة بامتياز عند عشرات الكتاب الموهوبين والمبدعين ، اكدت قدرتها – اعني قدرة النصوص – على تقديم قصص عبر كلمات قد لاتتجاوز السطرين .. ومع ذلك فأنها طافحة بالتحليقات الخيالية والرموز والتوهجات اللغوية ..الخ ، دعونا نقرأ هذا النص (فتح عينيه على نور الفجر يدخل غرفته من خلال شباكه المفتوح ، كانت الحديقة نائمة بعد ، كذلك الريح وزقزقة الطيور ، عكازه : كان المستيقظ الوحيد / ريشة بوشكين – ص25) او هذا النص للمؤلف نفسه (يقول لي : محنة الورد في ان المرأة التي تهديه ، غالباً ماتكون بجماله ، او حتى اجمل منه ، اتفق معه وارد عليه ، محنتنا في الاختبار – ص27) لامجال للجدال بأن مثل هذين النصين هناك نصوص كثيرة ، قد اجتازت الاختبار ونالت درجة الامتحان بدرجة امتياز ، ومن هنا فأن مخاوف الطرف الاول او توجساته فقدت شرعيتها ، واصبح الجمع بين الطرفين يسيراً كما لو ان احدهما مكمل للآخر او توأم له ..

ينتمي ابطال الريشه الى قارات الحياة وعوالمها المفتوحة ، ولذلك نراهم في كل الامكنة التي لاتخطر على البال احياناً ، مثلما نراهم موزعين على الكائنات الحية جميعها وحتى على الجمادات ، ومن هنا تبدو الاحاطة بهم صعبة المنال ، فهم معلم وتلميذ وحمال وصباغ احذية وعامل ومثقف وعاشق وغجرية وقطة وحمار وطيور وبلبل وقرد وورود ومقهى وسدة وغناء وحب ومواقف اخلاقية ووطنية ومعتقدات شعبية و … ومحنة عمر ، ولابد إن من يتصدر الابطال على وفق إختيار المؤلف وطبيعة المضمون هم أخيل وبوشكين ويهوذا و (الريل وحمد) وسعدي يوسف والذي نظر الاعمى الى أدبه و .. وانحناءة احترام للكاتب ورفاق رحلته .الحقيقة هناك اكثر من قضية لافتة للنظر في هذه المجموعة ، سأكتفي بالاشارة الى بعضها ،فهناك مايتعلق بما اطلقت عليه اجتهاداً مصطلح (جماليات المفاجأة) لأن الكاتب يقطع مع القارئ طريقاً هادئة وواضحة ، واذابه يفاجئه بما لم يتوقعه ، وكان من الطبيعي ان تحتل هذه المفاجآت – التي تهز المتلقي وتمنح النص دماء جديدة غنية بالمتعة – خواتيم القصص ، ولعل القصص المنشورة على الصفحات (57- 80- 81- 92) هي خير من يؤكد مفهوم المفاجأة ..

اعترف بأن المؤلف اربكني في مفصل من مفاصل اللغة ، لكونه يعمد الى كلمات او صياغات لايمكن الاعتراض على سلامتها القاموسية وفصاحتها العربية ، ولكنها اندر من نادرة في استعمالاتنا اللغوية ، واخشى ما اخشاه ان يكون لجوء المؤلف اليها من باب الفنطازية ، يقول في صفحة 22( لعلك الاستاذ فلان او  لسته) ومفردة (لسته) يراد بها ( لست هو ) او (لست انت) ونقرأ على صفحة 23    ( أيذاك الحر) ، وفي قصة (نداء – ص55) يستعمل العبارة الاتية ( وكانت الحديقة نائمة بعد ، ) يريد بها ( وكانت الحديقة ما تزال نائمة ) وفي قصة الاصدقاء ص34 نقرأ هاتين الجملتين ( إرتفقت فتاة ذراع صديقها الفتي) ( في رقص يتذاوب ) ولابد انني اعني هاتين المفردتين (ارتفقت / يتذاوب ) ومثلهما نقف على ( في طفل العائلة المترجح – ص49) ( وعليه ان يحتزم له – ص79) ( لم تحن الساعة ذي ص90) ( امنية مقرور ص99) ( مجداً مؤثلا ص103) ( كان يعجبها ان ترى اليهم ص114) وآمل ان يكون واضحاً عند اي المفردات توقفت ، كما آمل ان اكون قد جانبت الصواب ..لغة القرآن الكريم ليست غريبة على ثقافة حنون ، ومن هنا تسربت الى قصصه (ألقت بين احضاننا رطباً جنياً ص70) ( النملة الام الكبيرة التي سمعت الانذار ، يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده / ص48) ثمة ملاحظات اخيرة قد لاتكون ذات اهمية ، منها تكرار المضمون الواحد كما حصل مثلاً في قصتي (أمنية مقرور) و ( اصدقاء الامس البعيد) كلتاهما تتناول محنة العمر والحنين الى الامس … لم اكن اتمنى وجود قصة (رحيل انكيدو اللامي) ضمن المجموعة ، مع كونها موفقة في بنائها ، وذلك لكونها مرثية لصديق عزيز على الكاتب لاتخفي وراءها رمزاً ، وجاءت بأسلوب مباشر قد يناسب موضوع الرثاء ولكنه لايناسب ريشة بوشكين …