

الرباط – عبدالحق بن رحمون
انطلقت بالعاصمة المغربية الرباط ندوة فكرية دولية،حول موضوع «هنري ماتيس والمغرب: المنعطف والأصداء». هذا الفنان الذي شكلت مدينة طنجة المغربية نقطة ضوء وتحول اكتسب فنه خلالها غنى أكبر ليجد منفذا تشكيليا يساعده على التحكم في الحمولة المعبرة للون حيث أن أعماله عكست صورة خاصة عن الإنسان المغربي.
وتخلل الندوة اعلان أسماء الفائزين في مسابقتين أطلقهما في وقت سابق المعهد الأكاديمي حول أفضل ملصق، وأفضل مقال نقدي، الهدف منهما تشجيع الفنانين والباحثين الشباب على الاهتمام بالتاريخ الفني الذي كان المغرب موضوعا لهذه الأعمال.
التظاهرة الدولية نظمتها الأكاديمية المملكية المغربية بمشاركة كبار المتخصصين في الأعمال التشكيلية للفنان العالمي هنري ماتيس التي رسمها خلال زياراته لمدينة طنجة، في السنوات 1913-1912.
وسلطت الندوة الدولية، الضوء من خلال عروض ومداخلات ودراسات وأبحاث على ” مرحلة مفصلية في مساره الفني، وفي تجديد أسلوبه الإبداعي، وتركت آثارا ظاهرة على تاريخ الممارسة التشكيلية العالمية والوطنية».
يذكر أن المعهد الأكاديمي للفنون نظم طيلة سنة 2023 محاضرات تمهيدية حول الأعمال التي أنجزها هذا الرسام في المغرب، قدمها باحثون في الأعمال التشكيلية لهنري ماتيس.
و قال دومينيك كليفنو في مقال «هنري ماتيس في المغرب: ألوان وظلال الإسلام» : شكلت الفترتان التي أقام فيهما ماتيس في طنجة، لحظة حاسمة في تجربته التشكيلية. سوف يتطور «بعده الشرقي» الذي جرى إعادة تفعيله بواسطة معرض ميونيخ، وزيارة الأندلس عام 1910، والذي يفصح عن حضوره في النسق البصري لماتيس بشكل يجعل منه أشبه باكتمال رحلة بحث.
وأضاف دومينيك كليفنو في مقال ترجمه عبد المنعم الشنتوف: “وبفضل ألوانها الصارخة أحيانا مثلما هو الشأن بالنسبة للوحة «الزهرة وقوفا» حيث يتقاطع فستانها الزمردي مع خلفية قرمزية، يجري تنويعها بالبنفسجي والأخضر الفستقي، مثلما هو الشأن في لوحة «حميدو» لكن دائما بنوع من الطزاجة المنيرة فإن اللوحات المنجزة في طنجة، تبدو كما لو أنها تعبر عن متعة ماتيس المتخلقة عن انصهار التجربة الجمالية للفن الإسلامي، والتجربة المعيشة للواقع الجغرافي والإنساني في طنجة (…).
وأبرز دومينيك كليفنو ثلاث لوحات أنجزت داخل فيلا بروكس، عبرت “عن الإحساس بوحدة الوجود حيال الطبيعة، بمعزل عن أي محاكاة لصور المعلمين الفرس. ويضطلع اللون داخل هذه اللوحات بالدور ذاته المتمثل في تحويل الواقع إلى رؤية تحيل على الجنة. وهذا على الأقل ما سوف يقر به صديقه مارسيل سمباط بقوله: إن هنري ماتيس حوّل الطبيعة المغربية إلى جنة أرضية. يجدر بنا أن نتحدث في هذا الخصوص، ليس عن تحويل وإنما إعادة تشكيل.
وسجل دومينيك كليفنو أن تأثير اللون لن يتحدد “في تحويل الواقع إلى جنة أرضية، وإنما في الكشف عن ماهية الجنة في الطبيعة. لا يتعلق الأمر هنا بتحويل ماتيس إلى صوفي فارسي؛ إذ يتوسل باللون بوصفه وسيلة للتعبير عن انفعالاته.”
وكشف دومينيك كليفنو عن نصيب المكون الديني في سياق العلاقة الانفعالية التي “يحتفظ بها مع الطبيعة والألوان ومع التجربة المغربية انصهرت أسطورة العهد الذهبي، التي جسدتها لوحات «ترف لذة وهدوء» 1904، أو «بهجة العيش» 1905 – 1906 بألوان الفردوس.”
أما عن لوحة «فوق السطح» يقول دومينيك كليفنو تشكل مع لوحتي «من النافذة» و»باب القصبة» عصب الثلاثية المغربية، نموذجا آخر لهذا الشعور الديني الذي يمكن للون أن ينتجه. ورغم أن هنري ماتيس كان قد صرح بأن هذه اللوحة تمثل شخصية الزهرة فوق سطح الماخور، فإنه يقدم لنا صورة امرأة شابة تجلس القرفصاء في وضع الصلاة فوق سجاد. وباستثناء مثلث النور الوردي وبقع صفراء وحمراء وبرتقالية لحوض أسماك ـ موضوع التأمل – وزوج من النعال موضوع على حافة السجاد، فإن الكل كان يسبح في هالة مضيئة من اللونين الأخضر والأزرق. وقد حولت هذه المصفاة الملونة شخصية الزهرة إلى وجه يشع بالروحانية.
وخلص دومينيك كليفنو في مقاله ، أن هذا الإحساس بالانغمار في ألوان الإسلام ذروته في لوحته الشهيرة «المقهى المغربي» التي تعتبر آخر ما رسمه ماتيس في المغرب. نرى في هذه اللوحة ست شخصيات جامدة، في وضع الجلوس أو الاستلقاء، وفق تسلسل أفقي كما لو كان الأمر متعلقا بمنمنمة. اثنان في مقدمة اللوحة يتأملان حوض أسماك حمراء وباقة ورد، وأربعة في الأعلى قبالة قوس يزين أعلى اللوحة. من أين ينبع هذا الإحساس بالصمت والهدوء والخشوع؟ يقينا من وضعية الشخصيات، لكن خصوصا من امحاء وتلاشي ملامحهم وذوبانها في اللون الذي يهيمن على كل الحقل التصويري. أخضر ناعم وخفيف وأثيري يوشك أن يكون مطموسا وتتخلله بضع بقع حمراء تحيل إليها الأسماك والورود. وقد علق ماتيس على ملاحظة أبداها مارسيل سمباط في خصوص دلالة هذا الامحاء: ذلك لأنني كنت أقصد صوب مشاعري أي استشراف النشوة.
























