فراسة حميد المطبعي – زيد الحلي

فم مفتوح .. فم مغلق

فراسة حميد المطبعي – زيد الحلي

امس ، وفي جو شديد الحرارة خارج مكتبتي المتواضعة في البيت ، وبارد منعش داخلها ، تجولت اصابعي بين رفوف الكتب ، فوقع نظري على بضعة كتب مهداة لي ،  من الصديق الكاتب الموسوعي حميد المطبعي الذي غادرنا الى الدنيا الآخرة في نيسان من العام 2018، فتصفحت  بعضها ، ووقفت عند اهداء بخطه الجميل  لأحد كتبه قال فيه ” اخي زيد .. الدنيا أحلام نوم ، أو كظل زائل وإنّ اللبيب بمثلها لا يُخدع” هذا الاهداء لم اتوقف عنده في حينها ، لكني   ” تسمرت ” امام عمق معاني هذا الاهداء عند قراءته من جديد ، متذكرا نظرة المطبعي الى الحياة ، والى مدى فراسته للأشخاص ، وهي فراسة شاسعة المدى ، و كانت مصيبة على الدوام ، واظن ان زملاء واصدقاء المطبعي ، كانوا مثلي يدركون عمق تلك الفراسة بحق من يلتقيهم ، او يتعرف عليهم في العمل او مناسبة ما.

وشخصيا ، كنتُ انبهر بفراسته ، فمعظمها تثبت الايام او السنين صحتها ، رغم ان محيط العمل والاصدقاء تتنوع أشكاله وتتغير ظواهره، ومحيرُ بألغازه، وفي سري كان السؤال يتوسع ، كيف للمرء ان يمتلك مثل هذه الرؤيا والفراسة ؟ وهل هي ايقاظ للعقل الباطن ، ومران للفكر ام ماذا ؟

ربما يقول البعض ، ان هناك عدة امور قد يمتلكها الانسان ليكون على قدر من الفراسة مثل الفطنة والذكاء والدهاء والكياسة، وحسن تقدير الأمور، والحكمة ، وهنا اقول : نعم كان المطبعي يمتلك تلك الصفات ، لكني غير مقتنع انها الاساس لتلك الفراسة ، بل اجد ان تجربته وعصاميته وتحديه للحياة وتعامله مع محيط صعب المراس ، وجو اجتماعي متشابك الرؤى ، هي التي نمت عنده صفة الفراسة  وازدادت بالدربة  والمهارة والخبرة في الحياة.

وفي مرات عديدة ، كانت فراسته تذهب بعيدا ، فيعرف طبائع الانسان الذي يتعرف عليه توا ، ويقرأ طريقة تفكيره ، وربما مهنته .. وقد رأيت ذلك اكثر من مرة ، وفي سنوات عدة .

كم اتمنى ، ايها الغائب الحاضر ، ابا الخنساء ، المطبعي الكبير”أن يكون مَن نتعامل معه مثل كتاب مفتوح، حتى نعرف ما يدور في رأسه، وما يُفكِّر فيه، ولاسيما في بعض المواقف، التي تَنطوي على منافسة أو طلب، أو تعبير عن المشاعر الإنسانية المتبادَلة، أو غير ذلك من المواقف الحياتيَّة المختلفة.. لكن المفاجأة أن هناك من يستطيع قراءة ما بداخلنا”!!

رحم الله حميد المطبعي .. انسانا ومبدعا كبيرا