الهم الفلسطيني في الصدارة..في ذكرى وفاة الشاعر العراقي شاذل طاقة

شاذل طاقة

نواف شاذل طاقة

في مثل هذا اليوم، وبتاريخ 20 تشرين الأول 1974، توفي احد اركان ريادة الشعر العربي الحديث ،  الشاعر العراقي  شاذل طاقة، عن 45 عاماً، وذلك أثناء حضوره اجتماعات وزراء الخارجية العرب في العاصمة المغربية الرباط. وأنا استذكر اليوم ذكرى وفاة الشاعر، لا يسعني إلاّ أن استذكر مع ذلك التاريخ العديد من قصائده التي حملت هموم الوطن والأمة العربية، لا سيما المذابح التي يتعرض لها أهلنا في فلسطين حتى يومنا هذا، حيث كان الهم الفلسطيني دائم الحضور في قصائده، بل كان واحداً من أبرز الهموم التي تناولتها قصائد شاذل طاقة منذ صدور ديوانه الشعري الأول في الموصل تحت عنوان “المساء الأخير” عام 1950. ففي هذا الديوان، الذي صدر وكان الشاعر لم يبلغ من العمر حينه أكثر من 22 عاماً، لا يتوقف شاذل طاقة عند تناول تجاربه الشخصية وأحاسيسه الرومانسية الشابة، لا سيما تأثره بالوفاة المبكرة لوالده، بل يتحدث أيضا عن المحن والنكبات التي عاشها الوطن والأمة فيقول في مقدمته: “كلنا نحب، وأكثرنا يشجى في هذا الحب وكثير منا يفجأهم الدهر بالملمات والنكبات، فيفقدون عزيزاً عليهم، ويبكونه أحر البكاء، وكلنا أضعنا فلسطين، وذقنا جميعاً مرارة الحياة التي يحياها الوطن والامة، وكل أولئك نلتقي فيه على صفحات هذه المجموعة من الشعر”. وفي ديوانه الثاني “ثم مات الليل” الذي صدر عام 1963، لا تفوت الشاعر الاشارة إلى هموم الأمة، فتراه يهدي قصائده إلى شهداء الأمة العربية، معنونا الديوان إلى “كل شهيد سفح دمه على ارضنا العربية الخصبة، فداءً وقربانا للفجر العربي الموعود”. وعلى الرغم من النكبات التي تعرضت لها قضايا الأمة في أكثر من ساحة، وفي مقدمتها فلسطين، ظل الشاعر متفائلا ببزوغ الفجر الموعود، فيعود في ديوانه الثالث “الأعور الدجال والغرباء” الصادر عام 1967 إلى الجرح الفلسطيني في أول قصيدة فيه حملت عنوان “الدم والزيتون“،  إذ يقول:

  • سلاما .. أختَ يافا حدّثينا ،

وعن يافا الحزينة خبرّينا ..

**

  • لقد كانت لنا أرض .. وكان وكانْ

لبيّاراتنا قُداحُها الأرجُ ..

وقريتُنا تضمّ الأقحوان ضحىً .. وتختلجُ ! .

وحلَّ بأرضنا الطاعون والطوفانْ

وحومّ فوق قريتنا غرابٌ أعورٌ فَلِجُ ! .

وكانَ ..وكانْ ..

وذبَّحَ إخوتي قرصانْ ..

ولم يدفنهمو أحدٌ

ولا خِيطتْ لهم أكفانْ

ولم يحزن لهم أحَدُ ! .

….

وقالوا .. ما يزال بغرستي قُدّاحُها الأرجُ

وأرواحُ الأَحبة من ضحايانا .. تحِفّ بها وتختلجُ ! .

….

وفي صحرائنا الطوفانْ ..

يسيل بنا .. فنرتَعدُ ،

ونبتعدُ ! .

وتومضُ من بعيدٍ واحة الغفرانْ

-2-

ذكرتُهمو .. وقد قطعوا يديها

وقصّوا ثديَها وجديلتيها ! .

**

هو الحُلمُ ..

أم الأحزانُ تزدحمُ ..

فتختلط المشاهد .. أم همو التترُ ..

أتوا من بعد أحقابِ ..

أمِ التاريخ يُختصَرُ ؟ ! .

….

يدا أمي مصلّبتانِ بين الكرم والتينِ ، (1)

على زيتونةٍ حمراءَ في الغابِ ! .

وأسمعُ صوتَ طارقةٍ على بابي ..

تدقُّ .. وصوت أمي من وراء القبر يأتيني  ! .

 

(1) نشرت راهبة دومينيكية كانت في القدس أيام الخامس من حزيران عام 1967 مذكرات عن الارهاب الصهيوني تحدثت في أجزاء منها عن طفل تائه لقيته في الطرقات فأخذته إلى أحد الأديرة .. وكان باب الدير يطرق بقطعة حديدية على شكل اليد .. عندما رآها الطفل .. صرخ وارتعب واعتقدت الراهبة أن الطفل رأى في المجزرة يد أمه أو أبيه مقطوعة وملقية أمامه.. هذه الصورة علقت عند شاذل طاقة وهنا يستعيدها.

ومن أعماقِ سينينِ ..

تصاعدَ صوتُ أصحابي ،

تَهدَّج إذ يناديني ..

وحبّات الرمال تئِزُّ .. تضطرمُ ! .

….

ألا لبّيك يا أمي ،

ويا أهلي وأحبابي ..

نداءُ الأرض يدعوني ..

وقد لبّيتُها .. وأتيتُ أنتقمُ ! .

وأثأرُ للملايينِ ! .

ذكرتُهمو .. وقد حملوا الشهيدا ..

وراحوا يعبرون به الحدودا ! .

**

ورحتُ أطير في الآفاقْ

أطوفُ في السماواتِ ..

وكنتُ قُبيل ساعاتِ ،

أقاتلُهم .. فينبجسُ الدم الدفّاقْ ..

وتشربُه الرمال .. فيهدأ النبضُ ..

وتزدحم الرؤى .. وتضمّني الأرضُ

أحسُ بصدرها الدافي يهدهدني ..

أحسُ بها تعانقني ..

فأغفو .. ثم أصحوا بعد لحْظاتِ !

…..

ورحتُ أطير في الآفاقْ

أطوّفُ في السماواتِ

أُطلُّ على ذرىً .. وأزور واحاتِ ..

فألمح غرسة الزيتون .. تنتظرُ ..

واسمع نخلةً عذراءَ تعتذرُ ..

وأشهدها محَّملةٌ .. أرى الأعذاقْ

تميسُ مع الرياح .. فيهطل المطرُ ! .

-4-

رأيتهمو .. وقد حملوا الشهيدا ..

وراحوا يعبرون به الحدودا ..

وقد ربيتُهم .. فتعهّدوني ..

وكنت أحبُّهم .. فتعشَّقوني ! .

أُحسُّ بهم على صدري

مع الأنداء والفجر

فيغمرني الحنان وأنتشي بِهمُو ..

وأهدأ كلما خطرت لهم قدمُ

على جسدي .. وأبتسم ! .

…..

وعربدت الرياح .  فأنّتِ الأشجار ترتعبُ ..

ومزَّقَ وجهيّ الأغرابُ .. فالاعشابُ تنتحبُ ! .

وقلت لعلّه الطوفان .. قد أزِفا ..

ورحتُ أضمّد الجرح الذي نزفا

وأستسقي من الأعماق بلسمها وأرتقبُ ..

…..

وجاءوا مثل وقع الطلّ في الصبحِ

يمسّدُ خطوهم جُرحي

ويحتضنون أعراقي فابتسمُ ..

وأدرك أنهم جاءوا لينتقموا ..

وأعرف أنني مازلت أُمّهمو ..

**

وقد ربّيتُهم .. فتعهّدوني ..

وكنت أحبّهم .. فتعشّقوني ! .

-5-

سلاماً .. أرض يافا .. هدّنا السَفَرُ

سلاماً يا أهالينا ..

سلاماً .. يا بيوت الحي .. حيّاك المحبونا ..

**

حزيناتٌ ليالينا ..

وليس بأفقنا نجمٌ ولا قمرُ ..

ومجدبةٌ مراعينا ..

وبيّاراتنا صفراء تنتحرُ ..

مقَطّعًةٌ أيادينا ..

وفوق قلوبنا صَخَرُ ! .

ممرَّغةٌ نواصينا ..

فلا فخرٌ .. ولا عزٌ .. ولا زهوٌ .. و .. ولا كِبَرُ !

مسممة سواقينا ..

وماءُ عيوننا كدِرُ ..

كأنَّ عذابنا قدرُ ! .

ولكنّا سننتصرُ ..

سننتصرُ ..

لأن إرادةً فينا

قضت : أنَّا سننتصرُ !.

لأنَّا ، وحدنا ، القدر

**

وقالوا : إنَّه قدرٌ .. وهانوا ..

فلا عاش الذليلُ .. ولا الجبانُ !

بغداد

تشرين الثاني 1967