

شخصيات عرفتها .. التيجاني السماوي – صلاح عبد الرزاق
أجواء دينية في تونس تهيئ التكامل المعرفي
مقدمة حول تغيير الدين والمذهب
ظاهرة تغيير الدين والمذهب ظاهرة قديمة جداً منذ بداية التاريخ . فالأنبياء والرسل قاموا بعرض رسالاتهم على أممهم وشعوبهم بهدف تغيير دينهم من ظلمات الشرك والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد. وعلى مدار العصور بقيت حالة التحول الديني أو المذهبي حاضرة في المجتمعات. فبعض المجتمعات فرض عليها تغيير المذهب بالقوة كما حدث في مصر بعد مجيء صلاح الدين الأيوبي ، وفي إيران بعد مجيء الصفويين. وفي إسبانيا حدث أن كثير من السكان المسيحيين اعتنقوا الإسلام وتعلموا اللغة العربية طمعاً بالمناصب والتقرب من الحكام المسلمين.
في العراق هناك حالات تحول مذهبي بصورة طوعية في القرن التاسع عشر، كما حدث في تحول عشائر عراقية سنية إلى المذهب الشيعي. وانقسمت العشائر إلى مذهبين حتى وجدناهم اليوم أولاد عم ينتسبون لنفس العشيرة واللقب لكنهم ينتمون لمذهبين إسلاميين.
وقام علماء الانثروبولوجيا والاجتماع والتحليل النفسي وحتى بعض المبشرين بدراسة ظاهرة التحول الديني في العصر الحديث ووجدوا أن هناك عدة أسباب. هذه الأسباب تختلف حسب خلفية الباحث وثقافته ورؤيته.
1-يركز السيكولوجيون على الشخصية المنعزلة . فهم يركزون على الفرد ، مشاعره وأفكاره وأفعاله التي تسيطر على سلوكه واستجابته. وغالباً ما يفسرون التحول الديني من خلال الكآبة والاضطراب والصراع النفسي والاحساس بالذنب وغيرها من المصاعب النفسية. ويستخدمون في هذا التفسير والمنحى نظريات التحليل النفسي والسلوكي والإنساني والاجتماعي وسيكولوجيا الادراك.
2- ويركز المحللون النفسيون على ديناميكية الانفعالات الداخلية ، وخاصة تلك التي تعكس العلاقة بين الوالدين والطفل.
3- أما السلوكيون فيركزون علي المحاور الاجتماعية والمؤسساتية للأديان التي يحدث فيها التحول الديني. فهم يعتقدون أن الظروف الاجتماعية أثناء التحول والعلاقات الهامة وصفات الجماعة الدينية التي لها علاقة بالشخص الذي لديه قابلية التحول، كلها لها دور مؤثر في عملية التحول.
4- ويركز الاجتماعيون على التفاعل بين الأفراد والنسيج الاجتماعي الذي يحيط بهم. وكذلك العلاقات بين الأفراد وتوقعاتهم من الجماعة التي سينتمون إليها. فقد يتحول شاب إلى دين جديد رغبة بالزواج من فتاة من دين آخر.
5- أما الانثروبولوجيون فهم يبحثون في الثقافة التي تبني الجو الفكري والأخلاقي والروحي للحياة. فهم يعتقدون أن الثقافة هي مظهر النشاط الإنساني والقوة المؤثرة في تشكيل وتجديد الأفراد والجماعات والمجتمعات. فهم يدرسون الظواهر باعتبارها مجموعة من الطقوس والشعائر والأساطير والرموز التي تشكل نسيج الثقافة. كما يقومون باختبار الرموز والطرق في التغيير الديني، الصدمة الثقافية للتحول ، الطريقة التي تسهل بها الثقافة عملية التغيير الديني، ومراحل تطور التوجه الديني الجديد في ثقافة معينة.
6- ويؤكد اللاهوتيون أن هدف التحول الديني هو من أجل جلب الناس نحو العلاقة مع المقدس ومنح الحياة معنى. فهم يركزون على الجانب العقائدي والروحي باعتباره المحور الأساس في التحول ، وأن العوامل الأخرى خاضعة له. إن إقصاد البعد الديني في التحول يؤدي إلى الفشل في تفسير الظاهرة بشكل ينسجم مع خبرات المتحول.
الأسرة والنشأة
ولد محمد التيجاني السماوي عام 1943 في مدينة قفصة جنوب العاصمة تونس. ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب المالكي ، وتنتسب إلى الطريقة الصوفية التيجانية، وهي إحدى الطرق الصوفية المنتشرة في شمال أفريقيا ، ومن ذلك اكتسب لقب التيجاني. والتيجانية فرقة صوفية منتشرة في تونس والمغرب والجزائر وليبيا ومصر والسودان.
ويقول التيجاني بأنه ينحدر من النسل الفاطمي العلوي ، وأنه من السادة الموسوية نزحوا من بلدة السماوة العراقية إلى تونس، فهو عراقي الأصل تونسي المولد.
لقد نشأ في أجواء دينية هيأت له التكامل العلمي والمعرفي بوقت قصير. فقد حفظ نصف القرآن الكريم وهو لم يبلغ العاشرة من العمر. وعندما كان عمره 18 عاماً عندما انتدبته الجمعية القومية للكشافة التونسية للمشاركة ضمن وفد تونسي إلى مكة وحضور المؤتمر الأول للكشافة العربية والإسلامية . مكث هناك 25 يوماً ، التقى خلالها بعلماء وفقهاء ، واستمع إلى محاضراتهم حتى أنه تأثر بالوهابية ومعتقداتها.
درس محمد العلوم الدينية والحديثة في تونس حيث أنهي دراسته في جامعة الزيتونة العريقة. عمل في حقل التدريس لمدة 17 عاماً، ثم نال شهادة الماجستير من جامعة باريس. وكانت أطروحته التي قدمها حول (المقارنة بين الأديان). وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون ، وكانت بعنوان (النظريات الفلسفية في نهج البلاغة).
التحول المذهبي
بعد عودته من الحج بدأ بتعلم الدين على يد شيوخ من الطرق الصوفية والتي يعاديها علماء الوهابية. فصار مشتتاً بين تيارين متناقضين.
بعد ذلك زار مصر وأمضى 20 يوماً فيها ، حيث حضر جلسات لشيوخ الأزهر الذين أبدوا إعجابهم بحفظه للقرآن والأحاديث النبوية. وتعرف على العديد من العلماء الذين أهدوه بعض الكتب. وعند مغادرته مصر متوجهاً إلى بيروت ، التقى أثناء سفره بشخص عراقي وهو أستاذ في جامعة بغداد اسمه منعم. وقد جاء إلى القاهرة لتقديم أطروحة الدكتوراه في الأزهر.
خلال ذلك اللقاء دار بينهما حوار ، فأخبره منعم بأنه شيعي، فبدأت المناقشات الدينية ، ودار بينهما نقاش على نقاط الخلاف بين المذهبين. دعاه منعم إلي تبين الأمر من مصادره الأصلية المعروفة، ودعاه لزيارة العراق للقاء علماء الشيعة في عام 1967.
ذكرياته عن العراق
دفع الفضول والبحث عن المعرفة التيجاني إلى زيارة العراق، حيث التقى بالسيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر والسيد محسن الحكيم والكثير من العلماء. أهديت للتيجاني مجموعة كتب مثل (عقائد الإمامية) للشيخ محمد رضا المظفر ، و (أصل الشيعة وأصولها) للشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، و كتاب (المراجعات) للسيد عبد الحسين شرف الدين. أخذ التيجاني يدرس تلك الكتب ، ويتأكد من المصادر التي وردت فيها ليطمئن بأنها صحيحة وموثوقة. الأمر الذي دفعه إلى التحول نحو المذهب الشيعي.
بقي يتردد على العراق في الفترة 1967 – 1970 حيث درس البحث الخارج عند السيد الخوئي وعند السيد محمد باقر الصدر الذي اهتم به كثيراً ، وقرّبه منه في مجالسه ودروسه. بعد ذلك سافر إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه.
يصف التيجاني مشاعره بين زيارة مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني و الامام موسى الكاظم (ع) قائلا: «ذهبنا بعد الفطور إلى باب الشيخ ورأيت المقام الذي طالما تمنيت زيارته، و هرولت كأني مشتاق لرؤيته و دخلت أتلهف كأني سوف أرتمي في أحضانه». ثم أخذني صديقي في سيارة أجرة إلى الكاظمية، و شعرت بحرج في الدخول إليها، غير أنني- مراعاة لعواطف صديقي- اتبعته من غير اختيار، و من حين إلى آخر أنظر بإشمئزاز إلى هؤلاء الذين يطوفون حول الضريح باكين مقبلين أركانه و قضبانه.
ساقته رحلته هذه إلى الحضور في منزل الإمام علي (ع) و مسجد الكوفة و حرم أمير المؤمنين (ع) ثم اللقاء بالعلماء و الذي أحدث تحولا و انعطافة في حياة الرجل.
لقائه بالسيد الخوئي
في أول زيارته للنجف الأشرف اشار السيد التيجاني الى لقائه بالسيد الخوئي و الحديث حول الصورة التي يحملونها عن التشيع جوابا عن سؤال السيد الخوئي في هذا الخصوص، قائلا: «الشيعة عندنا هم أشد على الإسلام من اليهود و النصارى لأن هؤلاء يعبدون الله و يؤمنون برسالة موسى (ع) ، بينما نسمع عن الشيعة أنهم يعبدون عليا (ع) و يقدسونه، و منهم فرقة يعبدون الله ولكنهم ينزلون عليا (عليه السلام) بمنزلة رسول الله (ص) و رويت قصة جبريل كيف أنه خان الأمانة حسب ما يقولون و بدلا من أداء الرسالة إلى علي أداها إلى محمد (ص).
ولما انتهى من كلامه التفت إليه السيد الخوئي- كما يقول التيجاني- و قال: «هل قرأت القرآن؟ قلت: حفظت نصفه و لم أتخطّ العاشرة من عمري».
قال: «هل تعرف أن كل الفرق الإسلامية على اختلاف مذاهبها متفقة على القرآن الكريم، فالقرآن الموجود عندنا هو نفسه موجود عندكم؟. قلت: نعم هذا أعرفه».
قال: «ألم تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: «وَ مَا مُحمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ».[
و قوله أيضا: «مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار».
و قوله: «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِن رِّجَالِكُمْ».
فأين هو علي (ع)؟ إذا كان قرآننا يقول بأن محمداً هو رسول الله (ع) فمن أين جاءت هذه الفرية؟ يقول التيجاني : «سكت و لم أجد جوابا»? و أضاف يقول: «و أما خيانة جبريل (ع) (حاشاه) فهذه أقبح من الأولى، لأن محمد (ع) كان عمره أربعين سنة عندما أرسل الله سبحانه إليه جبريل (ع)، و لم يكن علي (ع) إلّا صبيا صغيرا عمره ست أو سبع سنوات، فكيف يا ترى يخطئ جبريل و لا يفرق بين محمد (ع) الرجل و علي (ع) الصبي؟».و أضاف «السيد الخوئي» يقول: «و أزيدك بأن الشيعة هي الفرقة الوحيدة من بين كل الفرق الإسلامية الأخرى التي تقول بعصمة الأنبياء والأئمة، فإذا كان أئمتنا (سلام الله عليهم) معصومين عن الخطأ و هم بشر مثلنا، فكيف بجبريل (ع) و هو ملك مقرب سماه رب العزة بـ الروح الامين.
.[ وكان لكلام السيد الخوئي الوقع الكبير على الرجل حيث وصفه بالقول: «بقيت أفكر في أقواله و أنا مطرق أحلل و أتذوق هذا الحديث المنطقي الذي نفذ إلى أعماقي و أزال غشاوة عن بصري و تساءلت في داخلي كيف لم نحلل نحن بهذا المنطق». و في ختام اللقاء طلب التيجاني من السيد بعض الكتب فأمر باعطائه مجموعة كبيرة منها و لما اخبرهم بأن رحلته طويلة و أنه لا يمكنه حملها إلى اكثر من بلد أمر السيد بان ترسل له على عنوانه الخاص.
لقاء التيجاني بالشهيد الصدر
يشير السيد التيجاني إلى ذلك اللقاء و مدى تأثره بالسيد محمد باقر الصدر قائلا: «دخلنا على السيد محمد باقر الصدر في بيته و كان مليئا بطلبة العلوم و أغلبهم من الشبان المعممين و قام السيد يسلم علينا، و قدموني إليه فرحب بي كثيرا و أجلسني بجانبه و أخذ يسألني عن تونس و الجزائر و عن بعض العلماء المشهورين أمثال الخضر حسين و الطاهر بن عاشور و غيرهم، و أنست بحديثه و رغم الهيبة التي تعلوه و الاحترام الذي يحوطه به جلساؤه، وجدت نفسي غير محرج و كأني أعرفه من قبل و استفدت من تلك الجلسة إذ كنت أسمع أسئلة الطلبة و أجوبة السيد عليها، و عرفت وقتها قيمة تقليد العلماء الأحياء الذين يجيبون عن كل الإشكالات مباشرة و بكل وضوح…. و أحسست بأني لو بقيت معه شهرا واحدا لتشيعت لحسن أخلاقه و تواضعه و كرم معاملته، فلم أنظر إليه إلا و ابتسم في وجهي و ابتدرني بالكلام، و سألني هل ينقصني شيء، فكنت لا أغادره طيلة الأيام الأربعة إلا للنوم».
أشار التيجاني إلى الأسئلة التي طرحها على السيد الصدر والأجوبة المقنعة التي تلقاها منه رحمه الله. منها: قلت: «إن علماء السعودية يقولون: إن التمسح بالقبور و دعوة الصالحين و التبرك بهم، شرك بالله، فما هو رأيكم؟ أجاب السيد محمد باقر الصدر: اذا كان التمسح بالقبور و دعوة أصحابها بنية أنهم يضرون و ينفعون، فهذا شرك، لا شك فيه: و إنما المسلمون موحدون و يعلمون أن الله وحده هو الضار و النافع وإنما يدعون الأولياء و الأئمة (عليهم السلام) ليكونوا وسيلتهم إليه سبحانه و هذا ليس بشرك، و المسلمون سنة وشيعة متفقون على ذلك من زمن الرسول (ص) إلى هذا اليوم، عدا الوهابية و هم علماء السعودية الذين ذكرت و الذين خالفوا إجماع المسلمين بمذهبهم الجديد الذي ظهر في هذا القرن، و قد فتنوا المسلمين بهذا الاعتقاد و كفروهم و أباحوا دماءهم، و قد كان لهم مع علمائنا مناظرات، ولكنهم أصروا على العناد و استكبروا استكبارا».
ثم اشار السيد الصدر إلى حادثة وقعت للسيد شرف الدين قائلا: «إن السيد شرف الدين من علماء الشيعة لما حج بيت الله الحرام في زمن عبدالعزيز آل سعود، كان من جملة العلماء المدعوين إلى قصر الملك لتهنئته بعيد الأضحى كما جرت العادة هناك و لما وصل الدور إليه و صافح الملك قدم إليه هدية و كانت مصحفا ملفوفا في جلد، فأخذه الملك و قبله و وضعه على جبهته تعظيما له و تشريفا، فقال له السيد شرف الدين عندئذ: أيها الملك لماذا تقبل الجلد و تعظمه و هو جلد ماعز؟ أجاب الملك، أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله و لم أقصد تعظيم الجلد! فقال السيد شرف الدين عند ذلك: أحسنت أيها الملك، فكذلك نفعل نحن عندما نقبل شباك الحجرة النبوية أو بابها فنحن نعلم أنه حديد لا يضر و لا ينفع، ولكننا نقصد ما وراء الحديد و ما وراء الأخشاب نحن نقصد بذلك تعظيم رسول الله (ص) كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلفه، فكبر الحاضرون إعجابا له و قالوا: صدقت، و اضطر الملك وقتها إلى السماح للحجاج ان يتبركوا بآثار الرسول حتى جاء الذي بعده فعاد إلى القرار الأول».
رحلة نحو الحقيقة
شرع التيجاني بعد رجوعة من سفر الحج بالبحث عن الحقيقة قائلا: «بدأت أقرأ الكتب فقرأت كتاب عقائد الإمامية، و أصل الشيعة وأصولها و ارتاح ضميري لتلك العقائد وتلك الافكار التي يرتئيها الشيعة، ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي، و ما أن قرأت منه بضع صفحات حتى استهواني الكتاب و شدني إليه شدا فكنت لا أتركه إلا غصبا و كنت أحمله في بعض الأحيان إلى المعهد، و أدهشني الكتاب بما حواه من صراحة العالم الشيعي و حله لما أشكل على العالم السني شيخ الأزهر، وجدت في الكتاب بغيتي لأنه ليس كالكتب التي يكتب فيها المؤلف ما يشاء بدون معارض و لا مناقش فالمراجعات هو حوار بين عالمين من مذهبين مختلفين يحاسب كل منهما صاحبه على كل شاردة و واردة، على كل صغيرة و كبيرة متوخيين في ذلك المرجعين الأساسيين لكافة المسلمين و هما القرآن الكريم و السنة.».]
قرر التيجاني بعد اللقاءات التي جمعته مع علماء الشيعة في النجف الاشرف الوصول إلى الحقيقة عن طريق اعتماد منهج التحقيق في البحث عن القضايا فآلى على نفسه بان يعتمد الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين المسلمين من جميع طوائفهم متجنبا الاحاديث التي تنفرد بنقلها بعض الفرق، ومع الاعتماد على هذا المنهج الوسطي قرر الابتعاد عن الجانب العاطفي والتعصب المذهبي و القومي و الوطني و قطع الشك و الوهم باليقين الذي عبّر عنه بصراط الله المستقيم.
و كان من أهم المقاطع التي ادهشته في هذا الكتاب هي عدم امتثال الصحابة لأوامر الرسول في عدّة مواقف و التي منها حادثة رزية يوم الخميس، فيقول الدكتور: “لم أكن أتصور أن سيدنا عمر بن الخطاب يعترّض على أمر رسول الله و يرميه بالهجر، و ظننت بادئ الأمر أن الرواية من كتب الشيعة، و ازدادت دهشتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري و صحيح مسلم، و قلت في نفسي: إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي”.
فلمّا وقع كتاب البخاري بيده جعل يتصفحه باحثاً فيه عن رزية يوم الخميس متمنياً أن لا يعثر عليها، فيقول: “ورغم أنفي وجدتها وقرأتها مرّات عديدة فكانت كما نقلها السيد شرف الدين وحاولت تكذيب الحادثة برمتها واستبعدت أن يقوم سيدنا عمر بذلك الدور الخطير ولكن أنى لي تكذيب ما ورد في صحاحنا وهي صحاح أهل السنة والجماعة التي ألزمنا بها أنفسنا وشهدنا بصحتها”.
بقي الدكتور التيجاني متحيّراً لفترة تتجاذبه الأفكار وتموج به الظنون والأوهام، خائفاً من مواصلة البحث لا سيّما حول تاريخ الصحابة خشية أن يقف على بعض المفارقات المذهلة في سلوكهم، فاستغفر الله مرّات عديدة ثمّ قرّر عدم مواصلة البحث، لكن دفعه حرصه على بلوغ الحقيقة إلى أن يقحم نفسه في البحث والتتبّع في مجال العقيدة ليكون على بصيرة من أمره.
واستمر في بحثه مقتحماً جميع العقبات التي كانت تعتري سبيله حتى أشرقت له الحقيقة، فأبدل أفكاراً متحجّرة متعصّبة تؤمن بالتناقضات بأفكار نيّرة متحرّرة ومنفتحة تؤمن بالدليل والحجّة والبرهان.
فيقول في هذا الجانب: “غسلت دماغي من أوساخ رانت عليها ـ طوال ثلاثين عاماً ـ أضاليل بني أمية، وطهّرته بعقيدة المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً”
يقول التيجاني حول استبصاره: “كان التحوّل بداية السعادة الروحية، إذ أحسست براحة الضمير وانشرح صدري للمذهب الحقّ الذي اكتشفته أو قل للإسلام الحقيقي الذي لا شكّ فيه، وغمرتنى فرحة كبيرة واعتزاز بما أنعم الله عليّ من هداية ورشاد.
ولم يسعني السكوت والتكتم على ما يختلج في صدري، وقلت في نفسي: لابد لي من افشاء هذه الحقيقة على الناس (وأما بنعمة ربك فحدّث) وهي من أكبر النعم، أو هي النعمة الكبرى في الدنيا وفي الآخرة”.
ويضيف قائلا: “والذي زاد شعوري يقيناً لنشر هذه الحقيقة هو براءة أهل السنة والجماعة الذين يحبّون رسول الله وأهل بيته ويكفي أن يزول الغشاء الذي نسجه التاريخ حتّى يتّبعون الحقّ.
دوّن التيجاني رحلته من المذهب المالكي إلى المذهب الشيعي الإمامي في كتابه (ثم اهتديت) مضمناً إياه مناقشات لقضايا عديدة. وقد طبع من الكتاب عشرات الطبعات وانتشرت عشرات الالاف من النسخ، وترجم إلى قرابة ثلاثين لغة في أنحاء العالم.
الحادثة التي شهرت اسم التيجاني
يروي التيجاني في كتابه (ثم اهتديت) هذه الحادثة التي جعلت اسمه يشتهر في تونس فيقول:
في إحدى قرى الجنوب التونسي و خلال حفل زفاف كانت النساء يتحدثن عن فلانة زوجة فلان ، و استغربت العجوز الكبيرة التي كانت تجلس وسطهن و تسمع حديثهن أن تكون فلانة قد تزوجت فلانا و لما سألنها عن سبب استغرابها اخبرتهن أنها أرضعت الاثنين فهما أخوان من الرضاعة ، و نقل النسوة هذا النبأ العظيم إلى أزواجهن و تثبت الرجال فشهد والد المرأة بأن ابنته أرضعتها تلك العجوز المعروفة لدى الجميع بأنها مرضعة كما شهد والد الزوج بأن ابنه أرضعته نفس المرضعة .
قامت قيامة العشيرتين و تقاتلوا بالعصي كل منهما تتهم الأخرى بأنها سبب الكارثة التي سوف تجرهم إلى سخط الله و عقابه و خصوصا لان هذا الزواج مر عليه عشرة أعوام أنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال و قد هربت عند سماعها الخبر إلى بيت أبيها و امتنعت عن الأكل و الشراب و أرادت الانتحار لأنها لم تتحمل الصدمة و كيف أنها تزوجت من أخيها و ولدت منه و هي لا تعلم ، و سقط عدد من الجرحى من العشيرتين و تدخل أحد الشيوخ الكبار و أوقف المعارك و نصحهم بأن يطوفوا على العلماء ليستفتوهم في هذه القضية عسى أن يجدوا حلا .
فصاروا يتجولون في المدن الكبرى المجاورة يسألون علماءها عن حل لقضيتهم و كلما اتصلوا بعالم و أطلعوه على الأمر أخبرهم بحرمة الزواج و ضرورة تفريق الزوجين إلى الأبد و تحرير رقبة أو صيام شهرين إلى غير ذلك من الفتاوى .
و وصلوا إلى قفصة و سألوا علماءها فكان الجواب نفسه ، لان المالكية كلهم يحرمون الرضاعة و لو من قطرة واحدة اقتداء بالإمام مالك الذي قاس الحليب على الخمر إذ أن ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) ، فتحرم الرضاعة و لو من قطرة واحدة من الحليب ، و الذي وقع أن أحد الحاضرين اختلى بهم و دلَّهم على بيتي قائلا لهم : أسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا فإنه يعرف كل المذاهب ، و قد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدة مرات فيبزهم بالحجة البالغة .
هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيا عندما أدخلته إلى المكتبة و حكى لي كل القضية بالتفصيل من أولها إلى آخرها و قال : ” يا سيدي أن زوجتي تريد الانتحار و أولادي مهملون و نحن لا نعرف حلا لهذه المشكلة و قد دلونا عليك و قد استبشرت خيرا لما رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها فعسى أن يكون الحل عندك ” .
أحضرت له قهوة و فكرت قليلا ثم سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المرأة فقال : لا أدري غير أن زوجتي رضعت منها مرتين أو ثلاثا و قد شهد أبوها بأنه حملها مرتين أو ثلاث مرات إلى تلك العجوز المرضعة ، فقلت إذا كان هذا صحيحا فليس عليكما شيء و الزواج صحيح و حلال محلل ، و ارتمى المسكين علي يقبل رأسي و يدي و يقول : بشرك الله بالخير لقد فتحت أبواب السكينة أمامي ، و نهض مسرعا و لم يكمل قهوته و لا استفسر مني و لا طلب الدليل غير أنه استأذن للخروج حتى يسرع فيبشر زوجته و أولاده و أهله و عشيرته .
لكنه رجع في اليوم التالي و معه سبعة رجال و قدمهم إلي قائلا : هذا والدي و هذا والد زوجتي و الثالث هو عمدة القرية و الرابع إمام الجمعة و الجماعة و الخامس هو المرشد الديني و السادس شيخ العشيرة و السابع هو مدير المدرسة ، و قد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرضاعة و بماذا حللتها ؟ .
أدخلت الجميع إلى المكتبة و كنت أتوقع جدالهم و أحضرت لهم القهوة و رحبت بهم : قالوا إنما جئناك نناقشك في تحليلك الرضاعة و قد حرمها الله في القرآن ، و حرمها رسوله بقوله : يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب ، و كذلك حرمها الإمام مالك .
قلت : يا سادتي أنتم ما شاء الله ثمانية و أنا واحد فإذا تكلمت مع الجميع فسوف لن أقنعكم و تضيع المناقشة في الهامشيات ، و إنما اقترح عليكم اختيار أحدكم حتى أتناقش معه و أنتم تكونون حكما بيني و بينه ! .
و أعجبتهم الفكرة و استحسنوها ، و سلموا أمرهم إلى المرشد الديني قائلين أنه أعلمهم و أقدرهم ، و بدأ السيد يسألني كيف أحلل ما حرم الله و رسوله و الأئمة ؟
قلت : أعوذ بالله أن أفعل ذلك ! و لكن الله حرم الرضاعة بآية مجملة و لم يبين تفصيل ذلك و إنما أوكل ذلك إلى رسوله فأوضح مقصود الآية بالكيف و الكم .
قال : فإن الإمام مالك يحرم الرضاعة من قطرة واحدة .
قلت : أعرف ذلك ، و لكن الإمام مالك ليس حجة على المسلمين و إلا فما هو قولك بالأئمة الآخرين ؟ .
أجاب : رضي الله عنهم و أرضاهم فكلهم من رسول ملتمس .
قلت : فما هي إذن حجتك عند الله في تقليدك الإمام مالك الذي يخالف رأيه نص الرسول ( صلى الله عليه و آله ) ؟ .
قال محتارا : سبحان الله أنا لا أعلم أن الإمام مالكا إمام دار الهجرة يخالف النصوص النبوية ، و تحير الحاضرون من هذا القول ، و استغربوا مني هذه الجرأة على الإمام مالك و التي لم يعهدوها من قبل في غيري ، و استدركت قائلا : هل كان الإمام مالك من الصحابة ؟ قال : لا ، قلت : هل كان من التابعين ؟ قال : لا ، و إنما هو من تابعي التابعين .
قلت : فأيهما أقرب هو أم الإمام علي بن أبي طالب ؟ .
قال : الإمام علي أقرب فهو من الخلفاء الراشدين ، و تكلم أحد الحاضرين قائلا : سيدنا علي كرم الله وجهه هو باب مدينة العلم .
فقلت : فلماذا تركتم باب مدينة العلم و اتبعتم رجلا ليس من الصحابة و لا من التابعين و إنما ولد بعد الفتنة و بعدما أبيحت مدينة رسول الله لجيش يزيد و فعلوا فيها ما فعلوا و قتلوا خيار الصحابة و انتهكوا فيها المحارم ، و غيروا سنة الرسول ببدع ابتدعوها ، فكيف يطمئن الإنسان بعد ذلك إلى هؤلاء الأئمة الذين رضيت عنهم السلطة الحاكمة لأنهم أفتوها بما يلائم أهواءهم .
و تكلم أحدهم و قال : سمعنا أنك شيعي تعبد الإمام عليا فلكزه صاحبه الذي كان بجانبه لكزة أوجعته و قال له : أسكت أما تستحي أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا و قد عرفت العلماء و حتى الآن لم تر عيني مكتبة مثل هذه المكتبة ، و هذا الرجل يتكلم عن معرفة و وثوق بما يقول ! .
أجبته قائلا : أنا شيعي هذا صحيح و لكن الشيعة لا يعبدون عليا و إنما عوض أن يقلدوا الإمام مالكا فهم يقلدون الإمام علي لأنه باب مدينة العلم حسب شهادتكم ، قال المرشد الديني : و هل حلل الإمام علي زواج الرضيعين ؟ .
قلت : لا و لكنه يحرم ذلك إذا بلغت الرضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات و متواليات ، أو ما أنبت لحما و عظما .
و تهلل وجه والد الزوجة و قال : الحمد لله فابنتي لم ترضع إلا مرتين أو ثلاث مرات فقط ، و إن في قول الإمام علي هذا مخرجا لنا من هذه الورطة و رحمة لنا من الله بعد أن يئسنا .
فقال المرشد : أعطنا الدليل على هذا القول حتى نقتنع ، فأعطيتهم كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي ، و قرأ هو بنفسه عليهم باب الرضاعة ، و فرحوا بذلك فرحا عظيما و خصوصا الزوج الذي كان خائفا أن لا يكون لديّ الدليل المقنع و طلبوا مني إعارتهم الكتاب حتى يحتجوا به في قريتهم فسلمته إليهم و خرجوا مودعين داعين معتذرين .
و بمجرد خروجهم من بيتي التقى بهم أحد المناوئين و حملهم إلى بعض علماء السوء فخوفوهم و حذروهم بأني عميل لإسرائيل و أن كتاب منهاج الصالحين الذي أعطيتهم إياه كله ضلالة و أن أهل العراق هم أهل الكفر و النفاق و أن الشيعة مجوس يبيحون نكاح الأخوات فلا غرابة إذن في إباحتي لهم نكاح الأخت من الرضاعة إلى غير ذلك من التهم و الأراجيف و ما زال بهم يحذرهم حتى ارتدوا على أعقابهم و انقلبوا بعد اقتناعهم ، و أجبروا الزوج على أن يتقدم بدعوى عدلية للطلاق لدى المحكمة الابتدائية في قفصة و طلب منهم رئيس المحكمة أن يذهبوا إلى العاصمة و يتصلوا بمفتي الجمهورية ليحل هذا الإشكال ، و سافر الزوج و بقى هناك شهرا كاملا حتى تمكن من مقابلته و قص عليه قصته من أولها إلى آخرها و سأله مفتي الجمهورية عن العلماء الذين قالوا بحلية الزواج و صحته فأجاب الزوج بأنه ليس هناك من قال بحليته غير شخص واحد هو التيجاني السماوي ، و سجل المفتي إسمي و قال للزوج : ارجع أنت و سوف أبعث أنا برسالة إلى رئيس المحكمة في قفصة ، و بالفعل جاءت الرسالة من مفتي الجمهورية و أطلع عليها وكيل الزوج و أعلمه بأن مفتي الجمهورية حرم ذلك الزواج.
هذا ما قصه عليّ زوج المرأة الذي بدا عليه الضعف و الإرهاق من كثرة التعب و هو يعتذر إليّ مما سببه لي من إزعاج و حرج ، فشكرته على عواطفه متعجبا كيف يبطل مفتي الجمهورية الزواج القائم في مثل هذه القضية ، و طلبت منه أن يأتيني برسالته التي بعثها إلى المحكمة حتى أنشرها في الصحف التونسية و أبين أن مفتي الجمهورية يجهل المذاهب الإسلامية و لا يعرف اختلافهم الفقهي في مسألة الرضاعة .
فقال الزوج أنه لا يمكنه أن يطلع على ملف قضيته فضلا عن أن يأتيني برسالة منه ، و افترقنا .
و بعد بضعة أيام جاءتني دعوة من رئيس المحكمة يأمرني فيها بإحضار الكتاب و الأدلة على عدم بطلان ذلك الزواج بين ( الرضيعين ) ! ، و ذهبت محملا بعدة مصادر انتقيتها مسبقا و وضعت في كل منها بطاقة في باب الرضاعة ليسهل تخريجه في لحظة واحدة ، و ذهبت في اليوم و الساعة المذكورين و استقبلني كاتب المحكمة و أدخلني إلى مكتب الرئيس و فوجئت برئيس المحكمة الابتدائية و رئيس محكمة الناحية و وكيل الجمهورية و معهم ثلاثة أعضاء و كلهم يرتدون لباسهم الخاص للقضاء و كأنهم في جلسة رسمية ، و لاحظت أيضا أن زوج المرأة يجلس في آخر القاعة قبالهم ، و سلمت على الجميع فكانوا كلهم ينظرون إلي باشمئزاز و احتقار و لما جلست خاطبني الرئيس بلهجة خشنة قائلا :
– أنت هو التيجاني السماوي ؟ قلت : نعم .
– قال : أنت الذي أفتيت بصحة الزواج في هذه القضية ؟ .
– قلت : لا لست أنا بمفت ، و لكن الأئمة و علماء المسلمين هم الذين أفتوا بحليته و صحته ! .
– قال : و من أجل ذلك دعوناك ، و أنت الآن في قفص الاتهام ، فإذا لم تثبت دعواك بالدليل فسوف نحكم بسجنك و سوف لن تخرج من هنا إلا إلى السجن .
و عرفت وقتها أنني بالفعل في قفص الاتهام ، لا لأنني أفتيت في هذه القضية ، و لكن لان بعض علماء السوء حدَّث هؤلاء الحكام بأنني صاحب فتنة و أنني أسب الصحابة و أبث التشيع لآل البيت النبوي ، و قد قال له رئيس المحكمة إذا أتيتني بشاهدين ضده فسألقيه في السجن .
أضف إلى ذلك أن جماعة من الإخوان المسلمين استغلوا هذه الفتوى و روجوا لدى الخاص و العام أنني أبيح نكاح الأخوات و هو قول الشيعة على زعمهم ! .
كل ذلك عرفته من قبل و تيقنته عندما هددني رئيس المحكمة بالسجن فلم يبق أمامي إلا التحدي و الدفاع عن نفسي بكل شجاعة فقلت للرئيس :
– هل لي أن أتكلم بصراحة و بدون خوف ، قال :
– نعم تكلم فأنت ليس لك محام . . قلت :
– قبل كل شيء أنا لم أنصب نفسي للإفتاء ، و لكن ها هو زوج المرأة أمامكم فاسألوه ، فهو الذي جاءني إلى بيتي يطرق بابي و يسألني ، فكان واجبا عليّ أن أجيبه بما أعلم و قد سألته بدوري عن عدد الرضعات و لما أعلمني بأن زوجته لم ترضع غير مرتين أعطيته وقتها حكم الإسلام فيها ، فلست أنا من المجتهدين و لا من المشرعين .
قال الرئيس : عجبا ، أنت الآن تدعي أنك تعرف الإسلام و نحن نجهله !
قلت : أستغفر الله أنا لم أقصد هذا ، و لكن كل الناس هنا يعرفون مذهب الإمام مالك و يتوقفون عنده ، و أنا فتشت في كل المذاهب و وجدت حلا لهذه القضية .
-قال الرئيس : أين وجدت الحل ؟
-قلت :قبل كل شيء هل لي أن أسالكم سؤالا يا سيدي الرئيس ؟ .
– قال : إسأل ما تريد .
– قلت : ما قولكم في المذاهب الإسلامية ؟ .
– قال : كلها صحيحة ، فكلهم من رسول الله ملتمس ، و في اختلافهم رحمة .
– قلت : فارحموا إذن هذا المسكين ” مشيرا إلى زوج المرأة ” الذي قضى الآن أكثر من شهرين و هو مفارق لزوجه و ولده بينما هناك من المذاهب الإسلامية من حل مشكلته .
فقال الرئيس مغضبا :
– هات الدليل و كفاك تهريجا ، نحن سمحنا لك بالدفاع عن نفسك فأصبحت محاميا لغيرك .
فأخرجت له من حقيبتي كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي و قلت : هذا مذهب أهل البيت و فيه الدليل ، فقاطعني قائلا : دعنا من مذهب أهل البيت فنحن لا نعرفه و لا نؤمن به .
كنت متوقعا هذا و لذلك أحضرت معي بعد البحث و التنقيب عدة مصادر لأهل السنة و الجماعة كنت رتبتها حسب علمي فوضعت البخاري في المرتبة الأولى ثم صحيح مسلم و بعده كتاب الفتاوى لمحمود شلتوت و كتاب (بداية المجتهد و نهاية المقتصد) لابن رشد ، و كتاب (زاد المسير في علم التفسير) لابن الجوزي و عدة مصادر أخرى من كتب ( أهل السنة ) ، و لما رفض الرئيس أن ينظر في كتاب السيد الخوئي سألته عن الكتب التي يثق بها ، قال : البخاري و مسلم .
و أخرجت صحيح البخاري و فتحته على الصفحة المعينة و قلت : تفضل يا سيدي اقرأ .
– قال : اقرأ أنت ؟ و قرأت : حدثنا فلان عن فلان عن عائشة أم المؤمنين قالت توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) و لم يحرم من الرضعات إلا خمسا فما فوق .
أخذ الرئيس مني الكتاب و قرأ بنفسه و أعطاه إلى وكيل الجمهورية بجانبه فقرأ هو الآخر و ناوله لمن بعده في حين أخرجت صحيح مسلم و أطلعته على نفس الأحاديث ثم فتحت كتاب الفتاوى لشيخ الأزهر شلتوت و قد ذكر هو الآخر اختلافات الأئمة في مسألة الرضاعة فمنهم من ذهب إلى القول بأن المحرم ما بلغ خمس عشرة رضعة و منهم من قال بسبعة و منهم من حرم فوق الخمسة عدا مالك الذي خالف النص و حرم قطرة واحدة ثم قال شلتوت : و أنا أميل إلى أوسط الآراء فأقول سبعا فما فوق ، و بعد ما اطلع رئيس المحكمة على كل ذلك قال : يكفي . ثم التفت إلى زوج المرأة و قال له : اذهب الآن و آتني بوالد زوجتك ليشهد أمامي بأنها رضعت مرتين أو ثلاثا و سوف تأخذ زوجتك معك هذا اليوم . .
و طار المسكين فرحا ، و اعتذر وكيل الجمهورية و بقية الأعضاء الحاضرين للالتحاق بأعمالهم و أذن لهم الرئيس. ولما خلا بنا المجلس التفت إلي معتذرا و قال : سامحني يا أستاذ لقد غلطوني فيك و قالوا فيك أشياء غريبة و أنا الآن عرفت أنهم حاسدون و مغرضون يريدون بك شرا .
و طار قلبي فرحا بهذا التحول السريع و قلت : الحمد لله الذي جعل نصري على يديك يا سيدي الرئيس ، فقال : سمعت بأن عندك مكتبة عظيمة فهل يوجد فيها كتاب (حياة الحيوان الكبرى) للدميري ؟ .
قلت : نعم ، فقال : هل تعيرني إياه ، فقد مضى عامان و أنا أبحث عنه : قلت : هو لك يا سيدي متى أردت ، قال : هل عندك وقت يسمح لك بالمجيء إلى مكتبتي لنتحدث و أستفيد منك .
قلت : أستغفر الله فأنا الذي أستفيد منك ، فأنت أكبر مني سنا و قدرا ، و عندي أربعة أيام راحة في الأسبوع و أنا رهن إشارتك .
و اتفقنا على يوم السبت من كل أسبوع لأنه ليس له جلسات للمحكمة في ذلك اليوم .
و بعدما طلب مني أن أترك له كتابي البخاري و مسلم و كتاب (الفتاوى) لمحمود شلتوت لكي يحرر منها النص قام بنفسه و أخرجني من مكتبه مودعا .
و خرجت فرحا أحمد الله سبحانه على هذا النصر و قد دخلت خائفا مهددا بالسجن و خرجت و قد انقلب رئيس المحكمة إلى صديق حميم يحترمني و يطلب مني مجالسته ليستفيد مني . إنها بركات طريق أهل البيت الذين لا يخيب من تمسك بهم و يأمن من لجأ إليهم.
تحدث زوج المرأة في قريته و شاع الخبر في كل القرى المجاورة بعد ما رجعت المرأة إلى بيت زوجها و انتهت القضية بحلية الزواج ، فأصبح الناس يقولون بأني أعلم من الجميع و أعلم حتى من مفتي الجمهورية .
و قد جاء زوج المرأة إلى البيت و معه سيارة كبيرة و دعاني إلى القرية أنا و كل عائلتي و أعلمني أن كل الأهالي ينتظرون قدومي و سيذبحون ثلاثة عجول لإقامة الفرح و اعتذرت إليه بسبب انشغالي في قفصة و قلت له : سوف أزوركم مرة أخرى إن شاء الله .
و تحدث رئيس المحكمة إلى أصدقائه و اشتهرت القضية و ردَّ الله كيد الكائدين و جاء بعضهم معتذرين و قد فتح الله بصيرة البعض منهم فاستبصروا و أصبحوا من المخلصين ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم .
مؤلفاته
صنّف التيجاني بعد تشيعه مجموعة من الكتب الجدلية والخلافات المذهبية ، أشهرها:
1- ثم اهتديت
2- لأكون مع الصادقين.
3- فاسألوا أهل الذكر.
4- الشيعة هم أهل السنة.
5- كل الحلول عند آل الرسول (ص).
6- اعرف الحق.
7- فسيروا في الأرض فانظروا.
8- اتقوا الله.
9- مؤتمر السقيفة
نشاطاته
يعد التيجاني أشهر الذين اعتنقوا مذهب التشيع على مستوى العالم. وعرف التيجاني بكثرة أسفاره ولقاءاته بالعلماء والمفكرين وبالجماهير المسلمة. كما لا يتردد بالظهور في وسائل الاعلام والتصريح عن مواقفه وأفكاره التي لا تعجب بعض المسلمين والمؤسسات الدينية وخاصة من الوهابية. لذلك تعرض إلى حملات تشكيك ، واعتبروه مرتداً وخارجاً عن الدين. ووصل الأمر إلى نشر كتب تهاجم التيجاني مثل (كشف الجاني محمد التيجاني في كتب الأربعة) لعثمان بن محمد الخميس و كتاب (بل ضللت) لخالد العسقلاني، إضافة إلى مئات المقالات في المواقع السلفية.
بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 صار التيجاني يزور العراق بشكل متواصل ويبقى فيه أسابيع ، يشارك في المؤتمرات ويلقي خطابات فيها ، ويزور الشخصيات الدينية والمراجع وممثليهم والمؤسسات التعليمية والتربوية، ويؤدي مراسم الزيارة في المراقد المقدسة لأهل البيت (ع) وأبناءهم وأصحابهم. كما زار مرقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر والشهيد السيد محمد الصدر. كما لبى دعوات وجهت إليه من من العتبة الحسينية ، وكلية التربية للبنات في جامعة البصرة وكلية الكوت الجامعة وألقى فيها محاضرات وشارك بندوات دينية وعلمية.
الشيعة المغاربة في بلجيكا
كانت لمحاضراته وكتبه تأثيرها البالغ لقتدي به الآلاف من المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي. في التسعينيات من القرن الماضي عندما كنت أقيم في هولندا، وأتردد على بلجيكا ، تعرفت على عدد كبير من المسلمين المغاربة المقيمين في بروكسل وأنتويربن الذي كانوا يعتنقون المذهب المالكي ثم تحولوا إلى المذهب الشيعي، علمت بأن هناك قرابة ثلاثة آلاف مغربي تحولوا بسبب قراءتهم لكتاب ثم اهتديت. وكان فيهم أئمة مساجد وأكاديميون وطلاب جامعات ومحامون واقتصاديون وأطباء ومهندسون إضافة إلى عمال وكسبة.
وقد التقيت بنخبة مثقفة منهم ، كانوا قد أسسوا جمعية الوحدة في مدينة أنتويربن، وجامع الرحمن في بروكسل. وكانت لنا نقاشات طويلة ، وطلبوا مني إلقاء محاضرات عن الأئمة عليهم السلام. وأتذكر أنني أقيت محاضرات مثل (الحياة السياسية للإمام الكاظم) و(الحياة السياسية للإمام الرضا). وكانت الجمعية تقيم احتفالا سنوياً في وفاة الرسول (ص) يخصص لما حدث أثناء الوفاة وما بعدها ، بدءاً بمؤتمر السقيفة والخلافة الراشدة.
لقائي بالتيجاني
في عام 1992 دعيت لحضور مؤتمر لأهل البيت (ع) في لندن، أقامته (رابطة أهل البيت العالمية) التي يديرها السيد محمد الموسوي (الهندي). وكان المشاركون من جميع قارات العالم، والتقيت بمثقفين وباحثين وأئمة جمعة وجماعة ومعتنقين لمذهب أهل البيت منهم التيجاني ، وآخر فلسطيني ، وثالث إيطالي وغيرهم.
جمعتني مائدة واحدة مع بعض المشاركين منهم التيجاني وإمام جمعة في سيدني بأستراليا ، وآخر مهندس فلسطيني . ابتدأت الحديث مع التيجاني فقلت له: لماذا آنت قاسي بهذا الأسلوب العنيف مع أهل السنة؟ ولماذا نقاشاتك تمتاز بالشدة؟ على عكس ما اعتدناه من علمائنا وأساتذتنا أن الحوار بالتي هي أحسن وبالمناقشة الهادئة العقلانية.
فأجابني: ربما أنت تعتقد ذلك ولكنني انتهجت أسلوب الصدمة!! لأنني أعرف أنهم بحاجة إلى صدمة أو صعقة كهربائية توقظهم من سباتهم ، وتبعث فيهم الحركة والشعور المفاجئ. فهذه الصدمة تفتح عقولهم وتعيد رليهم توازنهم بعد قرون من الاسترخاء العقلي والاستسلام التام للأحاديث والروايات التي عبأت عقولهم بها، فصاروا لا يرون غيرها ، ولا يجرأون على مناقشتها أو التدقيق في صحتها.
وبحسب خبرتي ودراستي للمتحولين في رسالة الدكتوراه ، أقول إن التحول الديني أو المذهبي قضية قناعة شخصية تتولد في ظروف معينة تفرض تحديات وأسئلة جديدة تزلزل مباني المعتقد السابق، فيسعى الشخص للإجابة عليها ، فيجد نفسه في خضم نقاشات طويلة عريضة قد تنتهي به لمغادرة ما كان عليه ، وبدء حياة فكرية ودينية واجتماعية وسياسية جديدة. لذلك لا يجب التعريض أو الإساءة لمن قام بتغيير عقيدته. في العراق وبلدان مسلمة وغربية أخرى وجدت الشيعي الذي صار سنياً أو مسيحياً. وكذلك السني والمسيحي والصابئي قد تحول إلى التشيع، والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.
من الأمور التي لاحظتها أن من يدخل في دين أو مذهب جديد يكون متعصباً لعقيدته الجديدة ، مدافعاً عنها بحماس وأحيانا بشدة وعنف، وكأنه يريد أن يثبت أن ما قام به هو صحيح وحق. كما يلاحظ أن كتابات وأدبيات المتحولين غالباً ما تركز على نقد العقيدة السابقة مع أنه قد غادرها ولم تعد تشكل أهمية في فكره ومعتقداته. وهذه الظاهرة تاريخية وليست معاصرة أو حديثة. فهناك كتب (الرد على النصاري) ألفها بعض المثقفين الذين اعتنقوا الإسلام. وهناك (الرد على اليهود) أيضاً ، ولدي مصادر كثيرة تبحث في هذا الجانب.























