
قصة قصيرة
حبال ورقية.. حبال زجاجية – محمد اسماعيل
ارنو الى وجه جارتنا، وقد اصفرت ملامحه، من اقصى فطرتها في الغيب، الى اقصى الشيخوخة.
ضبب نثار الغبرة التي تلبدت عليه، مثل ساحة ترابية، مترامية الاطراف.انا حزين، اذوي في الصمت، حد الصراخ، والدبابات تزحف والطائرات تقصف البلاد، ولون جارتنا يغيض في التراب، شيئا فشيئا. حتى تلاشت ذكراها، ثلاثين عاما تلت. قيض لجسدها المشتهى، ان يدفن في قبر، وله ضريح، عليه شاهدة، تشير الى الرفات المسجى في التراب.بينما نحن، كلنا، مشروع موت دائم في الهواء الطلق، حتى نتعفن، وتذرونا الريح، بلا حساب.
* * *
« من احدى النوافذ، قفزت قطة وراحت تأكل اللحم في المطبخ، ظفرتها سيدة المنزل، فضربتها على رأسها وماتت، القت بها من نفس النافذة، ليحملها اصدقاؤها، القطط، ويدفنونها، كاتبين على شاهدة القبر: من احدى النوافذ قفزت قطة، وراحت تأكل اللحم، في المطبخ ظفرتها سيدة المنزل، فضربتها على رأسها وماتت، القت بها من نفس النافذة، ليحملها اصدقاؤها، القطط، ويدفنونها، كاتبين على شاهدة القبر: من احدى النوافذ قفزت قطة، وراحت تأكل اللحم، في المطبخ ظفرتها سيدة المنزل…» الى ما لا نهاية.
***
سياج الحي، يطلق انينا شبقا، او ما يشبه الهمهمة الاسيانة؛ فيبعث في روحي شعورا مبهما، كأنه عصارة من نضح اخلاط بشرية هجينة، تستغيث بي، انا بالذات: «سبحانك» فاندهش! مصعوقا.
بقايا سياج
اهم بالذهاب، مجرجرا بقاياي صوب السياج.. استطلعه الا ان الهمة ما تفتأ ان تستحيل الى ترو، يستحيل بدوره الى عجز.. ثم يصير احجاما.. ونكوصا.
لا ندري ان كان السياج يحيط بنا، فصلا عن المقبرة، ام يفصل المقبرة، محيطا بها، عنا.
***
صار وجهها، بالرغم من كل ما طرأ عليه بعد النهوض من الموت، اشد اشتهاء، بصفرته الشاحبة ومسحة الحزن الدارس، التي تلوح على غبرائه.
لم يبق في الحي، من لم يتعرض لسيرتها، قبل وبعد واثناء الموت (!؟) ففي اصل ابناء هذا الحي، شيطان شبق، يتعفن باستمرار والى الابد.
تجمعنا علامة مميزة، هي شعرة بيضاء، تنمو في راحة الكف اليسرى، تسللت وراثيا، من نزوة لاحدى جداتنا، في احضان قرد.
صار اجتثاث تلك الشعرة، عادة سرية، نمارسها في غفلة من الآخرين، منذ بواكير الطفولة، وكل واحد منا يظن الآخرين، لا يدرون بشعرته.
***
ما تزال آثار جهنم، تنطبع على بشرتها، لطخات سودا، غير قابلة للزوال.
«حين مت، ترقرقت الاف الاسرار فوق ضريحي، شاهدت لعنة زرقاء، تقطر من حافة القمر، فوق كل الثلوج، وكان مساء ازرق، يمنطق ذاكرتي، تحت الثرى»
عادت من الموت، بأنف مشرع، يشبه انف مزارع قوقازي، انهكته، وعقدت شاربيه الحرب. حاول زوجها ان ينساها، فنجح، ولكن لثلاثين عاما فقط، ثم قامت الحرب، وطوت سنوات العمر.. احرقتها سراعا، دون ان نشعر بذرور هبائها…
***
«واما ينزغنك من الشيطان نزغ، فاستعذ بالله انه سميع عليم» 36 فصلت. «دعا ربه، ان: هؤلاء قوم مجرمون»22 الدخان. «واترك البحر رهوا، انهم جند مغرقون.. فما بكت عليهم السماء والارض، وما كانوا منظرين» 24 و30 الدخان.
***
وبعد توقف الحرب، قامت من موتها، والتزم زوجها برابط الزوجية المقدس.
قال عريف الحي، او مختار المعسكر: «باطل وحرام، نكاحهما، حيا وميتة، عن عقد ابرم، قبل حياة من هذه؛ فليعهد بها الي؛ اجحشها، ذلك ابر بالاخلاق، واحفظ»
***
«.. فضربتها على رأسها وماتت، القت بها من نفس النافذة، ليحملها اصدقاؤها القطط، ويدفنونها، كاتبين على شاهدة القبر: من احدى النوافذ، قفزت قطة، وراحت تأكل اللحم في المطبخ، ظفرتها سيدة المنزل؛ فضربتها على رأسها، وماتت، القت بها من نفس النافذة..» الى ما لا نهاية.
***
كان مختار المعسكر، أي عريف الحي، يعشقها منذ ثلاثين عاما، وقد وجد فرصته، سانحة، ورغبته تتجدد، بقيامها من مرقدها؛ كي يبل اشتهاء تخمر لفتنتها تحت خفق القنابل واشتداد الانفجارات.الا انها عادت حزينة، ذاوية في الصمت، كالآخرين، حد الصراخ، مما زاده شبقا.
***
اقبل ملهوفا:- زوجك يأمرك بمضاجعتي.
فاستفهمت من زوجها:- اصحيح ما يقول؟
– ذلك لا يعني الكثير، والرجل من اولياء امورنا، الذين اوجب الله علينا طاعتهم.
– اذن طلقني.
– ها؟ اتضنين على العريف بلحظات رضى. انه العصيان بعينه. الا ليت السماء لم تلفظك الينا كرة اخرى.
وازبد شدقاه.
-كلكم عاجزون، يوم نهوضي من القبر، طلب الدفان اجرة خروج، تعادل تلك التي تقاضاها منكم عن دفني، بضمنها فارق ثلاثين عاما، من غلاء المعيشة التصاعدي. ولم اجد ما افك به نفسي، سوى التواري معه في القبر مرة ثانية، ومواقعته هناك، بدلا عن ثمن الخروج. لقد افتض بكارة العظم، الذي افتضضت انت بكارة لحمه من قبل؛ كيما يعتقني من سياج المقبرة. فاجأتنا في القبر، عجوز مشوهة، بدا لي انها الكاهنة اليهودية، التي ستقتل المهدي. قالت:- انت كسرت ضلعي.. كسرت ظهري، وظلي ايضا فاستسلمت للسحاق معها، كي افوز بالعودة، وعدت، وها انا احاصر بالمكائد، من حيث لا تطيق لي حماية. سرحني بمعروف، جزاك الله خيرا، ووقاك عصرة تلك الساعة، التي لا شبيه لقساوتها. كأن الاجفان جبال من الرخام، تطرف، والاصابع، واثير عات يزهق كالعاصفة. شاهدت ابا بكر، عند الحوض، يرابط، تحت ظلال سقيفة وارفة، والناس يبايعونه. مختارين. درءا لعسيب نخل كان عمر ينتضيه. و… كل شيء محفوظ، تلقاه ما ثلا، بانتظارك. وقتها لم اكن سوى ذريرة وعي متناهية الصغر، تتلاشى بين جموع موارة، كلها تصيح: «يا روحي».
توارى زوجها، واقامت كلاب الذكرى في وجهها، مسعورة تعوي.
شاهدت الموت عليه، يتضاعف الى عدة حيوات.
-آه كم امتهنت يا اخي. حتى لم اعد بينكم، سوى الجثة الاكثر حيوية بين الانقاض.
***
كلنا.. انا وهي والمختار وزوجها وباقي النزلاء، مرعوبون.. يفزعنا الانين الشبق، الصادر من سياج الحي، نصغي اليه بجبن مرتعد، وهو ينعكس الينا عائدا ، وقد تضاعف آلاف المرات .
نغرق منبوذين في الانين، داخل وخارج السياج …… داخله اذا كان يحيط بنا، وخارجه اذا كان يحيط بالمقبرة.
***
ظلت امامي واقفة، وقد غادر زوجها تبع عريف الحي .
حطام الحي
– اراقوني فوق حطام الحي يا اخي، وقد كنت متطامنة مع موتي.. رائقة الهجوع، حيث لا حرب ولا معسكرات ولا عرفاء مختارين، يدمغون اعراضنا بشهواتهم . كم انا نادمة على اختياره زوجا، يومها امسكت بخطم ابي اثناء الصلاة :- زوجنياه، استشعر ضوأه ينوس خافقا بين جوانحي .
لم اسلك معه، سلوك الرعناوات اللواتي يدسسن السم لأزواجهن، خلسة، في الطعام، يأكلونه وينهضون، شاكرين لذيذ الطبخ؛ فتذهب الواحدة منهن غاضبة الى اهلها، وترفض الرجوع :
(( لا يميته سمي )) .
***
شع احساس مندهش ملء مداركي .. اربكها، كأن احدهم، وقف الى جانبي بهدوء، مخترقا لغب الزحام، وقال لي : (( سبحانك )) .
هممت بالكلام، لكنها قاطعت همتي، قبل الشروع بها :
– يا محلى …
فقاطعتني :
– لم يبق من حيكم المنقوع بالانين، سوى عريفه الدبق، والاشرعة المصورة، وبعض الشظف من جذاذات الحيطان التي لم يقلها البناؤون.
كأن طيرا سحريا، بث في روحي الشهوة، لمراودتها عن نفسها، وطار، الا انني تماسكت من الداخل .
متمنعا : ((كفاها مارأت)) ورحت اشاغل نفسي بمداعبة غصين آس، في قبضتي، واهرش ما بين إليتي وذهبت الى آخر السياج، استكشفه، متأملا امتدادات الانين، من اين يبدأ و اين ينتهي.
شاهدت عريف الحي ينهض، من وراء السياج، حيث كان يستقر، وشاهدتها تنهض من بعده، يلملمان بقايا شهوة تعبى، عبثت بثيابهما.
مرا بالقرب مني، بمرح لا مبال، عائدين:
– فعلتها يا عريف .. بهوس.
– انه خزين ثلاثين عاما من الرغبة.
شممت رائحة مشرحة المستشفى، تنبعث من ثيابها .. ثقيلة ومركزة .
بينما هي تلاعب شعرة القرد، البيضاء، في راحة كفها، وقد تركتها تطول، من دون ان تقطعها.تلطخ بياض الشعرة، عند الطرف السائب، تجرجره على الارض .
مرت تسوي ثيابها، متجاوزة عني، كأنها لا تراني، كما لو لم اكن واقفا ازاءها على الاطلاق.ليس سوى اختلاجة مترددة، اجاد المختار اخفاءها، بدرت منه، حين فوجئ، بوجودي، للوهلة الاولى.
نسيت الآسة، في قبضتي، تنهرس، وهما ينحدران امامي، متساوقين باصطخاب:
-الست جيدة يامختار، وممتعة؟
– ليس اجود منك قبل ثلاثين عاما؛ كنت باكرا حينها.. يافعة و معطاء.
إلتفتت إلي، من على بعد خطوات :
-سأودع المختار، حتى وسط الحي، واعود اليك، فما يزال حيز شاغر في روحي، يبادلك الاشتهاء انت ايضا يا اخي.
























