قصة قصيرة – عبد الحافظ

محفوظ داود سلمان

كان ملاَ داود في قريتنا فلاحاً له شغف بالنخيل وأنواعها وأسمائها الموروثة وقد استطاع بجهده الذاتي أن يتعلم قراءة القرآن ويفك حروفه كما يقال وما أروع الإنسان أن يفتح قلبه حرف الكتاب ولهذا استطاع الحصول على لقب الملاَ ثم أصبح إماماً في جامع القرية وكان الملاَ داود قد أنجب عدداً من الأطفال ذكوراً وإناثا سرعان ما فقدهم ويقول الناس أنه لا يعيش له أطفال، وكان البعض يلقي باللوم على زوجته البائسة قائلين لها لقد مللنا من الذهاب إلى المقبرة جزعتينا وهم يقصدون زيارة المقبرة النمطية المكررة في اعقاب كل ولادة جديدة تفقد فيها مولودها ، ولكن في الولادة الأخيرة قرر الملا داود أن يستعين بالسماء وأن يطلب إليها ان تحافظ على مولوده الذكر الأخير وأطلق عليه اسم عبد الحافظ علّه يعيش عمراً أكثر ثراء وأوسع فضاءاً ويحافظ على اسمه ولهذا قررت نساء القرية اخذ الطفل الى الحقل ووضعنه في منزح الساقية وهو المكان أو الحفرة التي تلقي فيه الدلاء حمولتها من ماء النهر عساه ينبت مثل النعناع أو الريحان وهي نبتات تعيش طويلا وتتجاوز موسمها . وقد نما عبد الحافظ وأصبح مقبلا على الدخول إلى المدرسة و لسبب مجهول كان ابوه الملا داود يريد التخلص منه بإرساله الى مصحة خاصة بالامراض التي لا يشفى منها اذ انه أصيب بطفح جلدي لاسباب مجهولة او بسبب عدوى من رفيق طفولته الذي عضه من ذراعه ذات مرة فابتلى بهذا الداء فكانت امه تقوم يوميا باغراقه بالماء الحار من اعلى جسمه ذهابا وايابا وهو يذرع حوش المنزل حتى تفصل ثوبه عن هذا الطفح الذي يشبه زهورا حمراء تطرز ثوبه كل يوم والتي كان يمكن ان تجعل مستقبله مجهولا وان يترك لقدره مثل اوليفر تويست ولكن عناية الله في لحظة معينة انقذت الطفل مما كان يخطط له والله خير حافظا كما كان ابوه دائما يردد وربما بسبب من مرضه هذا اصبح معتزلا اصحابه او معتكفا وهو يراقب اباه الملا داود وهو يجلس كل يوم في الجامع يحضّر خطابه الديني يوم الجمعة او يقرأ كتبا من الموروث الفكري القديم فكان عبد الحافظ وهو يسمع والده في صلاة الجمعة يشعر انه سيكون خطيبا، ذات يوم ولذلك كانت اهتماماته اكثر في قراءة النحو او ترتيل الشعر وعندما اجتاز دراسته الثانوية الى الجامعة وجد نفسه مصطفا مع خلايا سياسية تنادي باسقاط النظام ووجد في الخطاب السياسي والدعوة الى التغيير وتثوير الحشد مجالا لارضاء ميوله الاستعراضية ونزوعه الى القيادة ، وكاد ذلك ان يقوده الى السجن وتدمير طموحاته بعد ان اصدر الامن السياسي امرا بالقاء القبض عليه لكن عميد الجامعة كان اوسع افقا عندما استدعاه وقال له خذ اجازة ما دمت انت من محافظات الجنوب حتى تهدأ العاصفة ولا تترك مستقبلك يضيع في السجن او الفصل السياسي وهكذا اجتاز عبد الحافظ هذه الازمة وهو يردد ما كان يقوله له والده الله خير حافظا…

وكان يمكن ان يدخل السجن ذات يوم لانه ذهب يسأل عن رفيق له في مركز أمني من المدينة لكن واحداً من الحرس بدل ان يلقي القبض عليه ضربه بأخمص بندقيته في ظهره ودفعه بقوة جعلته يركض مسرعا دون ان يلتفت الى الوراء ابداً..

شعر عبد الحافظ بعد سنوات اربع من الدراسة في الجامعة انه سياسي فاشل، فهو فلاح لا يستطيع مقاومة النظام السياسي وانه عارٍ لا يوجد من يحافظ عليه او يحميه سوى كون اسمه عبد الحافظ وانه تعلم من قراءاته ان الايديولوجيات تعبر عن مصالح طبقية وتقف وراءها سلطة المال وانه من جيل الضياع والقلق وانه كاد مرات ان يموت من البرد خوفا من الامن السياسي لانه لا يجد مكانا يلوذ به بينما الاخرون ينامون في العسل وقرر ان يلوذ بنفسه ويهاجر الى ذاته فحصل على فرصته ان يعمل مراسلا اخباريا في محافظته وهو يعمل لاول مرة متنقلا بين مركز المدينة واطرافها ماراً على مسؤوليها، عابرا شوارعها وازقتها مثل ساعي البريد وفي منتصف النهار يقوم بصياغة الاخبار مستفيدا من لغته الشعرية وخطابه الادبي ولكن المحافظ لم تكن تعجبه هذه اللغة ولم يكن يثيره هذا الخطاب، ولا  الموضوعية في صياغة الخبر فهو المحافظ يريد ان يكون في مركز الضوء، وان يكون هو صانع الاخبار لكن وكالة الانباء المركزية كانت ترفض هذه الصياغات لان لها اهدافاً اخرى ابعد مما كان يتصور داخل صراع القوى السياسية وبين المركز والمحافظة ولذلك اسقط المحافظ غضبه كله على المراسل الاخباري عبد الحافظ الذي لا يحفظ شيئا من شروط المهنة، ومن أصول العلاقات الادارية ولا يحترم المحافظ فقرر المحافظ بالاتفاق مع المركز بفصله من عمله وانهاء خدماته والاستغناء عنها وكانت هذه اول ضربة تكسر عموده الفقري وتطيح بنزوعه الى المستقبل.

توكل عبد الحافظ على الله حاملا شهادة تخرجه وذهب الى وزارة المعارف واستطاع ان يعمل مدرسا للتاريخ جنوب العراق وهناك استطاع ان يعيد قراءته للتاريخ وينظم الاساطير والخرافات حسب مفهومه وينسق افكاره لاعداد جيل جديد يؤمن بالتاريخ بطريقة مغايرة فالصراع الطبقي هو الحقيقة الوحيدة الباقية من هذا التاريخ وكان الطلاب ينظرون بدهشة الى هذا المدرس الجديد وقدراته الخطابية على سرد وقائع من التاريخ لم يكن يعرفونها مثل تاريخ الثورة الفرنسية وخطاب مارا وروبسبير، ومفهوم الثورة تأكل رجالها وكيف كان الجمهور الثاثر يهتف في وجه لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت هو ذا الخباز وامرأته الخبازة ونحن نريد الخبز، ولما كان المدرسون سنويا ينتظرون عطلة الصيف لاجل السفر خارج العراق وتحديدا الى القاهرة او فارنا في بلغاريا، وكان هو واحدا من الحالمين الذي يغريهم السفر الى مدن وراء البحار مجهولة وخلف صحارى بلا ابعاد وجزر غارقة في الماء وحوريات يولدن من اصداف البحار وغابات تثمر أغصانها ثلجاً ابيض، وساحات يغطيها الزنبق الاحمر ، وفنارات على سواحل بحار تنتظر السفائن مثلما تنتظر بنلوب حبيبها يوليسيس كان هو الاخر في انتظار الرحيل والدخول الى مطار بغداد بعد معاناة انجاز جواز السفر والتدافع في صيف العراق القائظ والانتظار الطويل الممل والدبق الصيفي وهكذا وجد نفسه بعد اجتياز طريق المطار الطويل، ومرارة التفتيش الامني عن ممنوعات في حقائب فارغة يصل متاخرا وليس على الطائرة سوى مقعد فارغ واحد ينافسه على الصعود مسافر اخر في عجلة من أمره وفي ظرف شخصي طارئ يصعد قبله الطائرة ويقفل الباب في وجهه وعبثا يسمح لتوسلاته او ادعاءاته بالحجز المسبق او ظروف تأخره، وكانت الطائرة بعد دقائق في الجو وهو يراها تحلق بعيدا الى المدينة المخملية التي يحلم فيها واذا بالطائرة لاسباب مجهولة تحترق وتسقط في الجو  وهو يراها كتلة من اللهب المشتعل كانت امه تودعه بقولها في امان الله وحفظه وها هو يعود خائبا وتستقبله امه ثانية: عبد الحافظ رجعت في امان الله وحفظه.