قراءة  في سور سليمان للروائي يوسي يونا 

من عدن الى عنه .. تأريخ عائلي أم مشروع أممي ؟

قراءة  في سور سليمان للروائي يوسي يونا

خالدة حاتم علوان

تميز الخطاب الثقافي لأبناء الطائفة اليهودية العراقية بمسؤولية أخلاقية عالية تجاه أبناء الأمة العراقية، وقد يكون هو الخطاب الأكثر حرصاً في الحفاظ على ذاكرتها – بل وديمومتها – وموروثها، من هنا تأتي قراءتنا لرواية (سور سليمان ) للبروفيسور العراقي الأصل «يوسي يونا»- التي صدرت عن مكتبة كل شيء في حيفا 2023 – اذ يبدو واضحاً افادته من توظيف نظريات علم الاجتماع بوصفها مجالاً لتخصصه مع قدرته على الابداع السردي, مسترجعاً تاريخ بلد الآباء السياسي والاجتماعي والثقافي ، ففي محاولته لإعادة اثبات الوجود يعمد الروائي الى توظيف محكيات الجيل الأول من مؤسسي الرواية العراقية اليهودية الاساس ، التي تنطلق من ثلاث زوايا هي أسبقية الوجود التاريخي الذي تمثل بدءا في سرد الجذور التاريخية للديانة اليهودية في مدينة الرمادي وتحديداً في مدينة عنه ، اذ يسرد الراوي تاريخ المدينة الديني قائلا» بس تعرفين أن عانة جانت عاصمة دولة يهودية قامت قبل الفين سنة ، وهذي ما قصص  أساطير، هذه حقيقة.. جانت هناك دولة يهودية ، بعانة كانت احدى المدارس الدينية الأعرق في بابل. سمو المدرسة على اسم المدينة، نهر دعا ، وهو اسم عانة اليوم ، وهي للأسف الشديد غير قائمة اليوم. صدام حسين دمرها» . وتليها واقعة الفرهود التي قدمت صورة للتعايش السلمي بين الافراد يومذاك ، وكيف هدد امراء قبيلة الدليم من محاولة مس اليهود او الاساءة اليهم، وقانون اسقاط الجنسية العراقية الذي قدمته كل النصوص الروائية بأسلوب مأساوي وصفت حال الطائفة وهم ينتظرون دورهم في تسليم الهوية /الجنسية وتحديد موعد لترحيلهم، في أبشع صورة للذل الانساني وكيفية انتزاع المواطنة ووجودها الاصيل، وهذه المحاولة تأتي استكمالا لأدوار من سبقوه في هذا المضمار، في اعادة خلق ثقافة الطائفة وبعثها من جديد وتحديداً مع ابناء الجيل الثالث للهجرة – ممثلا في الرواية بأبنتيه وبقية الاحفاد – .

نبدأ القراءة من العنوان –بوصفه نصاً موازياً –  ( سور سليمان) الذي يحيلنا للوهلة الاولى على الدعاء الذي الفه العراقيون وتحديداً الامهات والجدات – قبل عصر الالكترونيات لاشك – ، الذي يقرأ للحفاظ على الروح وتهدئة روع الخائف، هي بمثابة الاستنجاد بالنبي سليمان – بصرف النظر عن المرجع الديني للأفراد- ما يشكل بالتالي هوية جمعية لهم، فيتضح المشترك الأول والاساس بين افراد الأمة من العنوان  ، فضلاً عن القيمة التي يمنحها العنوان للنص الروائي عبر توظيفه للموروث الثقافي، اذ كان مركز انطلاقة السرد عندما استوقف الدعاء ( سور سليمان يحوطك) الراوي فادخله في رحلة افتراضية للبحث في تاريخ العائلة وجذورها العراقية .

عنصر اللغة

تقوم التجربة السردية في الكتابة عن ماضي الطائفة العراقية اليهودية في هذه الرواية على عنصري اللغة/ اللهجة والذاكرة المستعادة وتسير احداثها وفق نسق التناوب عبر زمنين( ماضي العائلة/حاضرها)،وفق صيغة الحكاية الاطارية/ التي تمثلت في فضول الراوي في كتابة تاريخ عائلته، والحكاية الفرعية التي تمثلت في  حكايات الراوي الشخصية – توظيف البعد سير الذاتي – اذ احتل توثيق احداث ذاكرة الوالدين مجمل صفحات الرواية, من الماضي البعيد والماضي القريب، وكانت الاحداث المتعلقة بالراوي/شلومو هي حلقة الوصل بين الأزمنة، اذ  تقوم فكرة كتابة الرواية على كتابة تاريخ اجداد الراوي في العراق / الرمادي وعائلته  في العراق ولاحقا اسرائيل، يستعرض من خلالها تاريخ العائلة الشخصي ،ويعرج من خلالها على  تاريخ الطائفة اليهودية واسبقيتهم في الوجود في محافظات العراق، ومكانتهم ودورهم الاقتصادي والاجتماعي ، ولا ينسى التطرق الى طبيعة العلاقة مع الآخر بما فيها السلطة ، وما يسجل للروائي بعده عن التمركز الثقافي وهو يقدم لصورة الآخر/المسلم ، فلقد حاول توثيق استذكارٍ لموقف المسلمين من واقعة الفرهود ، وكيف قاموا بحماية ابناء الطائفة من المتطرفين، فضلا عن المكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها جده لأمه (سليمان) ، وطبيعة العلاقة التي ربطته – ولاحقا ابنه (عطا الله) – مع امراء قبيلة الدليم ، حتى وصل الأمر الى اشراكه في استقبال الملك، اذ تروي والدته تفاصيل ذلك الحدث « لمن جا الملك فيصل للرمادي جم سنة قبل ما انولدت سوا اجتماع ويا شيوخ عشيرة الدليم، وعزم همين أبوي وياهم, هالقد جانو العرب يحترمونو ويقدرونو.حتى غلوب باشا ، اللي حجيتلك عليه ، زار بيتنا»، اذ يبدو توظيف التاريخ السياسي واضحا، مسلطا الضوء على مكانة العشائر وابنائها بصرف النظر عن الاختلاف الثقافي/الديني آنذاك.

ولم يغب عن الروائي الربط بين مكان المنفى ومكان الوطن الأم عبر التركيز على خصوصية امكنة الذاكرة ومكانتها المثيولوجية ، فاذا كان روائيو الجيل الاول قد منحوا بغداد وبابل المركزية في السرد المكاني، فإن رواية (سور سليمان) قد سحبت البساط من تلك الامكنة لتفرشه على كل الحدود الجغرافية لمدينة الرمادي وتحديدا مدينة عنه، ولعل دليل ذلك تأكيد الراوي في أكثر من موضع على سبب تسمية ابنته عنات بهذا الاسم حين يوضح لأمه في محاولة أقناعها بالأهمية التاريخية للمدينة فيقول» أسم ابنتي عنات ، هو على اسم عانة.. عانة اخذت اسمها من اله السماء البابلي، عنو اسم واسم زوجته كان الالهة عنات « ، وفضلا عن البعد الحضاري للمدينة فثمة بعد مثيولوجي عمد الى تأكيده، فلقد صرح الراوي بأن جنة عدن المذكورة في الأساطير ما هي الا مدينة عنه العراقية  ، فعنه « حسب الاسطورة كانت مكان جنة عدن القديمة، الفردوس، ويقال أن ابناء آدم وحواء ولدوا بعانة، واليوم همين بالعراق يسميها العراقيون جنة عانة».

ولا يكتمل الفضاء الروائي الا عبر تذكر ممارسات ونمط الحياة في تلك المدينة، من العاب وغناء(بوصفها ممارسات بقيت مستمرة حتى في مخيمات السكن المؤقتة في المعبراة بعد تهجيرهم من العراق) ومعتقدات كالحسد والسحر، وعادات عربية – بما فيها قتل النساء غسلا للعار – واكلات عراقية ظل الوالدين محافظين عليها حتى يومهم هذا ، والملبس الذي وظفه الراوي لجده سليمان في اشارة الى التماهي مع الجماعة الاكبر والمهيمنة/ العرب ، فيصف نقلا عن والدته ملابس جده « كان .. يلبس دشداشة ويتحزم على الدشداشه ويحط غتره بيضا، ويلبس فوقها عقال، مثل العرب تماماً. جان يركب مهرة عربية .. والتفكة، يعني البندقية مالته جانت بكتفه وين ما يروح» ، وبكاء ونواح  وتحديدا نبرة الحزن في الوجدان العراقي  التي عرفها الراوي مؤخرا واستذكرها في موقف نواح والدته على احد ابناء عمومته حين وصفه بالقول» اعتادت أمي في أيام طفولتي أن تنوح سرا.. كدر الحزن المستدام المزهر في شعر والدتي روحي .. ورغبت في أن تحجم عن ذلك.. فتوجهت اليها بغضب « يمه كافي هذي الأغاني الحزينة ؟، ركزت نظرها نحوي واجابت بحنق باللغة العربية « والله خوش ، تريد تحكم عليه؟ ..لقد فهمت عندما قتل أحد ابناء عمومتي نتيجة قصف مصري على ضفاف قناة السويس …ان الشعر الحزين الذي سمعته في بيتي لم يكن الا رثاءً.

سلطة المرأة

 كانت والدتي جالسة على فراش غرفة تعج بالنساء ,وقد رفعت صوتها عاليا برثاء يمزق نياط القلب . وانفجرت النسوة بنواح مر.. ابجوا ابجوا على موتاكم» ، وطبيعة العلاقات الاسرية والصراع الازلي بين الأم وزوجة الأبن وسلطة المرأة أحيانا واللعن والشتم من ذلك ما تفوهت به الأم في نوبة غضب رافضة تناول الادوية» بالجهنم وبالجير كل الاطباء»  .. فجاء السرد وصفاً للمزاج والتفكير العراقي على وجه العموم.

كل ذلك تم تأطيره بلغة عربية فصيحة ولهجة بغدادية ، يتضح من خلالها نفس المحررة الناشطة «نيران سليم بصون»- وهي من مواليد بغداد- لذلك لم تستطع ان تحيّد اللهجة في بعض الاحيان بسبب عدم اتقانها للهجات بقية محافظات العراق، فضلا عن هاجس اللهجة البغدادية الذي يسري بدمها، بوصفه وسيلتها الدفاعية الاقوى في الحفاظ على هويتها العراقية، اذ نستطيع ان نلمح صراع اللهجتين في الرواية مع منافسة اللغة العربية الفصيحة، فحتى في عرضها لأساليب السرد/المنقول المباشر والمتعلق بموظفة الخدمة الاجتماعية (سانجيتا/ النيبالية الأصل) في بيت والديّ شلومو ، نجد توظيفا واضحا للهجة العراقية البغدادية ، وبطبيعة الحال لا يمكن لهذه الموظفة ان تجيد اللهجة البغدادية فهي لا تجيد من العبرية سوى بضعة كلمات تمكنها من التواصل مع والدي شلومو، فكانت انفاس المحررة حاضرة بقوة في ثنايا السرد، في مقابل لهجة والدة الراوي/ماما سعاد التي تبدو مشابهة للهجة سكان الرمادي اليوم، فعندما سألها الراوي عن حالها أجابت بلهجة الغربية» زوينة، بس آني جوعانة ، ما أقدر انتظر تا يرجع أبوك من الكنيس ، أصبر  نفسي بالجبنة والتفاح، كسرة خبز» ،ولعل ما يلفت الانتباه عن اللهجة هو تمثلها في حالة اللاوعي للوالدين، فبعد خروج والد الراوي من المستشفى بعد اجراء عملية جراحية له وتداعياتها التي سببت اختلالا في التوازن المعرفي عنده ، صرخ بلغته العربية متألما دون وعي منه « الله أكبر، كانت صرخة مريرة لرجل لا حول له ولا قوة ، صرخة خرجت من فمه بلغته الأم ، اللغة التي نشأ فيها والتي من خلالها أعرب عن محنته الشديدة»، فلم يستطع الاب ان يعبر عن المه الا بلغة يعتقد انها تستوعب حجم الالم الذي يعانيه، فهو يستعين بلغته الام كي تستدعي عالمه الكائن في مخيلته ويحاول مخاطبته بوصفه موجوداً ، مستدعياً الاخر/المسلم ،موظفا عبارة استنجاده ليكتمل استحضار العالم المفقود، فكانت اللغة/اللهجة هنا هي سكنى وجوده – بحسب هايدغر- وبالتالي روحه ،فجاءت خير معبر عن انفعالاته، بمعنى أخرى يتأوه بالعربية ليجد سكينة لروحه المعذبة في لغة أخرى.  وتأتي نتاجات ابناء الجيل الثاني للهجرة لتمثل سرديات الاتصال مع العالم المفقود، مقابلا لسرديات الانفصال التي مثلتها النصوص الروائية للجيل الاول ، فاذا كان ادباء الجيل الاول – ممثلين بسمير نقاش واسحاق بار موشيه وشمعون بلاص ونعيم قطان وسامي ميخائيل – قد ودعوا الوطن الام حقيقة وافتراضاً في نصوصهم الاولى، فان ادباء الجيل الثاني – ومنهم تسيونيت فتال والموج بيهار وايلي عمير ويوسي يونا – على سبيل المثال لا الحصر – قد استحضروا الوطن الأم تخيليياً فكانوا حلقة الوصل بين أدباء الجيل الأول وبين الوطن المفقود.

الرواية على وجه العموم كتبت للقارئ العراقي أولا ، وللقارئ العربي ثانياً ، فمنذ المفتتح النصي للرواية يجد القارئ نفسه في فضاء عراقي خالص لا يمكن ان يتبادر لذهنه سواه، تلك العمومية التي قدم فيها الروائي نصه انسحبت من المفهوم الخاص الى المفهوم العام ، فاذا ما قمنا بإبدال بلد المنفى/اسرائيل بأي بلد أخر ، لما تغير التصور العام عن ذلك الفضاء ، وبقي عالما عراقيا لعائلة عاشت في العراق لأجيال متعاقبة واضطر افرادها للهجرة الى بلد اخر، وبذلك تحول مشروع كتابة تاريخ العائلة الى مشروع توثيق تاريخ الطائفة اليهودية العراقية في مجالاته كافة ، ومن ثم توثيق طبيعة الحياة في المجتمع العراقي في الفترة التي تناولتها الرواية ..

ويبدو أن بركة النبي سليمان وروح الجد «سليمان» قد نجحتا بإحاطة ارواح وذاكرة الاحفاد، وحفظتها من الضياع والتلاشي والفقدان .. فسور سليمان يحوط أبناء الأمة العراقية في كل مشارق الأرض ومغاربها.