عن الصحافة .. واجراءات السوداني بشأنها – رياض عبد الكريم

عن الصحافة .. واجراءات السوداني بشأنها – رياض عبد الكريم

في الدول اليدمقراطية ، بل وحتى من تدعي الديمقراطية ، يبدأ مسؤولي حكومات هذه الدول ابتداءا من رئيس الدولة ورئيس الحكومة نزولا في المستويات يوم عملهم بقراءة الصحف اليومية التي تصدر صباح كل يوم ، ومايرد فيها من اخبار او تقارير او مقالات تؤشر محتوياتها وتتخذ الاجراءات والتوجيهات التي تعالج ماتنقله تلك الصحف ، اما عن طريق الرد او اصدار البيانات او عقد المؤتمرات الصحفية، وقد تصل الاجراءات الى اتخاذ الحيطة والحذر على اعلى المستويات من مجرد نشر خبر ينبه الى احتمال حصول خطر ما ، وهذا السياق وان كانت له دلالات سياسية بمعنى التسقيط او النيل من الحكومات او تبني المعارضة من قبل اطراف صحفية ، الا انه يشير الى اهمية ودور الصحافة وتأثيرها الكبيرفي صنع القراراو اسقاطه ، ومايعزز هذا الدور وتلك الاهمية للصحافة لجوء المواطنين لقراءة الصحف بأنتظام للتعرف على مجريات امور الدولة قبل ان يعرفوها من مصادرها الرسمية في تلك الدول .

جهد غير متحقق

مايحصل عندنا وللاسف عكس ما ينبغي ان يحصل ، فنحن كباقي الدول لدينا صحافة، واصبحت والحمد لله صحافة حرة بعد سقوط النظام ، ولدينا ايضا صحفيين وكتاب ومحللين سياسيين يتمتعون بالمهارة والكفاءة والمهنية والنزاهة وينتمون الى نقابة عريقة هي نقابة الصحفيين ، اضافة وهذا هو الاهم وجود كم هائل من الصحف اليومية التي تصدر صباح كل يوم عدا الصحافة الاسبوعية والمجلات المتخصصة  وعشرات القنوات الفضائية ، لكن اكرر اسفي ان كل هذا الجهد المتحقق من السلطة الرابعة غير منظور او متابع او مقروء من قبل مسؤولي الدولة والحكومة ، وحتى اكون دقيقا ربما هناك من يتصفح العناوين فقط دون قراءة المضمون ، والذي بذل كاتبه جهدا كبيرا في الاستقصاء والتحري والبحث عن حقيقة ومصدر الموضوع ، كي يقدم او ينبه من خلاله عن خطأ ما او ظاهرة خطيرة او مظلومية انسانية تمنح المسؤول فرصة لمعالجتها قبل ان تستفحل وتلحق ضررا اكبر، ذلك ان الصحافة تلعب أيضاً دوراً ثنائيّاً بين الجمهور وواضعي السياسات. فمن جهة، تنقل الصحافة إلى المواطنين معلومات حول ما يحدث في المجتمع، ومن الجهة الأخرى، تتيح لواضعي السياسات معرفة الآثار التي نتجت عن القرارات التي اتخذوها سابقاً، وعن أنواع القرارات التي تم اتخاذها في مواقع أخرى، كما تمكن الصحافة واضعي السياسات من معرفة ما يتوقعه الجمهور منهم ، وبسبب عدم حصول ذلك تفقد المعلومة قيمتها الموضوعية ويضيع جهد الصحفي ويضعف دور واهمية الصحافة وتكاد تفقد سلطتها الرابعة .

توجيهات حكومية … ولكن

في عيد الصحافة المركزي الذي صادف بمناسبة الذكرى 154 لصدور جريدة الزوراء ، والذي رعاه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ، اشار في خطابه بهذه المناسبة الى ” ان الصحافة فاعل وشريك في الملفات التي تحتاج الى رقابة ” واضاف ” نعول على الصحافة في كشف الفساد ومكافحته ومواجهة الارهاب والتطرف ” منوها ” الى ان الحكومة وجهت هيئة النزاهة بدراسة مشروع قانون حق الحصول على المعلومة ” مؤكدا دعم العمل الصحفي وتوفير خدمات لوجستية وتسهيلات اخرى .

الى هنا وكلام السوداني منطقي وصحيح وهذا مانطمح اليه ، لكن الامر ليس هكذا ، فما يفكر به السوداني مختلف تماما عن تفكير الاجهزة والمؤسسات الوظيفية ، ونحن نعرف ان مئات المكاتب الاعلامية منتشرة في كل موسسات الدولة ، وبحسب الاجراءات الوظيفية ان تلك المكاتب هي حلقة الوصل بين الصحافة والمسؤول ، وليس ذلك فحسب ، انما دورها الحقيقي اكبر من ذلك ، لان الصحفي عندما يكتب منتقدا او مقترحا او كاشفا لخلل ما ، واذا المسؤول لايقرأ وملاكات المكاتب لاتقرأ ايضا فكيف تصل المعلومة الى مركز القرار ، بالاضافة الى ذلك ، ففي معظم الاحيان يواجه الصحفي مشكلة عظمى في عدم الرد على اتصاله الهاتفي  الذي يريد من خلاله الاستفسار او الحصول على معلومة ما وغالبا مايكون مغلقا او يغلق مباشرة بعد الاتصال ، بل ولم تنفع ايضا الرسائل التي يبعث بها عبر هاتفه للتعريف بنفسه وطرح سؤاله ، لان هناك من لم يكترث او يعير الاهتمام لا بالاتصالات الهاتفية ولا بالرسائل الالكترونية ، وهذا مايعرض الصحفي للمسائلة من قبل صحيفته حول عدم انجاز المهمة الصحفية التي ارسل من اجلها ، وفي احيان اخرى يمنع الصحفي من مراجعة المكتب الاعلامي الا بعد سلسلة اجراءات قد تستنفذ الوقت المتاح وينتهي الدوام الرسمي وتنهي معه مهمة الصحفي ، بالمقابل كنا نتمنى ان تبادر عناصر تلك المكاتب للاتصال بهيئات التحرير في الصحف لتزويدهم بأهم الاخبار والانجازات التي تتحقق في مؤسساتهم دون تمييز تلك الصحيفة عن الاخرى ، لأن الملاحظ وكما يبدو ان الصحافة التي تتبع للحكومة او الدولة تكون الاوفر حظا بالحصول على المعلومات في حين تحجب عن باقي الصحف لاسباب لا معنى لها ، ذلك ان الهدف من نشر المعلومة هو ايصاله الى اكبر قدر من الناس للاطلاع عليه ومعرفة مايجري في اروقة الدولة والحكومة ، والحق يقال ان اتصال المكاتب الاعلامية بالمؤسسات الصحفية يجري للتبليغ عن عقد المؤتمرات الصحفية فقط ، والاسباب معروفة في هذا الشأن .

دور المكاتب الاعلامية

واود الاشارة ، من انني لا اريد ان اقلل او انتقص من جهود العاملين في تلك المكاتب ، والحق يقال توجد بعض المكاتب على علاقات ممتازة مع الصحافة وتقوم بواجباتها على خير مايرام ، ولكني وددت ان تعاد صياغة عمل المكاتب وفق اسس مهنية يتداخل فيها الحرص الكبير على اداء الواجب تجاه الصحافة بما يخدم مؤسساتهم من خلال نشر وتوثيق كل الانجازات والمبادرات ، وأن يجري الالتزام بكامل التوجيهات التي تصدرها الحكومة ، وان ننشيء علاقات صداقية متينة بين الصحفيين والعاملين في تلك المكاتب مبنية على مهنية تخلو من المحاباة والمحسوبيات وترتقي فيها صفات شرف المسؤولية الوطنية واداء الواجب بكل امانة الضمير والانتماء ، والحرص الشديد على التأكد من صحة ومصدر المعلومة قبل بثها ونشرها ، لان الهدف من وراء ذلك هو كسب مصداقية الناس ودحض الاشاعات وافتعال الازمات .

ماتقدم وددت ان يطلع عليه رئيس الوزراء ، مضيفا ومؤكدا بوجود حقيقة مرة استشرت في معظم مؤسسات الدولة والحكومة مفادها عدم تنفيذ توجيهات الحكومة وبالاخص توجيهات رئيس الوزراء ، لاننا غالبا مانصطدم بممارسات عديدة مخالفة تماما لما جاء في العديد من التوجيهات والاجراءات برغم اهميتها بحجج واهية لعل اهمها الادعاء بعدم علمنا بالتوجهيات او لم ترد الينا تلك التوجيهات، واذا صح ذلك فهذا يعني ضرورة الوقوف على حقيقة الامر وعلاقة امانة مجلس الوزراء بذلك ، لأن المفترض ان اي توجيه يأتي من رئاسة الحكومة سواء كان من خلال خطاب او تصريح او بيان لابد ان يعمم فورا وبكتاب رسمي لكل الدوائر والمؤسسات المعنية بالامر ، والا ماجدوى هذه التوجيهات دون ان تسلك طريق التنفيذ المباشر ، وحبذا لو تعد صيغة توجيه للوزارات تحدد فيه ماجاء من توصيات رئيس الوزراء في خطابه الاخير ، مضافا اليها التطرق لتنظيم علاقة مهنية مثلى بين الصحافة والمكاتب الاعلامية

كلمة اخيرة اود ذكرها

 ان المكاتب الاعلامية الحكومية هي المرأة العاكسة لكل نشاطات ومنجزات مؤسساتهم، وليس بالضرورة ان تبالغ في تلميع وتضخيم تلك المنجزات ، لانها معروفة وغير خافية على الناس ، وليكن الحديث بمنطق الحقيقة والواقعية بدون المبالغة والتزويق ، فالبلد لايزال فيه الكثير من الماًسي والماًثر وليس تحقيق منجز هنا او هناك يحل المشكلة ، انما مصارحة ومكاشفة الناس بواقع الحال والتواضع في طرح الطموحات والتأني في اطلاق الوعود كلها امور تساعد في تهدئة النفوس ونمو الشعور بالتفاؤل ، وكل ذلك لايتحقق الا من خلال معرفة المسؤول في المؤسسات عما يجري خارج مكتبه من امور وقضايا ، مشاكل ومظالم ، هموم ومعانات ، اقصاء وتهميش ، تلكؤ وسوء ادارة ، مقترحات ومبادرات

{ تتمة الموضوع على موقع (الزمان) الالكتروني

 ، وكل هذه المفردات واكثر تنشرها الصحف اليومية ، وماعلى المكاتب  الا ان تلخص هذه الحالات وتقدم بتقرير يومي الى المسؤول ليبدأ عمله بعد الاطلاع عليها وتأشير مايمكن معالجته او الانتباه لخلل ما كان غائبا عنه، وقضية اخرى مهمة ، من الضروري جداالاطلا على تفاصيل المقالات التي ينشرها الكتاب في الصحف ، فهي لم تكتب لاملاء فراغ ما ، انما فيها حتما الكثير الكثير من المقترحات والمبادرات وتشخيص الاخطاء والاسهام من خلال ذلك في تعزيز مسيرة البناء والازدهار للبلد ، وممكن تلخيص هذه الافكار وجعلها موضوعات للدراسة ربما تفيد المسؤول عندما يطلع عليه ،  وهنا لا ازكي كل مايكتب من مقالات من حيث كونها مفيدة وذات تأثير ايجابي في المسيرة الوطنية ، اذ ربما يأتي البعض منها هزيلا او يخلوا من اخلاقيات المهنة ويهدف الى الاساءة والتحريض او النقد الجارح غير المبرر وامور اخرى نحن في غنى عن ذكرها ، اقول ،هنا يبرز دور وفطنة وذكاء العاملين في المكاتب الاعلامية في الرد التفاعلي على تلك المقالات عملا بمدأ الرأي والرأي الاخر وتوضيح الحقائق بموجب مستندات توثيقية تقنع القاريء وتزيد قناعته بجدية العمل واحترام المسؤولية ، وحبذا لو يكون الرد تقليدا مسارا للرد للتواصل مع الافكار الجيدة التي تحملها المقالات الجادة اذا كانت تشير الى منجزات وطنية حقيقية من خلال طرحها اسئلة بحاجة الى اجابة رسمية معتمدة ومقنعة ، وهذا مايسمى في العمل المهني الصحفي بالعلاقة التفاعلية التي تعبر عن الاحترام والتقدير المتبادل بين الصحافة والاعلام الحكومي.

ان مايكتب في الصحافة هي بمثابة افكار مجانية تقدم للحكومة متمنيا عدم الاستهانة بها لانها كتبت بضمائر الشرفاء الحية من الصحفيين حبا وانتماءا للعراق .

كاتب ومتابع للشأن السياسي

[email protected]