لو ألقيت نظرة على احد شوارع العاصمة بغداد لوجدت بحرا من المركبات التي تتحرك ببطء وعشوائية، والسائق إن كان موظفا على سبيل المثال فانك ستجده راغبا في الوصول إلى محل عمله في الوقت المناسب وهو محق في ذلك ولكن ما لايعرفه الكثير من سائقينا إن لزملاءهم في الشارع ولأنظمة السير حقوق يجب مراعاتها أيضا وما يزيد الطين بله إن الكثير من الشوارع غير مزودة بالإشارات المرورية وان هذه الإشارات التي لا غنى عنها لسلامة المارة والمركبات قد تم العبث بها أو إزالتها وفي حال وجودها فانك سترى السائقين يمرون بها مرور الكرام من دون اكتراث إما المارة فليسوا بأفضل حالاً فهم يعبرون الشارع من حيث شاءوا فالمناطق المخصصة لعبور المشاة لم تعد تعني لهم شيئا أو كأنها غير موجودة أصلا.
ولعل الميل للعشوائية وعدم التقيد بالقانون وقلة الاكتراث بالوقت هي من السمات الواضحة في ثقافة الفرد في بلدنا فمثلا اذا طلب عراقي من آخر المساعدة فان هناك احتمالا كبيرا إن يسمع السائل الجواب المألوف (إن شاء الله) والمقصود بهذا القول إن الطرف الذي وعد بتقديم الخدمة قد يلتزم بوعده أو لا يلتزم وان عزم على فعل ذلك ففي وقت غير محدد إن مثل هذه العبارة لا تعكس مظهر التدين بقدر ما تظهر عدم الرغبة بتقديم التزام حقيقي لتنفيذ ما بدا انه وعد قطعه المتحدث على نفسه وهكذا فالكثير منا حين يقول (نعم) فانه قد يعني من الناحية الفعلية (نعم) أو (ربما) أو (لا) في الوقت نفسه.
ولا تقتصر مناحي الفوضى وعدم الدقة في الأقوال والأفعال على التنكر للالتزامات الشخصية فالتهرب من أداء الواجب وعدم القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتق الفرد ظاهرة متفشية بين الموظفين في القطاعين العام والخاص وكذلك هو الحال في صفوف الكثير من الشرائح الاجتماعية بما في ذلك الفئات الحاصلة على مستويات عالية من التعليم.
ومن جهة أخرى فان عدم حضور صديق إلا بعد مرور ساعة على الموعد المتفق عليه هو ظاهرة شائعة في مجتمعنا مثلها كمثل تأخر الشركات والمقاولين في انجاز المشاريع في المواعيد المحددة .
إن هذه الأشكال المتعددة للفوضى هي ذات جذور ثقافية فالتربية البدوية التي ترفض الخضوع للقانون حيث تعده اهانة للكرامة بالإضافة إلى ان التفسيرالخاطئ لمفهوم القضاء والقدر قد دفع البعض إلى عدم الأخذ بالأسباب والتخطيط للمستقبل.
وهناك العديد من العوامل التاريخية التي دفعت بهذا الاتجاه فمنذ احتلال بغداد على أيدي المغول عام 1258 وحتى تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921ظل العراق في حال غياب شبه تام للدولة باستثناء مدة وجيزة في أواخر الحكم العثماني إما بعد عام 1921 فقد عانى المجتمع العراقي الكثير من التقلبات وعدم الاستقرار والحروب الأمر الذي كان له الأثر البالغ في شخصية الفرد العراقي وفي إضعاف قدرته على إدارة شؤونه بشكل منظم ومدروس ومن غير انفعال أو ارتجال.
إن القضاء على مظاهر الفوضى في شتى مناحي الحياة يتطلب توافر شروط عدة في طليعتها سيادة القانون واحترام الوقت واعتماد التخطيط القائم على أسس علمية متينة ولكي تتحقق تلك الشروط فأنها ينبغي إن تصبح جزءا من ثقافة المجتمع إيإن تتحول إلى قيم اجتماعية حيث يؤمن الأفراد بصحتها وتتوارثها الأجيال اللاحقة وعند ذلك فقط فان سائق السيارة لن يجد في احترام أنظمة المرور عبأ ثقيلا وسيؤدي الموظف عمله بإخلاص وكفاءة وسيصبح أكثر قدرة على مواجهة الإغراءات التي تدفعه باتجاه الانحراف كما إن احترام الوقت ووضع جداول زمنية واضحة لانجاز المهمات سيغدو امرأ بديهيا سواء كان ذلك على صعيد الأفراد أم المؤسسات .
صحيح إن إمامنا شوطا طويلا لنبلغ هذه النقطة لكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة.
ايمن المرزوك
























