
هل تريد النخب الحاكمة الخير للعراق؟ – عباس السيد جاسم الغرابي
تصريح الاعلامي الامريكي المقرب من صناع القرار في واشنطن وصديق الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب بأن العراقيين (قردة شبه بدائيين) لم يكن زلة لسان بل تعبيراً عن فكر عنصري متأصل في عقول النخب السياسية في مركز او قلب الولايات المتحدة الامريكية. هذه النخب تنظر للعراق والعراقيين باحتقار وتعمل بكل الوسائل لانهاء وجود العراق حضاريا وسياسياً. وهذه الفكر ينبع من عقيدة توراتية عبر عنها الكاتب الامريكي ديفيد كلنكهوفر في مجلة فورورد عندما قال اينما تجد الكذب تجد الشيطان وان العراق هو ارض الكذب وان وجودنا في العراق ضروري لمحاربة الشيطان ، اما مايكل افنر فقد اشار الى ان التوراة تؤكد على ان العراق يمثل الشيطان ويجب محاربته بكل الوسائل.
هذه العقيدة المتطرفة والمبنية على اساطير عنصرية لها تأثير بارز على السياسة الامريكية تجاه العراق والمنطقة العربية ، وان ما حدث ويجري الان في ارض السواد هو نتيجة هذا الفكر الديني المترسخ في اذهان النخب الامريكية الحاكمة.
وقال الباحث درك اورنينسن عام 2010 ان تدمير العراق كان خطة مرسومة وضعها اصحاب صنع القرار في واشنطن ، ومن الصعوبة التفرقة بين ما هو ديني وما هو سياسي عند صنع القرارات تجاه العراق لتأثير المفاهيم الدينية على اتجاهات ومواقف النخب السياسية الحاكمة ، كما يذكر العقيد المتقاعد والاستاذ في جامعة بوسطن اندرو باسيفيتش ان بول ولومز (خطط لغزو العراق من اجل اسرائيل) اما المحرر في جريدة (نيويورك تايمز) بل كيلر فذكر عام 2003 ان ولومز ومسؤولين في وزارة الدفاع الذين عينوا من قبله كانوا من المخططين والمنفذين لغزو العراق لأهميته لاسرائيل.ويرى هؤلاء المتطرفون ان وجود العراق كدولة يشكل تحدياً للارادة الالهية.
نظرة متطرفة
وتجدر الاشارة الى ان هذه النظرة المتطرفة والعنصرية برزت في الستينات من القرن الماضي وبهذا الخصوص يؤكد روجر مورس الذي عمل في مجلس الامن القومي الامريكي في مقال له في جريدة (نيويورك تايمز) ان واشنطن قامت خلال اربعين عاماً بتهيئة وتكوين الطاغية صدام وخاصة منذ اعطاءه المهمة لاغتيال الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ، وبعد ذلك قامت واشنطن بترتيب انقلاب شباط عام 1963. ويذكر مورس ان وكالة المخابرات الامريكية سلمت البعثيين اسماء وعناوين الشخصيات الوطنية الذين يجب قتلهم ، وكان الانقلاب حمام دم راح ضحيته الالاف.
المثقفين و المهنيين العراقيين فضلا بالاضافة الى عدد لا يحصى من العناصر العسكرية التقديمة.
واثناء غزو العراق عام 1991 اصدرت النخب السياسية اوامراً للقوات الغازية باستعمال كل الاساليب لارهاب العراقيين ، ففي قاطع السماوة تم دفن ما يقارب من ستة الاف شخص وهم احياء حسب ما ورد في جريدة لوس انجلز تايمز في 12 / 9 / 1991 وقد صرح قائد الفرقة التي نفذت المجزرة اللفتنت ستيفن هوكينز ان دفن العراقيين احياء كان الغرض منه (ارهاب العراقيين واجبارهم على الاستسلام) اما العقيد انتوني مورينو قائد اللواء الثاني فقد ذكر (ما رأيته كان مجموعة من الخنادق المغطاة بالتراب واذرع الناس واشياء اخرى مرفوعة) وذلك يعني انه برغم رفع الجنود ايديهم للاستسلام الا انهم دفنوا احياءً ، ويبرر قائد الفرقة هذا العمل الشنيع (حتى لا نعرض حياة جنودنا للخطر). وفي نفس المقابلة يقول الجندي جو كوين (ان الكثيرين من الذين قاموا بدفن العراقيين وهم احياء كانوا مرتبكين لكنني استمتعت بتنفيذها).
اما مذبحة طريق الموت التي حصلت اثناء انسحاب الجيش العراقي من الكويت فقد وصفتها جريدة الابزيرفر البريطانية بانها (مجزرة لا يمكن تصورها حتى في عالم الحيوانات) وعندما سألت مراسلة وكالة انباء (L bc) شيلا ماكنيكار القادة العسكريين عن هذه الجريمة اجابوا بانها مخالفة للاعراف العسكرية الا ان القيادة المدنية في البنتاغون امرت بتنفيذها.وكانت الاوامر وقتها تصدر من قبل بول ولوفوز.
والجدير بالذكر ان مجلة نيويورك وصفت ولوفوز بانه (اسرائيل سنترك) وهذا المصطلح غالبا ما يطلق على الاشخاص الذين يعبدون اسرائيل.وهؤلاء يرون ان تدمير العراق هو خدمة متواضعة تقدم لاسرائيل ولهذا غالبا ما يبرروا المذبحة التي ارتكبت ضد العراقيين على انها مشيئة الرب. وقد اشار الباحث درك ادرنسن الى ان احتلا العراق ادى الى قتل مليون وثلاثمائة الف من المدنيين وهجرة ما يقارب من ثلاثة ملايين وتعميق حالة الفقر والضياع الحضاري بالاضافة الى تدمير البنى الاقتصادية والاجتماعية.
نخب سياسية
ان النخب السياسية في واشنطن مصممة على تدمير ما تبقى من العراق فعندما كان الرئيس بايدن عضوا في مجلس الشيوخ اقترح وبحماس ضرب وغزو العراق وكتب مجموعة مقالات تدعو الى تقسيم العراق على اساس طائفي و عرقي ، ففي مقال له في جريدة نيويورك تايمز في الاول من آيار 2006 كان مدافعاً عن التقسيم ومستخدماً تعابير طائفية دخيلة على الفكر السياسي والاجتماعي في العراق ، وفي تصريح له في 2 / 4 / 2006 هاجم فكرة جورج بوش لتشكيل حكومة مركزية قادرة في العراق قائلاً انها (خاطئة اساسا وغير ممكنة التطبيق) وكانت افكاره مبنية ومستعارة من الخطة الصهيونية لتقسيم العراق ولهذا السبب كان اختياره للمسؤولين عن السياسة الخارجية من الذين دعوا مرارا لضرب العراق مثل وزير الخارجية انتوني بلنكين ووكيلته فكتوريا نيولاند واليت ايرامز وغيرهم ، وحسب تعبير مديرة التحرير في مجلة النيشين كاترينا هويفيل فان هؤلاء المسؤولون هم من المتطرفين و دعة الحرب.
وبالحقيقة ينظر هؤلاء المسؤولين في واشنطن الى العراق من منطق ديني بحت وعلى انه خطر يجب ازالته ، فزوج وكيلة وزير الخارجية الذي عمل سابقاً في الوزارة روبرت كيكن كتب في30 / 1 / 1998 داعيا الرئيس كلنتون الى استعمال القوة العسكرية البرية والجوية لتدمير العراق وليس الاعتماد على القصف الجوي فقط من اجل انهاء المهمة التي لم يتم اكمالها عام 1991 .
وليس من المستغرب ان تقوم واشنطن بانهاك العراق اقتصادياً وسياسياً واسناد القوى اللا وطنية وتشجيع وشرعنة الفساد من اجل ان يبقى الشعب العراقي مسلوب الارادة ومستعبد ، فاذا ارادوا الخير للعراق فلماذا لا يستعيد الدينار العراقي مركزه القوي قبل 1991 وقبل فرض العقوبات الاقتصادية الامريكية على العرا؟ ولماذا لا ينتعش الاقتصاد الوطني؟ ولماذا قدم دستور يرسخ تمزق العراق ويربك عمل الدولة؟ والسؤال الاكثر حساسية لماذا تشجع وتساند القوى اللا وطنية و خاصة تلك التي تتغذى على صفقات الفساد و تعمل ليلا نهارا على بقاء الدولة هيكلاً بلا روح؟
لقد لعبت النخب الحاكمة في واشنطن دوراً مهما في تركيع العراق وقد برز هذا بوضوح بعد ثورة 14 تموز عام 1958 حين قامت وكالة المخابرات الامريكية بعدة محاولات لتصفية القوى التقدمية وانهاء النظام الوطني وقد نجحت في تنفيذ مؤامرة شباط عام 1963 الدموية ، وعندما تمكن الجناح الوطني في الجيش في نوفمبر 1963 من التخلص من العناصر المتواطئة مع المخابرات الاجنبية قررت واشنطن تصفية النظام الجديد و خصوصاً بعد تصريح الرئيس عبد الرحمن عارف عام 1967 بان وجود اسرائيل (خطأ تاريخي) واثار الرئيس عارف غضب النخب السياسية في واشنطن عندما عندما اعطى الحرية للقوى الوطنية التقدمية للعمل بحرية ، لذا اسرع صناع القرار في واشنطن بازالة النظام الوطني عام 1968 ومنذ ذلك الحين ساهموا بشكل رئيس في زج العراق في مغامرات طائشة اضعفته اقتصادياً ومهدت الى غزوه عام 2003 ، و قد رافقت قوات الاحتلال عناصر لا تمت الى الوطنية بصلة ، اما جهاز سلطة الاحتلال فكان خلية مملوءة بعناصر حاقدة على العراق وشعبه ، وعلى سبيل المثال اصبح مايكل لدين مستشاراً وهو الذي شارك في التآمر على العراق والذي كتب (اننا لا نستكين حتى يسجدوا لنا) وقامت زوجته بدور تأهيل النساء العراقيات اما ابنته سيمون فقد عملت مسؤولة في الشؤون المالية ، والغريب ان وزارة الدفاع الامريكية عندما عرضت الوظيفة الى سيمون لدين كتبت في رسالة بانها (فرصة نادرة للتقدم الى الامام في حربنا ضد الارهاب العالمي) وياللعجب هل كان العراقيون ارهابيين ، ألم يرافق الارهاب القوات الغازية!
ان الشعب العراقي يعيش في وضع مأساوي وليس هناك أملا في ان يستعيد العراق حريته الا بمعالجة جذرية للوجود الاجنبي ، فالشعب العراقي ينشد الحرية والاستقرار وان يكون حراً و كريماً في وطنه وهذا لا يتم الا بوجود سلطة مركزية وطنية قادرة على اتخاذ القرارات من دون املاءات اجنبية.
ان الصراع الدائر في العراق هو بين شعب يرنو الى الانعتاق والتخلص من الذلوبين قوى اجنبية مصرة على منع الشعب من العيش بأمان وسلام وان يبقى العراق مفككاً وضعيفاً.
انه صراع بين فلسفتين ، فلسفة تؤمن بالانسان الحر الكريم ، وفلسفة تؤمن باستعباد البشر وحرمانهم من العيش بسلام. انه الصراع بين فكر الجماهير وبين فكر الطغاة.
اكاديمي عراقي مغترب في بنسلفانيا
























