مهدي شاكر العبيدي
بغداد
في لقاء تلفزيوني استمعنا مرة مع الدكتور علي جواد الطاهر إلى حوار جاد بصدد فن المقالة وهدف الكاتب منها، وتوخيه أحياناً تذكير الناس بالمنسيين من أعلام الفكر والأدب، ورواد الوعي والاستنارة، كما نوه بدراسته لشعر فؤاد الخطيب أيام عاش في كنف الجزيرة العربية زمناً وامتزج بأدبائها وألفاهم يعتزون به ويحفظون ذكراه، هو اللبناني الذي شارك في وقائع الثورة العربية في الحجاز وأذكى ضرامها بشعره القوي المتين، وزار بغداد عام 1937م مشاركاً في تأبين الزهاوي، وانتهت به الحياة إلى مفارقة ندع القارئ المطلع على مسار الحوادث المتعاقبة على أديم الوطن العربي الكبير، ومعه القارئ المولود بعده بجيل أو اثنين، والذي لابد له من أن طبع على مقدرة ودراية باكتناه ما خلف التلميح والإيماء من قول صريح وحقيقة جلية، حتى يستدل على تلك المفارقة ، فقد أمضى هذا الشاعر المجاهد العقود الأخيرة من حياته في المملكة العربية السعودية، ناظراً للديارات العربية بأجمعها على أنها وطنه غير محتسب للتقسيمات الجغرافية والحدود الوهمية شأناً، وشغل وظائف مهمة في تلك الربوع، آخرها منصب سفير عنها في بلاد الأفغان حتى وفاته عام 1957م ونقل جثمانه إلى لبنان حيث دفن في فسحة منه. ولم يكن المجال في البرنامج منفسحاً حتى يفيض الطاهر في هذه الحقائق منوراً بها أفهام مشاهديه والمشدودين بأسماعهم وجوارحهم إلى حديثه الشائق الذي تزيد من حلاوته وطراوته، وتنبي عما يملؤه من ثقة ويقين وصدق، تلكم السحنة المعبرة أو الهيئة الحاملة على الإعجاب والثناء، على سبيل إرساء جملة من القيم الخلقية الناصعة، حتى يعي الجيل منها أن الجحود معيب والتنكر معرة، وأنه مدين للسلف الطيب بأسنى عارفة وفضل، فما فتح عينه عليه وشهده بنفسه في مجتمعه من رقي عقلي ونضج فكري واستواء ملكة التعبير لدى المشتغلين بالصحافة والعاملين في الجامعات وسواهم على الطواعية والسلاسة والترسل، خلافاً لما كان غالباً على السلائق في عهود سبقت النهضة الحديثة من عنت واستكراه للألفاظ وجهل بمدلولها، يجسد في حقيقته جهودهم المضنية في مغالبة تلكم الآثار وتجاوزها وتخطيها.
أما ما تميز به أفراد ذلك الجيل الأسبق، أعني جيل مابين الحربين، ونعني بالجيل هنا في استعمالنا الصنف من الناس، من مواهب وقابليات ممتازة، وما أخذوا أنفسهم به من جد ومشقة في التحصيل والإطلاع على نفائس الكتب والمصنفات، ومثلوا في الساحة الأدبية وملؤهم دراية وعرفان بقيمة الأدب ودوره في التغيير المنشود لمتنوع العادات والمراسم والأساليب التي تحتذيها الجماعة في العيش والتعامل والتفكير وصوغ الكلام وسائر ضروب النشاط الإنساني الأخرى، فعدموا في صفهم المتفطن مؤخراً لما يكفل الأدب للبالغ منه شأواً من شهرة ودوي، وكذا خالط الأدباء في منتدياتهم وصار أديباً.
تنبيه العرب
نقول انتفت في ذلك الطور الذي تنبه العرب إبانه إلى واقعهم وتحسسوا بما يلزم لتجديده والإجهاز على المساوئ والشرور التي يقاسون منها جميع ما نتلمس مثله احياناً في الحياة الأدبية من تهافت وتهاتر وتفريط بما يحسن من إرساء العلاقات الحسنة في الوسط الأدبي، إذ إن ما يضعونه نصب أعينهم وينتوون إنجازه في دنيا البحث والتأليف ، يغنيهم عن الاشتغال بما يأخذ به نظراؤهم وينصرفون له من مشروعات وأعمال، فإذا ما اختلفوا رأياً بصدد مسألة لغوية أو حادثة تاريخية، أو حالة ذات مساس بحياة المجتمع أو وثيقة الصلة بأي من جوانبها المتعددة ، فما يطالعك في محاوراتهم ومداخلاتهم في الغالب إلا حرص الواحد على إشعار مناظره انه طالب حقيقة متعفف عن البذاءة والقدح، وأن ما يدل به ويجسده في تعبيره من آراء وانطباعات خلص له بمحض اجتهاده وتدبره وتمحيصه في القضية موضع الخلاف. دون أن ينساق فيها بوحي نافس أو متغرض. صنع الله لأيام كان صاحب المجلة الراقية فيها يثيب كاتبها بذلك الضرب المعنوي من ضروب الإثابة، ولاسيما إذا جاء النص الأدبي المنشور سليماً من الركاكة والتبذل، ومغتنياً بالرصانة والوضوح في لغته وفحواه، وإذا كان منشئه أو معده في طور اليفاعة فيستبعد منه أن يبلغ هذا القدر من الدقة والإحاطة بأطراف موضوعه والامتلاء بأسبابه، لكن الاستبعاد ذلك ولواحقه من البهر والاستغراب يزايل النفس حين النظر إلى طبيعة المكان الذي درج فيه ذلك الأديب الفتي، وليس سيان أن يفتح الوليد باصرته على الكتب يتصفحها القريبون منه ويرهف سمعه إلى مناظراتهم بشأنها، وأن يعدم قرينه مثل هذه السابقة، فلا قدوة يأتم بها ومثل صالح يجري على منواله.
وكذا لم يكن الأب انستانس الكرملي غالياً في الإعراب عن إعجابه بالمقال الموسوعي المعد من لدن الشيخ محمد رضا الشبيبي عن (المتفق) إذ تمتزج المعلومات والمعارف الجغرافية والتاريخية والأدبية، في اثر فكري هو الغاية في الشمول والتثبت والتوفر على تصحيح الأوهام والأغلاط الشائعة في الأقوال والآراء التي يتداولها الناس بشأن تلك الجهة من جهات الوطن، وحين ينشره في عدد كانون الأول لعام 1911م من مجلته لغة العرب، وعمر الشبيبي يومها دون الثالثة والعشرين ، يشفعه بتقريظه بعد آخر سطر منه، يقول : ” نشكر حضرة الكاتب الشهير على مقالته هذه اليتيمة، ونؤمل أنها تكون رأس عدة نبذ تكون حلقاً متتابعاً، إن في المعنى الذي نعرض له هنا وإن في سواه، إن نثراً وإن شعراً، وهو الشاعر الناظم والناثر الناغم”. وبعد خمسة شهور من ذلك التاريخ ينشر للشبيبي مقال افتتاحي في المجلة المذكورة العدد الصادر في أيار عام 1912م، وقد بلغ من عمره الرابعة والعشرين بالتمام، فهو من المتولدين في هذا الشهر على ما سجل ذلك وتحراه في مظانه قصي سالم علوان الجلبي وضمنه رسالته الأكاديمية عنه التي طبعتها وزارة الثقافة قبل سنوات، ولعلها وجدت من دواعي انصاف الرجل أكثر، والإتيان بحقائق أدل واجتهادات أدق وأوعى عنه، ولاسيما إذا وجد الكاتب نفسه غير مشدود بسبب إلى منهج أو خطة في البحث على غرار ما تلزم الجامعات طلبتها، فيتناول أكثر من جانب، ويمعن في اجتلاء العناصر الفنية في شعره ونثره، ويمزج في تحليله لعينات وشواهد منها تأملاته وخطراته عما تجيء به الأيام من حوادث ودروس، فيجيء، صنيعه هذه المرة أقرب إلى العمل الأدبي الموضوع والأثر المبتدع منه إلى الدراسة المرتكزة إلى الأسانيد والمصادر. وعنوان المقال الافتتاحي ذاك (وضع اللغات وخضوعها للطبيعة ) مجمله أن اللغة أشبه بالكائن الحي، تخضع مثله للتحولات المستجدة في الطبيعة، لابد لها من مجاراتها والتكيف معها بهذه التعلة أو تلك، وهي لم تظهر بجميع مفرداتها دفعة واحدة، إنما تكونت قهراً بعد إرادة التعبير عن المرئيات أو غيرها، ويظهر الجديد من مكنوناتها “كلما تجددت المعاني، وعلا إدراك الإنسان، وتصور الأمور الدقيقة متبعاً في ذلك التدريج لأن الطفرة محال”. ويتبدى الشبيبي عبر هذا المقال محيطاً بخصائص الأدوار التاريخية التي حييها العرب وما غلب عليهم من أنماط في التفكير والمعيشة وطبيعة الحكم والمستوى الثقافي والفكري الذي صاروا إليه، مع التسلح في مراجعاته وتمحيصاته بالنظر الموضوعي الواقف بصف الجديد بقدر نفوره ورفضه للتزمت والجمود، أما تعبيره عن مضامين بحثه ومقاصده فيه ومنه ففي منتهى الصحة والتدفق وحسن وفاء اللفظ بالمعنى، وكأنه يعده للمجمع اللغوي في أخريات حياته، وللقارئ أن يستقري فيه نواة نظرته الواقعية الحكيمة في شؤون السياسة وملابساتها، وانه إذ يخال الطفرة محال في جميع الميادين، ومنها ميدان اللغة ” يوجه أنظار علماء العربية وذلك لينشئوا في أبحاثهم لغة تناسب هذا العصر الذي اتضحت فيه أعمال القوى الاجتماعية والطبيعية ليسيروا معها لا ليقضوا في سبيلها جامدين، فتقضي الطبيعة على هذا اللسان العربي المبين بمقتضى أصولها المقررة الثبوت”.
ولنا أن نتطلب القارئ بتدبر هذا التركيب اللغوي البدع : القوى الاجتماعية ووروده في سياق مقالة تكتب في العراق عام 1912م، يوم لم تكن فيه صناعة مزدهرة وتطور ملحوظ في المجالات الاقتصادية الأخرى، ولعلنا نستبين منها ونجتلي بعض عوائد تداول الجمهور في النجف وغيره لمجلات تمده بها القاهرة وأبرزها مجلة المقتطف التي تبنت الدعوة لبقاء الأصلح وأسهبت في تبسيط الآراء العلمية عن النشوء والارتقاء، واستدل بها الشبيبي في معرض تفسير اندراس كثير من المفردات اللغوية العسيرة الجافية بمجرد أن يستجد تحول في أحوال الناس المعيشية وملابسات حياتهم في انحائها الاقتصادية والثقافية.
الالفاظ القديمة
وما يتبقى منها جارياً على الألسنة إلا ما رَقّ ولطف من الألفاظ القديمة بجانب الجديد المستحدث الذي اقتضته الحاجة.وللشبيبي يومها ثمة أقران في مصر، ولدوا معه في السنة نفسها التي اطل فيها على الدنيا، أو قبلها بوقت وجيز، العقاد والمازني وطه حسين وهيكل، وجميعهم امتلكوا ناصية الكتابة وبلغوا الغاية في استيفاء عناصر المقالة الأدبية الممتعة ذات الأسلوب الهادئ المتئد، أو الساخط جراء شيوع المفارقات في بيئة الكاتب، فيتوافر على نقدها ويدعو لاجتثاثها من حياة الناس، وذلك طور جازته الثقافة العربية قد لا يتكرر البتة بميزاته وسماته، وأبينها مداومة الأديب الناشئ على بلوغ المستوى الثقافي الجيد، وما يقدم على الكتابة والنشر في سن مبكرة أو بعدها، إلا بعد امتلاكه لمادته اللغوية وحسن تصرفه فيها. ويوم نعي الشبيبي إلى الملأ ندبوا فيه الشاعر، وقد طلق الشعر وعزف عنه بعد منتصف ثلاثينيات (القرن الماضي)، وحين عاوده في بعض المناسبات من سنيه الأخيرة فما خلص منه أو به لشيء ونموذج يعتد به، ويسجل إضافة إلى لقياته المأثورة منه في الزمن الماضي من ناحية الديباجة الرصينة والصحة والمتانة والدلالة على اعتداد وأنفة وقوة شخصية وتمسك بمبدأ قويم. وندبوا فيه السياسي العف ايضاً، والوزير المصلح في الأحايين القصيرة. فقد تبوأ منصب وزير المعارف غير مرة، حتى إذا خال الأمور ذات المساس بالداخل والخارج تدار على شاكلة تنافي مصلحة الوطن والأمة، أحل ذاته – منسحباً – من واجباتها وتبعاتها. ولم يندب فيه الجمهور العام الكاتب المتمكن من أدواته في عالم البحث والتأليف حول مختلف جوانب المعرفة الفلسفة التاريخ ، العلوم اللغوية، الرحلات، وكانت الإحاطة بهذه الناحية من شأن الخاصة، ممن يمتهنون الكتابة ومن حظهم من اقتناء الكتب التزود بذخيرة منها للتميز عن السوقة والآغمار، وفي ذلك مصداق للرأي القائل ” إن الشعر أطول حياة من النثر وأشد قهراً للدهر من حيث البقاء والخلود “. وحسبه أن له اشباهاً ونظائر في تاريخ الثقافة العربية، ماضيها وحاضرها، فقد غلبت شهرة ابن المعتز بالشعر على كونه رائداً بلاغياً ومؤلفاً في طبقات الشعراء، وكذا الشبيبي ملك اللسانين الذربين وتمرس بكيفية الملاءمة بين المفردات اللغوية وتطويعها لصياغة معانيه وأفكاره في أسر وبداعة ومتانة وإحكام، متناولاً شتى الموضوعات عبر مشاركاته في المجامع اللغوية والمهرجانات الألفية التي تقام من آن لآن للاحتفاء بالمفكرين والفلاسفة والأدباء العرب والمسلمين القدامى، وكانت الحصيلة جملة من الكتب عن (تراثنا الفلسفي) و(رحلة إلى المغرب الأقصى) و (أدب المغاربة والأندلسيين) وغيرها من المخطوط الذي لم ير النور بعد عن (المسألة العراقية) و (تاريخ النجف) و(تاريخ الفلسفة من أقدم عصورها إلى اليوم ولا سيما الفلسفة العربية). ولنا أن نحتسب لهذا الشيخ غير دالة على اللغة العربية، فقد زاول الكتابة وراض نفسه فيها على مجانبة التكلف والسجع في وقت كان يصر عليهما أنصار القديم، ممن لم يستجيبوا لنداء النهضة، ويعوا ضرورة التوجه لعموم الناس ومخاطبة أفهامهم من لدن الكتّاب والمنشئين، لكنه لم يمل بقوالبه إلى التبسيط التماساً لرضى العامة، بل احتفظ لصياغته بلون من الأصالة التي تسلك كتاباته في عداد الأعمال الفنية.























