قراءة هادئة في هدية سياسية

عماد علو

بغداد

يقال أن العمل الدبلوماسي حقل شاسع من ألغام الكلمات والابتسامات والمصافحات والهدايا لا يمكن لأحد أن يضمن بعض صدقها أو تمام زيفها ،والعمل الدبلوماسي كذلك مساحة مترامية الأطراف من الأفعال و ردود الأفعال التي قد تكون تارة متوافقة ومنسجمة فتحيل هذه المساحة جنة وذلك إلى حين ، أو قد تكون تارة أخرى متعارضة ومتنافرة فتجعل من هذه الساحة حلبة صراع لفظي جهنمي قد يحمل ما يحمله من عوامل التوتر الدولي و ذلك إلى حين أيضا ،وهو ما لمسناه طيلة اكثر من ثلاثة عقود من التوتر  والقطيعة بين طهران و واشنطن  لتنفرج الازمة ويتحول الحال بين ليلة وضحاها عقب اتصال تلفوني جرى بين الرئيس الامريكي باراك اوباما والرئيس الايراني حسن روحاني بتاريخ 27/9/2013 .

 ولعل من دواعي تلطيف أجواء اللقاءات الدبلوماسية ما يدعي بتبادل” الهدايا الدبلوماسية ” التي من شأنها تعميق مشاعر المحبة والتقدير،  فالتهادي سلوك إنساني راق،  ونوع من التعبير عن الشعور الايجابي تجاه الآخرين فيؤلف بين القلوب،  وللهدية أكثر من معنى،  وتعكس أكثر من مغزى وتحمل ما تحمل من رمز لذلك قامت الادارة الامريكية  بالتمهيد لذلك الاتصال التلفوني التاريخي بين اوباما وروحاني  بان اتصلت وزارة الخارجية الامريكية بالوفد الايراني المتواجد في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن عرضت  تقديم هدية الى الرئيس الايراني حسن روحاني  كمبادرة حسن نية .  والهدية هي عبارة عن كأس من الفضة تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد على شكل حيوان أسطوري له رأس نسر وجسد أسد وتبلغ قيمتها أكثر من مليون دولار.

 وعلق الرئيس الايراني روحاني على هذه المبادرة بقوله : …لقد أعادوها لنا كهدية خاصة إلى الأمة الإيرانية.  فيما اعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه القطعة الاثرية النادرة كانت قد حصلت عليها الجمارك الأمريكية،  أثناء محاولة تاجر تحف إدخالها إلى الولايات المتحدة بعد سرقتها من مغارة في إيران، (علما” ان مثل هذه الكؤوس توجد في القصور لا في المغارات) عام 2003،  وهو التاريخ الذي كانت القوات الامريكية التي احتلت العراق تقوم بنهب وسرقة الاثار العراقية وتهريبها الى الولايات المتحدة الامريكية حيث تمت سرقة اكثر من 15000 الف قطعة فقط من المتحف العراقي بإشراف وتحت انظار قوات الاحتلال الامريكي وهي حقيقة ينبغي عدم اغفالها في هذه اللحظة التاريخية .

ومما لاشك فيه انه يراعى أن يكون للهدايا الدبلوماسية مناسبات تسوغها حتى يكون لها الوقع المأمول منها،  كما أنه من المعلوم أن تحديد نوع الهدية والتوقيت المناسب لتقديمها فن له أصول،  بالإضافة الى أنه يراعى في  اختيار نوعها وشكلها له اكثر من مغزى ودلالة ؟ لذلك لابد لنا من التوقف عند شكل ودلالات الهدية الامريكية التي قدمت الى الرئيس روحاني وهي كما ذكرنا عبارة عن كأس من الفضة تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد على شكل حيوان أسطوري له رأس نسر وجسد أسد ويعرف هذا الحيوان الاسطوري على صعيد المراجع التاريخية العالمية بـ (الجريفن Gryphon ) وهنالك  اوصاف مختلفة عدة في شكلها متشابهة في مضمونها فجميعها ينصّ على انه نصف اسد ونصف نسر ضخم شرس إلى حد ما يوصف بانه يمتلك اذنين طويلتين ومخالب فولاذية وذيل طويل يعمل كموجه في الطيران الجزء السفلي جزء الاسد والعلوي جزء النسر اي انه ال Gryphon نسر بجزء خلفي لأسد . ويمتلك قوة النسر ودقه بصره ويمتلك اضافة لصفات النسر العادي من الشراسة والسرعة إلى الانقضاض يملتك ايضا اقدام الاسد القوية ولتساعده على الانقضاض على فريسته شجاعته وجبروته . اقدم ظهور لل Gryphon في التاريخ كان عام 3000 قبل الميلاد في الشرق الاوسط وذلك يستدل من النقوش الموجودة في التراث البابلي والفارسي والآشوري وحتى في التراث المصري .

أما في التراث العربي فقد أوردت معاجم اللغة ومصادر التراث الحضاري العربي تسمية الفَتْخَاء حيوان أسطوري له جسم أسد، ورأس وجناحي عقاب، فقد ورد في لسان العرب: الفَتْخَاء: العُقاب اللينة الجناح تقلبه كيف شاءت… وعُقاب فَتْـخاءُ: لـيِّنة الـجناح، لأَنها إِذا انـحطت كسرت جناحيها وغمزتهما، وهذا لا يكون إِلاَّ من اللين. والفَتَـخُ:عَرْض الكف والقدم وطولهما. وأَسَد أَفْتَـخُ: عَريض الكف. والفَتَـخ: عرض مخالب الأَسد ولـين مفاصلها. وفي القاموس المحيط: والفَتَخُ، محركةً: اسْتِرْخاءُ المفاصِلِ، ولِينُها، أو عَرْضُ الكَفِّ والقَدَمِ، وطُولُهما، ومنه: أسَدٌ أَفْتَخُ… والفَتْخَاء من العِقْبَانِ: اللَّيِّنَةُ الجَناحِ…

وفُتوخُ الأَسَدِ: مَفاصِلُ مَخالِبِه. وفي كتاب العين: فُتُوخ الأسَدِ: مَفاصلَ مَخالبهِ، وإذا كان عريضَ الكَفِّ قيل له: أَفْتَخُ. وسُمِّيَتِ العُقابُ فَتْخاء لِعَرضِ جَناحَيْها.

و في العصور القديمة كان الجريفن رمزاً للحراسة المخلصة، الحماية في سالف العصر و الأوان شاركت ثلاث مخلوقات أسطورية في حروب و صراعات البشر في السماء الا و هي، التنين،  ( الكايميرا ((الكايميرا لمن لا يعرف هو كائن خرافي له جسد أسد و رأسه و رأس ماعز و رأس تنين و أجنحته و ذيل ثعبان !!))، و الجريفن . استخدم التنين قوته الهائلة بالطيران و نفث النار لسحق أعدائه، أما الكايميرا كان ينظر في جميع الاتجاهات برؤوسه العديدة و كان يرى حتى أعدائه المختفين. راقب الجريفن غريميه لوقت طويل باحثاً عن نقاط قوتهما و ضعفهما، في النهاية تدخل في القتال. مستخدماً ذكائه استدرج التنين من مخبئه دافعاً به نحو أعماق المحيط حيث اطفأ نيرانه للأبد، و تحت الأرض حفر الجريفن نفقاً طويلاً حتى وصل الى الكايميرا مهاجماً اياه من المكان الوحيد الذي لم يتوقعه و لم يستوعب الكايميرا المفاجأة و بذلك فقد تم هزمه بسهولة .و هكذا بالذكاء و العلم هزم الجريفن عدوين اكثر منه قوة و بذلك حقق نصراً عظيما.

ويرمز الجريفن في الكنيسة للدلالة على المسيح وطبيعته البشرية المؤلهة  بآن واحد حيث ان الجسد ” الناسوت” هو الاسد اما الإله ” اللاهوت” هو النسر.

الا أن الملفت للنظر في الهدية الامريكية (الجريفين) أنه كأس بمشربين أي بمكانين للشرب كأنهما كاسين يشتركان بوعاء واحد هو جسد الجريفين الاسطوري ؟

وبالعودة الى بروتوكول الهدايا الدبلوماسية فان  مثل هذا النوع من الهدايا بالنظر إلى توقيتها هي هدايا استباقية لا يسع المرء إلا قبولها مرفقة بعبارات محبوكة صياغتها تربط بين المناسبة و نوع الهدية التي تليق بمقامها، وكما يبدو فالأمر هنا ليس شخصيا” وكثير ما فتح التهادي بين الاحبة مغاليق الأمور من مواقف حرجة تؤرق المضاجع ولا يخفف من حدة توترها سوى ما كان من خير سابق متبادل جرى تحت شعار ” تهادوا تحابوا.. “،  يتحقق  فيها مصلحة الطرف مقدم الهدية أو تم الاتفاق على ما يهم المصلحة المشتركة للطرفين،  وقد تقرأ حينها مثل هذه الهدايا كشكل من أشكال الدعم المباشر والعلني لنظام قائم،  أو تأكيد مساندة من قبيل الاعتراف بنظام جديد ناشئ يكون الجزء المعلن منها عادة أقل من المستتر وهي في الحالتين خير معبر عن نجاح المحادثات،  أي أن الطابع الرسمي هنا يطغى على الحدث ليمثل إرادة دولة بمعنى .. هدية بقرار سياسي .

 من هنا وبعد النبذة المختصرة عن الدلالات الرمزية للجريفين الاسطوري في آداب ومخيلة العديد من الشعوب ومنها شعوب الشرق، لابد أن نتساءل ترى ما هي الرسالة التي أرادت الادارة الامريكية ورئيسها باراك اوباما ايصالها الى الرئيس الايراني حسن روحاني والحكومة الايرانية  من وراء اختيار هذه الهدية ذات الدلالات الرمزية العديدة ؟ هل كانت اعترافا” بذكاء ودهاء الايرانيين من خلال رمزية اناء الجريفن الاسطوري ؟ أم هي دعوة لاحتساء انخاب نصر حققاه الاثنان معا” على عدو مشترك ؟ أم هي دعوة للتحالف ضد عدو مشترك؟