
يا ألف نافذةٍ – وجيه عباس
الآنَ لا وحيَ في عينيك..لاشَجَنُ
كلُّ السماءِ مضت، واستوحشت مُدُنُ
كأَنّما انقبضت كفاك عاريةً
ودونها المنتهى، لكنَّها مِنَنُ
واسّاقطتكَ على جنبيكَ، تأخذُ منْ
تراثِ ملحِكَ مالا تأخذُ الفِتَنُ
الإنطفاءات تترى وهي واقفةٌ
وأنت والأنتَ فيك الآن تُمتَحَنُ!
حتى كأنَّكَ لم تعبأ بما قدرت
به الليالي من عُقبى، ولاتَهِنُ
وكنتَ ظِلَّكَ حمّالاً لأوجههِ
وأنت وحدك في خسرانِها ثَمنُ
***
عهدي بأنَّك طفلٌ، يالضيعَتِهِ
متى كبرت؟ وأين الطينُ واللَبَنُ؟!
وكيف ترتكبُ النسيانَ ذاكرةٌ
وكلُّ سرٍّ على ألواحها عَلَنُ
تلك الخطى كنت تعدوها، وتتركُها
عصاك، والعظمُ فيما دونها وَهَنُ
عهدي بك الطفلَ ضحّاكاً وممتلئاً
بالأغنيات خيولاً مالها رَسَنُ
ولست تؤمنها لو أنَّها كفرت
حسبي بأنَّ هداك اليوم مؤتَمنُ
لكنها أغمضت عنك العيونَ بها
ولا تزال كعهدي فيك تُفتَتَنُ
***
وياغريباً على ألوانه مطراً
كأنْ أصابعُهُ في قيظها مِزَنُ
حتى…وحتى…كأن الشعرَ معطفُه
والبحرُ يغمرهُ لكنَّهُ سفنُ
بمن تولّى…وما ولّتْ…وما جمعتْ
نَثارُ غرسِك ياسقّاءَها مِحَنُ
ولست تُعدمُ من أوتارِها قَلَقاً
لكنها وأبيك الآن تتَّزِنُ
أكلّما نبحتك السائباتُ بها
فقد كفرتَ بما أوحى به الوَثَنُ
***
يا أول الحزن مقروناً بوحشته
والموحشات هناك الناس والإِحَنُ
وما تساقط….لم تمدد إليه يداً
يكفي بأنَّك في أشجارِهم غُصُنُ
وأنَّ عودَكَ ريّانٌ، وإن عبثتْ
فيه الرياحُ وقالوا :أنَّهُ لَدِنُ
وأنتَ فيه صليبٌ لم يقم أبداً
إلا و»عيسى» على أخشابه وَطَنُ
***
يا أيُّها اللامبالي…أينما وقفت
كل الدوائر وقفٌ فيكَ، والسُنَنُ
تقولُ فيك الظلالُ الخرسُ قافيةً
مالم يقله الصدى، والمركبُ الخَشِنُ
تدورُ أو درتَ…قطباً في الرحى، وهنا
حملتَ «وحدَكَ»، والبُقيا له كَفَنُ
وكنتَ فيهِ ثمالاتٍ، وثمَّ صدى
ينعاكَ، والناسُ فيما حوله ضَغَنُ
ذو فطنةٍ وجدَ الأفهام مثلبةً
حتى تحسّرَ فيها أنَّهُ فَطِنُ!
وأنَّهُ عالَمٌ في الجهلِ مرحمةٌ
من كان يحسب أن القومَ قد لُعِنوا
ليت الشجاعةَ ماكانت ولا قدرت
ولّيت سيفَك يسعى دونه الجُبُنُ!
***
يا ألفَ نافذةٍ تفضي إليك بها
وألفُ بابٍ على أعتابها عَدَنُ
حسبي وحسبك أنَّ الشعرَ مطلعُها
وإنْ تغشّاك في أهدابِهِ وَسَنُ
ماكنتُ والشعرَ إلا والدٌ، وعلى
يديَّ لي وَلَدٌ يُنمى له، حَسَنُ
ما إن هجرتُ به في الغيب قافيةً
إلا تراءى، ودوني في الثرى بَدَنُ
أنا أجوّدُ معناهُ، وأكرمُهُ
وأنَّني فيه قوّامٌ به، قَمِنُ
حتى لأسترَ غيري فيه سوأتَهُ
وإنَّهُ لعلى بغضي به دَرَنُ
***
لُمْ حُسْنَ ظنِّكَ والدنيا إذا اجتمعا
ولاتلمْ حَجَراً، كل المدى ظُنَنُ
وكنتَ في الربحِ أولى من خسارتِهِ
وإنَّ عينيك في خسرانِهِ رَهَنُ
الآن مُدَّ يداً كي تدَّري وطناً
الآن لا وَطَنٌ فيهِ، ولا سَكَنُ
الآنَ عدتَ كما الأطفال عابثةً
والشيبُ يعلوك منه الكبرُ والشَجَنُ
تسوّرت ذكرياتٌ، واستوت أُخَرٌ
وأنت بينهما في السرِّ مُرتَهَنُ
حتى كأنَّك…لولا أن تداركَها
مما يفيضُ عليها الهمُّ والحَزَنُ
ولستَ منصرفاً حتى تغادرها
وأين يهربُ من ساعاته الزمنُ؟!
أكان لينُكَ أن زاحمتَ أعينَها؟
أنَّ الجنوباتِ في ليلِ الغضا يَمَنُ
























