

رجال من وطني.. محمد يونس السبعاوي “١٩١٠ – ١٩٤٣”
الحلقة الخامسة:
ا . د عدنان البك
– السبعاوي في جبهة القتال ضد الإنكليز:
أخذ (السبعاوي) ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية بين العراق وبريطانيا في ٢ أيار على عاتقه مهمة تعبئة الجماهير وتنظيم المقاومة الشعبية. ولم يكتف بذلك بل شارك في القتال ضد القوات البريطانية في جبهة القتال٬ ولضمان تعبئة الجماهير وتنظيم عملية مشاركتهم في الجبهة. كان السبعاوي في مقدمة العناصر القومية التي دعت الى تشكيل (كتائب الشباب) التي أوكلت قيادتها الى عدد من أركان (الحزب القومي العربي السري) كان في مقدمتهم درويش المقدادي٬ وقد أظهر (السبعاوي) حماسة شديدة في أثناء اجتماعات مجلس الوزراء٬ من أجل حصوله على تأييد الحكومة ودعمها لهذا التنظيم الشعبي المقاتل.

تألفت (كتائب الشباب) من طلبة المدارس الثانوية والكليات ودار المعلمين فضلا عن أعضاء نادي المثنى بن حارثة الشيباني وبمعية الجوال العربي٬ وقد قسمت الى تشكيلات ضمت كل تشكيلة طلبة مدرسة أو كلية معينة٬ يقوم على رأسها مسؤول عنها يقوم بقيادتها وترتبط هذه المجاميع أو التشكيلات مباشرة بقيادة الكتائب التي ضمت كلا من: درويش المقدادي والدكتور سليم النعيمي والدكتور عبد الكريم كنه وإبراهيم شوكت وحسن الدجيلي وعبد المجيد القصاب وعبد الرحمن البزاز وعباس كاشف الغطاء. وكان هؤلاء على اتصال مباشر ويومي مع السبعاوي ويعملون بتوجيه منه٬ وكانت دوافع تشكيل الكتائب٬ هي اعتبارها أولا بمثابة (الخط الدفاعي الثاني) عن العاصمة٬ كما انيط بها مسؤولية حفظ الامن والنظام والاشراف على نقل المواد التموينية وتوزيعها٬ ومراقبة الأسعار٬ كما ساهمت في حفر الخندق الدفاعي المحيط ببغداد لغرض الدفاع عنها عند الضرورة.
بعد مضي وقت قصير على بدء القتال٬ وإزاء الإمكانات المحدودة للقوات العراقية في الصمود أمام القوات البريطانية الزاحفة نحو العاصمة بغداد بعدئذ٬ سعى السبعاوي الى اقناع القادة وأعضاء الوزارة بضرورة تحويل الجيش الى (قوات فدائية) تضم الراغبين في القتال من رجال الجيش وكذلك المتطوعين من أبناء الشعب٬ وقد جوبهت هذه الفكرة بمعارضة قادة الجيش.
أبدت بعض الأطراف العربية (مصر والمملكة العربية السعودية) والدولية الإقليمية مثل تركيا٬ استعدادهم للتوسط من أجل وقف القتال والوصول الى تسوية سلمية واستجابة الحكومة العراقية لهذه الوساطة٬ وأرسلت ناجي شوكت (وزير الدفاع) الى أنقرة لهذه المهمة وأرسل لهم الشروط٬ لذا اجتمع مجلس الوزراء للمداولة حولها وأقر الموافقة عليها بالإجماع٬ في حين انفرد السبعاوي في رفضها٬ وكان من رأيه انه لا يمكن التفاوض مع الإنكليز قبل الجلاء وان قبول هذه الوساطة هو من قبيل (الخيانة). ولعل وجهة نظر السبعاوي في رفض الوساطة كانت قائمة على أساس ان بريطانيا أرادت من هذه الوساطة كسب الوقت حتى تتمكن من استكمال استعداداتها العسكرية لشن هجومها على القوات العراقية.

وعلى ما يبدو ان (السبعاوي) كان مصيبا في إصراره على رفض الوساطة المذكورة٬ وذلك لان الإنكليز كانوا عازمين فعلا على تصفية الثورة واجهاضها في العراق٬ وان هذه الوساطة لم تكن سوى مناورة بريطانية قصد منها كسب الوقت واحداث الانقسام بين قادة الثورة.
بعد اخفاق القوات العراقية في استعادة سيطرتها على مدينة الفلوجة التي سيطرت عليها القوات البريطانية في ١٩ أيار. شكل السبعاوي قوة قتالية من المتطوعين العراقيين والعرب٬ ويبدو ان مسعاه هذا جاء رد فعل على رفض مقترحه السابق والقاضي بتحويل الجيش الى (قوات فدائية) تقوم بمهاجمة القوات البريطانية٬ لذا عمد السبعاوي الى تشكيل هذه القوة وقد عرفت بـ (قوة السبعاوي) الذي استحصل فيها موافقة رئاسة أركان الجيش على تشكيلها٬ واستطاع أن يجند عدداً كبيراً من المتطوعين العراقيين والعرب القاطنين في العراق.

قاد (السبعاوي) هذه القوات في صدر اليوسفية وكان منذ بداية القتال دائم الوجود في الجبهة٬ حيث كان يقضي ليلته هناك ثم يعود في الصباح الباكر لمزاولة أعماله في مقره بوزارة الاقتصاد٬ وقد تمكنت هذه القوات من صد هجومين بريطانيين متتاليين على القوات العراقية في (أبو غريب) وبمساعدة كتيبة الخيالة الثالثة التي كانت بقيادة محمود هندي ـسوري الجنسية). وقد تميز السبعاوي خلال هذه المشاركة بالشجاعة والاقدام وكذلك الحرص الشديد على حياة المقاتلين ودائم التنقل فيما بينهم لخشيته من تعرضهم للقصف الجوي البريطاني٬ وكان يثير في نفوسهم النخوة العربية وكان كثيرا ما يردد ( هذا يوم الجهاد الواجب علينا أن نحارب الاستعمار). واستمر السبعاوي في قيادته لهذه القوة في جبهة القتال وعبثاً حاول بعضهم إقناعه بضرورة ترك الجبهة والعودة الى بغداد. وكان يردد دائما قول الشاعر: (وان الذي يسعى لتحرير امة يهون عليه السجن والنفي والشنق)
وهكذا اندفع السبعاوي بكل جوانحه للدفاع عن بلاده٬ والقضية التي يؤمن بها٬ وكان لمشاركته الفاعلة هذه سببا فعالا لإدانته فيما بعد٬ لاسيما وان الإنكليز كانوا قد نقموا عليه بشدة لأنه كان كذلك على رأس الذين قاموا بمقاومتهم بقوة السلاح.

– السبعاوي حاكماً عسكرياً:
في ٢٩ أيار ١٩٤١ غادر قادة الثورة من العسكريين والمدنيين الى إيران٬ بعد أن فقدوا زمام السيطرة على الموقف٬ وفي ذلك الوقت كان (السبعاوي) لا يزال في جبهة القتال في اليوسفية٬ وبعد ورود هذا الخبر إليه عاد فجر يوم ٣٠ أيار الى بغداد.
وعند لقائه بمحمد صديق شنشل (مدير الدعاية العام) رفض مغادرة بغداد وأصر على مواصلة المقاومة. وبالفعل صدر بيان من مديرية الدعاية العامة أذاعته إذاعة بغداد ثم إذاعة برلين بأن تم تعيين محمد يونس السبعاوي (حاكما عسكريا على بغداد والمنطقة الجنوبية) وبالفعل صباحاً مارس (السبعاوي) مهامه حين شغل غرفة رئيس الوزراء وقام بتوزيع (٤٠٠) مقاتل من كتائب الشباب في أنحاء بغداد للسيطرة عليها. كما اتخذ لنفسه حرساً خاصاً عرفوا باسم (حرس السبعاوي الفدائية) وكان عددهم (١٨) حارساً. اتصل السبعاوي برؤساء العشائر ومتصرفي الألوية (المحافظات) لتأمين دعمهم للجيش والمتطوعين للقتال.
وكانت وزارة الدفاع قد شكلت لجنة في ٢٨ أيار ١٩٤١ برئاسة أرشد العمري (أمين العاصمة) وعضوية كل من : خالد الزهاوي ٠متصرف بغداد) وحسام الدين جمعة (مدير الشرطة العام) والعميد حميد نصرت (ممثلاً عن الجيش)٬ وانيطت بهما مهمة الحفاظ على أمن وسلامة الأهالي وممتلكاتهم ووضع بأمرتها فوج مشاة فضلاً عن الانضباط العسكري والشرطة.

اجتمع السبعاوي بـ (لجنة الأمن الداخلي) في مقره في ديوان رئاسة الوزراء٬ أبدى السبعاوي لهم استعداده للتعاون معهم٬ لكن اللجنة لفتت نظره الى خطورة تعرض بغداد لويلات القتال وخطورة ذلك على النساء والأطفال٬ لكنه طمأنهم بأن بغداد ستكون بعيدة عن هذا الاحتمال٬ فطمئنت اللجنة. ومع هذا اتخذ السبعاوي التدابير الكفيلة للمقاومة داخل بغداد ويومئذ عرض سفير اليابان استعداد بلاده لإرسال النجدات والأسلحة والاعتدة٬ إذا استمر العراق في صموده ومقاومته للإنكليز. ويذكر انه جرت محاولة انكليزية قام بها كلوب باشا (القائد البريطاني للجيش الأردني (الفيلق العربي) المتحجفل مع القوات البريطانية المكلفة بضرب وغزو العراق٬ للتفاوض مع السبعاوي بغية وقف القتال وعقد الهدنة٬ إلا ان السبعاوي رفض ذلك.
وبعد أن تأكد لأعضاء (لجنة الأمن الداخلي) مغادرة قادة الثورة العراق ولجوئهم الى ايران – كما سنرى –
























