أيمن صادق: الكثير من الكتابات النقدية تصلح لكل النصوص
شاعر بخفة ظل تشبه إطلالة قصيدة
عِذاب الركابيّ
الاسكندرية
من بينَ كلّ الشعراء السكندريين الذين عايشتهم ، وهم يصوغون قوافي وتفعيلات قصائدهم من أمواج بحر لايهدأ ، وهو يهمس لهم بأجمل المطالع ، يتميزُ هذا الشاعر المثابر بخفّةِ ظلٍّ ، لاتشبهُ إلاّ إطلالة القصيدة ، ولهُ حضورهُ في المحافل الأدبية والشعرية بخجل ٍ قرنفليّ ، وتواضع سحابةٍ تسكبُ قطرها بإذن ٍ من نسمةٍ عطرةٍ عاشقة ..!!
أيمن صادق يأتي من دون موعدٍ كما القصيدة ، ولهُ طقوسُ لقاء لاتشبهُ إلا عصافير الصباح ، وهي ترتّب غزلها حناجرُ صافية .. وحينَ تفيض حنجرته بالغناء ، وهو العاشقُ الخجول ، فأنهُ أقرب إلى عندليبٍ جريح ٍ، قد ضيّعَ صاحبتهُ ، لحظة حكم العواصف ..!!
الشعرُ – غناءُ القلب لديه حالة عشق ، وهو المعادلُ للحُلم ِ، إذا لمْ يكن الحلمَ نفسه !!
يتريثُ في الإجابةِ عن السؤال ، وبشفّافية عالية ، يعيدُ إليك السؤال مقروناً بإجابةٍ أوفر .. فالسؤال عن جدوى الشعر ، هو السؤال عن جدوى الإيمان والحبّ والحياة !!
ينحازُ للشعر أبداً ..!! هذا حقّهُ كشاعر ٍ متفردٍ ، رابضٍ في خاصرةِ كون ٍ تموسقهُ القصيدة .. فالشعرُ هو البوّابةُ الذهبيةُ التي تمرّ من خلالها مواكبُ كلّ فنون الإبداع ، وهي تتوضأ بسحرهِ الكونيّ الأزليّ !!
.” القصيدة هي قدري الذي لا مهرب منهُ ولامفر” !!
أيّ قدر ٍ جميلٍ هذا الذي ينتظرهُ هذا الفتى السكندري بكلّ نفس ٍ في الروح ، وكلّ نبض ٍ نحيلٍ في الجسد !!؟
هو شاعرٌ مكانهُ الحالمُ الكلماتُ ، وسكنهُ الآمنُ هو القلب ،
تربةُ القصيدة ، والقصيدة حاجةُ روح ٍ وغناء وجدان !!
صدرَ لهُ :
-سمريات – شعر 1996 القاهرة
-سمر وحلم النورس – شعر1996 القاهرة
-الموت على قارعة النشيد- شعر 2001 القاهرة
– جمع وتحقيق ديوان الأنصارى – 2005
-من نشيد الإنشاد إلى سمر (سفر أول) – 2010
– من نشيد الأنشاد الذى إلى سمر (سفر ثان) 2011
– من نشيد الإنشاد إلى سمر ( سفر ثالث)
– سـِفْر الأرق – 2013
. كتبَ عنه في عدد ٍ من المعاجم العربيّة .
.قدّم دراسات عنهُ كبار النقاد المصريين والعرب .
. الشعرُ المُعادلُ للحُلم ِ .
{ من بين فنون الإبداع والكتابة ، تفجّرتَ شعراً صافياً جميلاً ، يعودُ بنا إلى الحُلم ِ تارةً ، ويُربكُ ضرباتِ القلب تارة ً أخرى ..قلْ لماذا الشعرُ دون غيره من الفنون!؟؟
-كان الشَّعر هو خفقة القلب الأولى حين لم أكن أعرف أنَّه شعر ، وإنَّما تلك الهزة التىِ تدفع الروح إلى الرقص على أرجوحة النشوة عندما تمر أمامى بنت الجيران كستنائية الشَّعر ، خضراء الروح ذات الصفاء المريمى ، فتتفجَّر الرغبة فى البوح بلغة خاصة لا أعرف كنهها وإنَّما أعرف أنها غير تلك ينهرنى بها أبى عن شقاوة الأطفال ، أو يستجيب بها البقال لطلبى شراء ما تطلبه منى أمى أن أبتاعه ، وقد وجدت ضالتى عندما رأيت عبد الحليم حافظ يغنى لحبيبته عندما يلقاها ، فتشبثت روحى بهذه اللغة التى يخاطب بها حليم محبوبته ، وبدأت أقتنص فراشات اللغة لأهديها لحبيبتى الصغيرة ، كنت حينها فى الصف الرابع من التعليم الإبتدائى ، وكنا فى ذلك الوقت من سبعينات القرن الماضى نتسلَّم الكتب الدراسية قبل بدء العام الدراسى ، فكان يستهوينى من الكتب كتاب القراءة والمحفوظات ، ومن كتاب القراءة والمحفوظات ، الموضوعات المعنونة بالأناشيد ، فأصبحت أعشق تلك الموضوعات ذات النسق الكتابى المختلف ، وبانتهائى من المرحلة الإعدادية كان القلب قد عرف مرارة الألم والقهر إذ تشفَّع جمال حبيبتى الصغيرة لسنها فتمت خطبتها لآخر ، وفشل الرسم والتمثيل اللذان مارستهما ضمن النشاط المدرسىِ فى أن يحتويا صلاتىِ ، بينما نجح الشعر فى ذلك ، فكانت مزاميرى … وكان الشعر ، وصارت القصيدة رمزاً ومعادلاً للحلم وكل ما هو جميل فى حياتى ومقدس ومن أسماء حبيبتى الحسنى.
. السؤال عن جدوى الشعرهوسؤال
عن جدوى الإيمان والحب .
{ يُطرحُ في المحافل الثقافية العربية السؤال الأكثر مرارة ً وجرحا : ماجدوى الشعر؟ كيف تجيبُ عن هذا السؤال؟ أعني كيف تعيدُ لهذا الفنّ العظيم تاجَ الشموخ والسيادة والتألق ؟؟
– السؤال تتنازع أهميته حلقات ثلاث متشابكة فى الأصل إحدى هذه الحلقات على غير ما أولوية فى الترتيب ، أن المحافل الثقافية على عمومها وإطلاقها قد تحولت إلى (جيتو) للمثقفين والمبدعين ، فلم يعد المثقفون يخاطبون إلا أنفسهم ، ولا يصل خطابهم إلا إلى أسماعهم كرسل أنصرف عنهم قومهم وليس لهم أشياع . فقد سقط ضلع التلقِّى عندما تآكل الوسيط ، فلم يعد قاصراً إلا على الفضائيات التى تتقيَّأ إنتاجها الشائه فكرياً وإبداعياً فى أدمغة أنهكها الجوع والفقر والبطالة ، أو أوقعها الترف فى شباك التأمرك والتأورب ، وكلا الدماغين أصبح مغيباً عن نفسه وواقعه وقضيته ، بالإضافة إلى انحسار دور الكتاب كوسيط فاعل ما بين ترف يعلو فوق سقف الجوع والفقر والبطالة ، أو حلية فوق أرفف المترفين ، فلم يتبق من مربع الخطاب إلا ضلعا النص والكاتب والتى تقلصت الزاوية بينهما حد التطابق فأصبحت المحصلة صفراً او أصفاراً تتعدد ويأتى الشعر كأحد أضلاع الخطاب كنص له خصوصيته التى تتماس مع الوجدان وهواجسه على كافة الأصعدة ، والذى يعلو فوق السؤال عن جدواه ، وكأنى بك تسأل عن جدوى الإيمان أو جدوى الحب ، وهى القيم التى ما انغرست فى كيان إلاَّ وضوَّأت روحه بالخير والحق والجمال ، وهذا ما يفسر كمَّ ما نعانيه من شر وظلم وقبح ، ولكى يتبؤَّأ الشعر ما يجب من مكان ومكانة علينا أن نشق صدر الإنسان وننزع منه المضغة السوداء ليصير أهلا للتلقِّى ، فيتداعى (المسيلمون) الكاذبون الذين تصدروا المشهد وغيبوا الشعر فانصرف الناس عنه حين لم يجدوا فيه ذواتهم أو قضيتهم ، ولا يبقى إلا من يحملون الجمرة المقدسة التى يجذب وهجـُها وصدقـُها الناسَ فيجلِّوا الشعر والشعراء كما كان وكانوا.
.نفتقدُ إلى النقد الذي يتوازى مع النصّ إبداعياً .
{ كشاعر ٍ كبير ومبدع ٍ متألق هل تؤمنُ بمصطلحات النقد المترف : المدارس، المناهج ، الاتجاهات ، الأجيال ؟ هل يُمكن للشعر أنْ يسجنَ داخل مصطلح مفروض عليه فرضاً ؟ قلْ لي هل للشعر عمر ؟ إذا كان كذلك .. !! لماذا نقرأ حتى هذه اللحظة شعر المتنبي ، وأبي العلاء ، وأبي نؤاس ، وبشار على سبيل المثال !؟؟ حدّثني !!
– أؤمن بالنقد الذى يضىء النص ويضيف إليه أيا كان مترفاً أو غيره وأيا كان المصطلح الذى ينتمى إليه أو أتفق عليه ، وأعتقد أننا بشكل ما نفتقد إلى النقد الذى يتوازى مع النص إبداعياً ، فيصبح لدينا نصان ابداعيان أحدهما النص النقدى.
– وللأسف فالكثير من الكتابات النقدية الآن تصلح لكل النصوص ، وقد أبالغ فأقول ان ما كتب عن منتوج شعرى من الممكن أن نلبسه لمنتوج قصصى بدون مشاكل اللهم إلاَّ تغيير العنوان.
– والإبداع وأخص منه الشعر سابق على النقد ، فالنقد يقتات من مائدة الإبداع كما قال أستاذنا القبانى رحمه الله فى أحد حواراتى معه فى بداية التسعينات ، وأضيف بأن ما يمر به الإبداع من تمردٍ وتطورٍ لابد وأن يواكبه النقد فى ذلك ، وبالتالى من الطبيعى ظهور مدارس ومناهج واتجاهات ، لأن الإختلاف والتنوع ديدن الإبداع.
-والشعر كيان متمرد ، وهو يتمرد على نفسه انطلاقاً لآفاق أرحب واعلى ، وكيان هذه خصيصته يستعصى على أن يسجن داخل أى مصطلح أيا كان ، وعن عمر الشعر فقد أجبت أنت ، فمازلنا نقرأ المتنبى وأبا العلاء وأبا نواس وأضيف شعر أمرىء القيس وطرفه . ومازالت هذه القصائد ساخنة وطازجة تثير شهيتنا وتفتح أعيننا على الدهشة ، وأعتقد أن عمر الشعر لا يمتد فى الزمان ، وإنمَّا ينغرس فى الإنسانية سموقاً يخضوضر بحاجة الإنسان إلى الحيوات الأروع والأبهى والأرقى.
. القصيدة هي التي تختار (ثوبها) شكلها .
{ يقولُ شاعرُ الحداثة الكبيرالراحل الصديق عبد الوهاب البياتي ” القصيدة لا شكل لها “.. ويقول أدونيس ” إنّ شكل القصيدة هو القصيدة كلّها” .. مارأيك بهذين القولين ؟ مَنْ الأقرب إلى رؤاك ؟ كشاعر وقاريء ماالذي يستفزك في القصيدة ؟؟
– أعتقد أن كلا القولين يلتحم مع ما يمكن ان يقوله أى شاعر حقيقى يتكىء على تجربة حقيقية ، فالقصيدة تختار ثوبها و (موديله) الذى يتسق مع شخصيتها ، والشاعر الحقيقى هو الذى ينجح فى أن يخلق تماهيا ً بين الشكل والمضمون تصير معه القصيدة وشكلها كياناً واحداً ، فيصبح لكل قصيدة متجددة شكلها المتجدد الذى يصعب حصره . وكل من البياتى وأدونيس قادر على أن يثبتنى على أرجوحة الدهشة ، ولكن قصيدة البياتى تملك القدرة على أن تخمش روحى ، وكشاعر يستفزنى فى القصيدةِ القصيدةُ . لقد سيرَّ الله الكون على محورين متباينين هما الغيب والشهادة ، فالغيب ينفلت من قيد الأسباب والمنطق لأنه أوسع من أن يحتويه سبب او منطق ، وتتكيَّن القصيدة فى هذه المنطقة التى يشع منها الإيمان والحب ، وهى تراودنىِ بأسبابها ومنطقها هى ، فتصير كل الأشياء … الوقت والتفاصيل رحما لها وتظل هى هاجساً وتوتراً عذب المخاض ، إلى أن أنتهى من كتابتها ، فتتغير علاقتى بكل الأشياء حولى ، واكتشف أنها ليست القصيدة التى أحمل وتحبل بها رؤاى ، وأن عذاباتى بها ليست إلاَّ إرهاصاً فاشلاً لقصيدتى التى أريد . ولذلك فإنك تجد فى كل دواوينى قصيدة هى علامة استفهام ، فسـَّرها بعض النقاد بأنها القصيدة التى لم تكتب وأنا اتفق معهم ، فأنا لم أكتب بعد قصيدتى.
– وكقارىء بستفزنى فى القصيدة الصدق ، تلك الجمرة المقدسة التى يهبها الخالق للشاعر فى بيت أو كلمة او صورة فتشع وتتوهج فى القصيدة كلها ، وهى خارج أى إطار تنظيرى أو معرفى مسبق.
. إنّنا نكتبُ لأنفسِنا وللفئران .
{ من خلال متابعتي وجدتك قليل النشر.. أهو موقف من صحافتنا الثقافية ؟ كيف تقيَّم هذه الصحافة ؟ أهي كما يرى الكثيرُ من المبدعين صحافة علاقات ، ومجاملات ، وتبادل منافع .. ماذا تقول ؟؟وماذا تقترح لصحافة نزيهة ترتقي بالإبداع ؟؟
– المناخ السياسى المتردى تمخض عنه مناخ ثقافى أكثر تردياً ، وأحد أسباب عزوفى عن النشر صدى هذا المناخ غير المحفز والضارب فى الإحباط حيث لا جدوى لشىء وحيث القصيدة هى قدرى الذى لا مهرب منه ولا مفر ، والذى يسمو فوق كل الغايات ، وحسبى أن أرتقى إلى القصيدة ، ومع اقترابى من الخمسين تتفَّهت الأشياء وخلعت أهميتها ، وتحققت قناعتى بالقصيدة كقصيدة.
– ويأتى النشر- بالرغم من أهميته للمبدع وللإبداع – فى ذيل اهتمامى ترفاً خارج طموحى ، وبإستثناء قصائدى عن ثورة يناير ، فإن ما أنشره يكون قد مرَّ على كتابته أحياناً خمسة أعوام ، وهو ليس موقفاً من الصحافة الثقافية فى حد ذاتها ، لكنه المناخ العام المحيط ، والذى يسعِّر الصحافة الثقافية بأبخس الأسعار لندرة مستهلكى الثقافة والفكر ، فإن إعلاناً عن موسى حلاقة يكون على حساب المساحة الضئيلة التى تفردها بعض الصحف للثقافة والأدب ، كما أن الدوريات الثقافية المتخصصة لا تحقق توزيعاً يليق بالثقافة والإبداع ، وهذا على فرض أنها تحقق توزيعاً أصلاً ، وغالباً ما يكون مستقرها لفئران المخازن ، أى أننا كمبدعين نكتب لأنفسنا وللفئران.
– ولك أن تتخيل مثلاً أن تهنئتك الرقيقة لى على صدور أحدث دواوينى ( سِفـْر الأرق) الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013 هى تهنئة على تجربة انتهت عام 2006 ولا استطيع أن أبرىء الصحافة سواء كانت ثقافية ام غيره من المجاملات ، كما لا أستطيع ان أنكر دور العلاقات فى كثير من الأحيان ، ومع ذلك لا أستطيع أيضاً ان اوسمها بأنها صحافة علاقات ومجاملات ولاأستنكر أن تكون العلاقات أحد مصادر إثراء الصحافة الثقافية ، واستثماراً للعلاقات فقد يطلب المحرر الثقافى من كاتب ما أو شاعر نصاً لصفحته ، وقد تكرر ذلك معى شخصياً ، وأعتقد أن تبادل المنافع لا يعد ظاهرة يمكن رصدها فى هذا المقام ، واقترح لصحافة نزيهة ترتقى بالمبدع والإبداع ولكن يظل اقتراحى حلماً لا يتحقق ولن يتحقق ، فللواقع نواميسه التىى تتأبى على الكمال.
.لدينا حركة نقدية ولكنّها عاجزة عن مواكبة الإبداع.
{ أعرفُ أنّ نقاداً رؤيويين وأكاديميين تناولوا شعرك .. ويبدو أنّ النقدَ أنصفكَ! كيف تقيّم الحركة النقدية لدينا ؟ هلْ لدينا حركة نقدية جادة ؟ ومَنْ ناقدكَ الأمثل مصرياً وعربياً .؟؟
– الحديث عن الناقد الأمثل أشبه بالحديث عن البيت الأفضل والقصيدة الأروع ، فهو حديث يحتاج إلى تفاصيل كثيرة ليقترب من الموضوعية ، بالطبع لدينا حركة نقدية جادة ، ولكنها تعجز عن مواكبه ما تصدره المطابع من أعمال إبداعية ، كما أنها تنهض فى وجه حركة نقدية غير موضوعية أفرزهاواقع ينتصر بشكل ما للشللية والمجاملات ، وقد يكون ذلك مقبولاً إذا اعتمدت على إبداع حقيقى انحاز فيه الناقد لعلاقته الشخصية بالمبدع قبل انحيازه للإبداع ، ولكن الكارثة أن هناك بعض المحسوبين على النقد تقع تحت طنطنتهم نصوص تخضع لمعايير أخرى غير الإبداع ، ربما يتسم بها صاحب النص وليس النص نفسه وتشرف قصيدتى أنها تناولها نقاد بقامة د / محمد زكى العشماوى ، د / يوسف نوفل ، د / كمال نشأت ، د / الطاهر مكى ، د / ثائر العذارى، د / السعيد الورقى
. قصيدة “الأنصاري” تتصدى مشهد الشعر العربي .
{ قمتَ منذ سنوات بجمع وتحقيق الأعمال الكاملة للشاعر السكندريّ الكبير د. عبد المنعم الأنصاري .. كان وفاءً منك من دون شك ! ماالذي يجمع بينك وبين هذا الشاعر الكبير شعرياً وإبداعياً وإنسانياً ؟؟
– يعد عبد المنعم الأنصارى من جيل الروَّاد فى الشعر السكندرى إلى جانب عبد العليم القبانى ، وأحمد السمرة ، وإدوار حنا سعد ومحمود العتريس وآخرين … ولكن تنفرد قصيدة الأنصارى بطزاجتها ومعاصرتها … ولم تزل ، لذلك إمتد تأثير الأنصارى إلى عدد كبير من الشعراء السكندريين ، منهم من أقرَّ بذلك ومنهم من تنكر له ، وفى كل الأحوال يبقى للأنصارى حضوره ، وتتصدر قصيدته المشهد الشعرى السكندرى بشموخ وكبرياء ومعاصرة.
– إلتقيت الأنصارى فى ثمانينات القرن الماضى فى أول أطوارى الشعرية ، حين استوت قصيدتى على عمود الشعر ، تشاكس المرأة َبمفردات ورؤى نزارية تتماس مع شطح وفورة الشباب ، فالتقيت عند الأنصارى بالمرأة القصيدة والمرأة الوطن ، والتقيت عند الأنصارى بالشاعر النبى والفارس والمخلِّص ،فتسامقت بذلك قصيدته عن كل مجايليه ، واستطاعت أن تحتل مكانها المتميز على خريطة الشعر العربى إلى جانب عبد الله البردونى فى اليمن ومحمد مهدي الجواهرى فى العراق ، فوقفت مشدوهاً أمام قصيدة تتحدى كل دعاوى المعاصرة والحداثة متعصبة للشكل البيتى للقصيدة ، ولم أتخيَّل وقتها أنه يمكننى أن أكتب فى غير هذا الشكل ، إلى أن تمردت علىَّ القصيدة وعلى شكلها ، وكان أول خروج على الشكل فى قصيدة
– ( طليقاً كيف ارسمه) وهى قصيدة من بحر البسيط مازجت فيها بين الشكلين البيتى والتفعيلى ، وكان خروجاً اقتضته الحالة النفسية والفنية للقصيدة.
-ترك الأنصارى تلاميذ شهدوا له بالفضل ولقصيدته بالريادة منهم الشاعر إسماعيل عقاب والشاعر أحمد شلبى وكثيرين غيرهم ممن لا تخطىء صدى لقصيدة الأنصارى عندهم وصدى لأدائه الشعرى المتميز.
-وتستحق قصيدة الأنصارى أن تتصدر المشهد الشعرى العربى وهى أحق بكثير مما يتقيَّأه علينا الإعلام.
-وللحقيقة فإن الحديث عن الأنصارى إبداعياً وإنسانياً أكبر مما تسمح به هذه المساحة من الحوار.
. الشعرُ حاجةُ روح ٍ وثقافة وجدان .{ قلْ لي هلْ الشعرُ بخير ؟ لماذا يقولون إنه ( زمن الرواية).. هل تؤمن بمثل هذه المقولات النقدية الموسمية السريعة؟ وهل تعتقد أن هناك فناً يستطيع أن يتنازل عن كرسيه الوثير لفنّ آخر ؟ مَن شاعرك الأمثل مصرياً وعربياً ؟؟
– بالرغم من كل ما يحيط بنا من إحباطات فإنى أجيبك بأن الشعر بخير ولسوف يظل ، وهو أرسخ من كل المقولات المسلوقة ، وهو ليس بحاجة لأن يثبت وجوده ، أو يدافع عنه بأى من تلك المقولات ، وبغض النظر عن المعايير التى تحكم بالريادة لفن دون آخر ، فإن الشعر يظل حاجة روح وثقافة وجدان ، يشهد بذلك تاريخه وحاضره ، ويشهد شعارات الميدان وأغانى الثورة ، وإن كنا ننظر للأمر على أنه ليس صراعاً بين الفنون ، فلكل فن وإبداع منجزه ودوره فى الواقع والحياة ، وكل الفنون تهذيب للوجدان وارتقاء بالإنسان سواء كان شعراً أم رواية أم مسرحاً أم أوبرا أم غيره … ، ولكن يبقى الشعر ضرورة ًإنسانية ًخارج كل التصنيفات والمقولات ، وبعيداً عما يصدره الإعلام فهناك شعراء مجيدون وقادرون على أن يحدثوا فيك هذه الدهشة والرعشة المقدسة بما يملكون من صدق وإخلاص لتجربتهم ومشروعهم الشعرى ، وقد شاركت مؤخراً فى أمسية بالمجلس الأعلى للثقافة وأدهشنى إلى حد الإنتشاء الشاعر عاطف عبد العزيز ، فالشاعر الأمثل هو الشاعر الصادق والمخلص للشعر تجربة وإبداعاً وقضية ، ولك أن تتخيل مثلاً أنى احتفظ فى مكتبتى بثلاث نسخ من الأعمال الكاملة لأمل دنقل أهترأ اثنتان منهما من القراءة ، وبنسختين من الأعمال الكاملة لمحمود درويش كثيراً ما نطَّـَّارح أشعارهما أنا وحبيبتى فى شرفة أمسياتنا المنزلية.
. الصوفية منبعها النصُّ نفسهُ .
{ كانَ آخر إصداراتك الشعرية ( نشيد الإنشاد) في أربعة أسفار.. أهو قصيدة ملحمية أم هو نزيف صوفي توحي به التسمية أمْ ماذا ؟ احكِ لي شيئاً عن هذا العمل الشعري الجديد المثير!!
– فى البدء كان ترجمة للنص التوراتى من نشيد الأنشاد الذى لسليمان وكانت المحاولة تحمل كثيراً من نزق الشباب وشطحاته التى خصبها النص حتى اشتعلت ، ثم كانت (سمر) وكان الحب الذى شقَّ العمر ونزع منه كل مضغات النزق والتهور والسوء فكان الإرتقاء والسمو ، وكان أن أطعمت محرقتى كثيراً من النصوص التى لا تليق بى كمحب حقيقى ، ولا يليق ببهاء سمر كمحبوبة ، وكان منها نشيد الأنشاد ، والذى لم يبق منه غير الاسم عالقاً بنفسى ، ثم كانت نفثات الحب التى أنفثها تلغرافياً إلى حبيبتى حينما كان للتلغراف دور وأهمية ، أو تلك التى كنت أسجلها على مرايا البيت ، أو على كارت أرشقة قُبلة على باقة ورد .
وأحياناً على فاتورة المطعم أو الكافيتيريا وأحياناً … على كفِّها ، ثم أضيف إلى ذلك رسائل المحمول القصيرة ، ثم تشكلت النفثات بوحاً يستوعب كل حالاتى العاطفية والدينية والفلسفية والسياسية ، وفى كلها الخطاب موجه إلى (واحدتى) ثم تشكل البوح فى نسقٍ شعرى خاص ضمَه (من نشيد الأنشاد الذى إلى سمر) بكل أجزائه ، وهو تجـــــــربة تتوازى كتباتها مع قصائد أخرى على غير هذا النسق.
– وبالرغم من ميلى إلى الصوفية إلاَّ أننى لم أتعمد الإتكاء عليها فى صياغة هذه الأناشيد – والصوفية التى أشار إليها الدكتور الطاهر مكى والأستاذ سعيد سالم والصديق محمد عطية فى هذه النصوص منبعها النص نفسه وليس توجه الشاعر المتعمد أو المقصود.























