
في الطريق اليك للقاص أحمد خلف
حيدر عبد الرحمن الربيعي
عند الإعلان عن صدور رواية (في الطريق إليك) من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق , ومتابعتي للآراء النقدية والقراءات الشخصية للمتابعين للرواية سارعت إلى مبنى اتحادنا الجميل لاقتناء نسخة منها دون أن انتظر اللقاء بالقريب إلى قلبي الأستاذ احمد خلف وإهدائي نسخة منها , ليقيني بالأسلوب المميز للقاص في سرد الأحداث والفكرة المشوقة التي تناولتها الرواية . وها أنا ادخل عوالم الكاتب واستمع إلى شخوصه , ونرى ما سيحدث لاحقا .
بداية أنا اكتب بفكري ولغتي وأتناول الجمال فقط في كل شئ , أما ما يراه غيري بعين أخرى فلا يهمني وليس ضمن معتقداتي , فيكفي أننا نجد اليوم من يكتب خلاصة فكره وتجربته ويضع أمامنا مقتنياته المعرفية على طبق سواء من ذهب أو فضة , فكلها ثمينة .
أهم ما شدني في الرواية انها تبتدئ بلغة بسيطة جدا , تجذب القراء على تفاوت درجتهم الثقافية للاستمرار وربط الأحداث , وهذا ما يفتقد إليه الكثير من أهل السرد . فنجد إن روايات أو مجاميع قصصية تبدأ بلغة صعبة وكلمات منتقاة بهدف التميز إلا إنها تدفع القارئ إلى ترك الرواية لتجد مكانها على الرفوف .
ينطلق الكاتب في بدايات الرواية إلى إشباع رغبة وفضول القارئ بالتعرف على الكاتب وماهيته ليربط ذلك بفهمه للنص المسرود . فيصف الكاتب البودقة التي ينصهر فيها معظم أهل الكلمة , وصومعته التي يختزن فيها كل قصاصاته وكتبه وأوراقه المتناثرة . فهو يعيش بين عائلته وخارجها في آن واحد بعالمه الخاص الذي افهمه وأعيشه أسوة بغيري ممن هم على شاكلتنا الغارقين ببحور العربية الجميلة .هذه الصومعة تمثل للقاص صاحب المنجز متنفسه ومملكته وشريان حياته الذي يحمي فيها روحه وذاته من ضغوطات الحياة العائلية منها والعواصف التي ألمت وتلم ببلدنا .
وجدت بقراءتي انتقالات عقلانية بين واقع معاش ومخيلة الكاتب التي أطلقها باتجاهات شتى . فاحتدام الصراع داخل الكاتب بين الذاكرة والمخيلة خلقت أجواء من التشويق لاسترسال القارئ . فالتنقل القصصي وألزماني كان رائعا ومسبوكا و لا يترك مجال للقارئ أن يتيه بين سرد الأحداث وكلام شخوص الرواية . وهذه نقطة أخرى في صالح الرواية طبعا .
أحداث الرواية تضعها ضمن الروايات الجريئة بموضوعية بحكاية مراحل سياسية مر بها العراق ابتداء من الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها وصولا إلى مرحلة ما بعد 2003 والانهيارات المتتالية التي عاشها المجتمع في كل الجوانب . ومخيلة الكاتب أرخت ذلك بقصص الرواية بصور مختلفة ومتنقلة بين المرحلتين المشار إليها مسبقا معتمدا بذلك على اللبنة الأساس وهي تجربته الحياتية الشخصية . وقد ارشف ثم توسع بمخيلته القصصية كما ورد في أحداث قصة الصديق ادم وتداخلها مع ناهد الفتاة المراهقة الشغوفة بالأدب وأهله وعلاقته الطارئة بوالدتها أم ناهد تلك المرأة الشيقة والتي لم تقلل أمومتها من الأنوثة الطاغية والجمال المنفرد ورغباتها الجنسية .
ينطلق الكاتب بمخيلته ليفصل أمراض المجتمع التي انتشرت فيه واقصد منها الاجتماعية كالخيانة والعقوق ……. الخ والانهيار الأخلاقي العام والذي نتج عن المرحلة المنفلتة والمتقلبة التي يمر بها العراق . وقد ترجم ذلك بقصص أشبه بالأساطير محورها الملك الجبار وطريقة حكمه ومسكه لزمام مملكته ورعيته وقتل ووأد كل من ينافي كلامه أو يشعره بالخيانة حتى وان لم تحدث . فكم من قصة تشبه قصة الملكة زبرجد والخادم عبد الواحد انتشرت في مجتمعنا اليوم !؟ تعزى الأسباب إلى الظلم والمال الحرام والانقسام الطبقي بين حاكم وحاشيته ومنتفعين وبين طبقة مسحوقة وما يرافق ذلك من حكايات لا تنتهي للطبقة المسحوقة وهي تنتقم من الطبقة الذهبية وفي كل الاتجاهات المتاحة . حتى في قصص الحب المزيفة التي تهدف لفضح فلانة أو فلان من الطبقة الذهبية . وغالبا ما تنجح المحاولات ثم تقمع بسطوة وسلاح الطبقة العليا .
جانب مهم أيضا وأنا ابحث دوما عنه في ما اقرأ , وهو الرسالة التعليمية للقاص والسارد المبتدئ عند قراءته لرواية ما . وهنا لمست نقطتين أساسيتين :
الأولى أن القاص ذكر الخطوات الصحيحة لكتابة القصة من خلال ما طرحه مع الفتاة المراهقة ناهد , حيث كلمها بجدية انك عندما تريدين كتابة قصة فعليك اتباع الخطوات التالية : التخطيط و قرار الكتابة ثم الشروع بالعمل وأخيرا العنوان والمراجع .
النقطة الثانية والتي تصب في منحى تعليم مبادئ فن السرد حين يقول الكاتب في إحدى زوايا روايته متحدثا عن طريقته في ترجمة الواقع إلى سرد خاص قائلا ( أنا لا أسجل الواقع كما هو , إنما كما أراه أو أظنه , حتى الواقع يرفض تقليده) وبهذا يعطي درسا تعليميا آخر لفن القصص الحديث . فالكتابة لا تخضع لقوانين , فلكل كاتب أسلوبه في ترجمة تجربته أو الوقائع المسرودة كما يراها أكثر ملائمة وسلاسة للمتلقي .
وفي نهاية القراءة أجد أن الرواية أسعدتني وأحزنتني وأتعبتني في ذات الوقت . أدعو إلى قراءتها ووضع القارئ خواتيم لنهاياتها المفتوحة .
























