
اهات السفر – عبد المحسن عباس الوائلي
حان موعد الرحيل، يا أيها القلب الحيران، وبدأت الاحزان تستقر على الاشجار كالعصافير، وأخذت القافلة تستعد للرحيل بكل ما لديها من خبز الاغتراب واغاني الوحدة والأسى والهموم..لم يعد امامك ايها القلب الحيران ان تنعم بموسيقى الاستقرار والهدوء والتأمل، تحت شجرة التوت او على شاطئ النهر، او امام الترعة العكرة الطيبة التي كانت توحي اليك على الدوام بالرضا والسلام..ما حدث تستطيع ايها القلب الحيران ان تجلس جلسات الوجد مع الشعراء والشحاذين الروحيين وأهل الطريق المسدود والغناء اليائس الطروب. حان وقت الرحيل أيها القلب الحيران ولا بديل، هل تكون رحلتك الى الشمال طلبا لكلمة في كتاب، او نغمة موسيقية شاردة، او بيت من الشعر، او خطوط والوان على لوحات تحكى قصص الآلام والأفراح.. أم تكون الرحلة الى الجنوب، يا أيها القلب، وفي الجنوب ذهب وفضة وظمأ دائم لا يرتوي الى الحياة.. هل تريد الانطلاق والتحرر او تريد المال او تريد الواجب والالتزام واحتمال المسؤولية.. هل تريد الضرب في الاعماق لتصل الى الابعاد الكامنة في باطن الارض، او تريد ان تسافر في المحيطات المجهولة بحثا عن المغامرات والمفاجأت والكنوز والأساطير..يا أيها القلب الحيران.. لذا دعني أقول لحبيبتي.. أنا معك -لا اتخلى عنك- في القلق والضياع والبحث عن شاطئ للأمان..وانك معي.. لأن الحيرة التي أنت فيها نبيلة وطيبة، ولأنني اعرف أن سبب حيرتك هو أن الاسئلة الكبرى ليس عليها من جواب..ليس هناك من جواب على سر الوجود وهدفه..ليس هناك من جوانب على معنى الشقاء الانساني ليس هناك جواب على سر رحيل الأحباب فجأة، ليس هناك من جواب على غياب الأقمار في الظلام الحالك، وليس هناك جواب على ذبول الزهرة، وشيخوخة الوجه الجميل.. انني ايها القلب الحيران أقول لك، أن العظمة في هذه الدنيا خير من السلامة، وسيف الحسين (عليه السلام) خير من جيوش عمر بن سعد الذي قتله في كربلاء، اتذكر ماذا قالوا للحسين وهو في طريقه الى الاستشهاد؟.قالوا له: عد الى المدينة او مكة ففيها السلام لك ولأهلك، وليس في كربلاء غير الموت، قالوا له لقد تخلى عنك الاحباب وكثر الاعداء، والموت حولك وتردد الحسين (عليه السلام) لحظة، وكان اشبه بمن ينتظر من السماء جوابا يهديه، لعله كان ينتظر صوت جده او صوت ابيه، او صوت فاطمة الزهراء امه وام سائر الشهداء (عليهم السلام)..رفعوا في وجه الحسين حرابا كثيرة فلم يجزع جزع الجبناء وانما ارتعش رعشة الأصفياء.. منعوا عنه الماء، ولم يجزنهم عطش الصغار، واخيرا هذا عطش الصغار عندما انهمرت الدماء من صدر الحسين (ع)، والرماح تغرس اسنانها في الصدر الحنون.. مات الحسين (عليه السلام) شهيدا وظمآنا على بعد خطى قليلة من ماء كربلاء.. والدنيا كلها الآن ترى هذا الماء جميلا ونبيلا لأنه الماء الذي شرب من عطش الحسين (عليه السلام)..كان العطش هو الخلود أما الماء فهو عالة على العطش العظيم..يا أيها القلب الحيران.. هل تذكر قرية أبي العلاء، لقد هجر الشاعر العظيم كل المدن، واقام في القرية البسيطة في أرض الشام، ومع ذلك أصبحت معرة النعمان مكانا تحج اليه المدن الكبرى كل يوم، وستظل تحج اليه حتى اخر الزمان..القرية الصغيرة هزمت المدن المتألقة وانتصرت عليها وسرقت منها كل الاضواء، ذلك كله لأن فوق ثراها عاش قلب نقى وعقل طاهر شريف، وضمير عفيف مترفع، هو ابو العلاء..
فلا تخش ايها القلب الحيران من شيء ولا تخف، فالحقيقة كلها هي، الانسان، شرفه وعفافه، يستطيع الانسان ان يقيم مملكته في أي مكان، في الصحراء في القرية، في خيمة صغيرة، في دار بسيطة مثل دار ابي العلاء في معرة النعمان، في لحظة من لحظات الظمأ، مثل ظمأ الحسين (ع) واطفاله امام مياه كربلاء.
فاحمل مصباحك الصغير ايها القلب الحيران ولا تتردد كثيرا.. تقدم في شجاعة واتخذ القرار وتخفف من هم الاختيار، اه ثم اه عما مضى وعما هو قادم.. واننا في حيرة من امرنا ربنا عليك توكلنا فأرشدنا الطريق السليم ولا أسلم من طريقك شيء..























