تحليل قصة فاكهة الغرباء لمحيي الأشيقر
الضرب على أوتار الحكاية
حسين سرمك حسن
لقد أحكم القاص أولا تحقيق المفارقة التي ــ وفق أطروحات معلم فيينا في كتابه الشهير سيكولوجية النكتة ــ لا يمكن أن تحقق فعلها من دون الإطاحة بالمنطق من ذرى الجد الدلالي إلى سفح المسخرة الاستعمالية التي تبدو بلا دلالة، في حين أنها تستر الدلالة إيحائيا بمكر مسموم. في أكثر من خمس مواضع كما أتذكر ، يسير سياق الحديث بين الأربعيني والسارد بصورة جدّية حادة ، ليكسره بـ انخفاض هائل ومفاجيء في المنحى السردي » الصياغة اللغوية ، والدلالي الذي يولّد فراغا هائلا في النفس يشكل مقدمة للرهبة والانتعاش ، مثلما ــ ودعوني أقرب الحالة بشكل تقريبي لكنه ليس دقيقا تماما ــ تهبط بك سكة الموت بعد صعود عارم ولكن مع الفارق في السرعة طبعا. خذ أمثلة
أرأيت مضى وقت ليس بالقصير وأنا أحدثك… قل لي أتذكر العراق.. ألا يشبه اسدا مكتفا ؟.. انحنى بجسده لعربة مشترياته بلحظة خاطفة، مرددا بصوت خارج إيقاع حديثه لي
على صخرة التحالف العربي الكردي ستتحطم مؤامرات الإمبريالية والاستعمار والرجعية ــ ص 122 .
في إحدى نقاط الحدود المشتركة لفوضى حدود البلدان والولايات أوقفت للتفتيش، هذه النقطة اسمها كويته اسمها يشبه اسم الكويت ها ؟ أنثى وأنثى.. لو فرع وأصل.. الله يستر ــ ص 124
والأهم في هذا الإطار ، والأكثر مفاجأة هو تلك الحركات المفاجئة التي تحصل بعد حديث جدي طويل ، ولكن ليس لطرح فكرة خفيفة توازن ثقل أطروحات سابقة ، أو كوميدية توازن أو تفوق حالة أسى ماضية ، ولكن لكشف وضع إنساني أصيل مفارق وممزق ولكنه مضحك. هي تلك الحركات التي تأتي بعد حديث حاسم.. يدخل صاحبنا رأسه في عربة حاجياته فينطق بخطاب غريب لا نتوقعه ابدا فيزلزل كياننا ضحكا وسخطا في الآن نفسه
فجأة برك على ركبتيه بمواجهة عربة خاصة بحمل الرضع والصغارـ هامساً هلو بابا عامر .. وهو يخرج علبة بسكويت وزجاجة صغيرة لخليط الكاكاو وتلحليب ، فتح الزجاجة بأسنانه وبصق غطاءها إلى البحر ــ ص 113 .
تعجبك البيرة ؟
ركع أمام عربة أغراضه بليونة جسد رياضي هامساً بسرور ها.. بابا كامل ؟ .. إلخ.
ومع كل حركة مفارقة يتكشف لنا وجه طفل جديد لصاحبنا ، لكننا لا نراه.. نتعرف عليه بدلالة اللغة المراوغة ونيات القاص الماكر.. وهذه هي الكوميديا السوداء الملتحمة بذاتها.. وهي لا يمكن أن تكون إلا سيرة حياة عراقية صلبة..
الكلام يوكّل خبزا
وبين بلاغة متأخرة لكنها بسيطة حدد بها صاحبنا قيمة الكلام بخلاف التصور العادي من أن الكلام لا يوكل خبزاً
الناس، أقصد البعض منهم، كثيرا ما تردد أن الكلام لا يطعم خبزاً، وأنا في أحيان كثيرة مع هؤلاء ، ولكن ألا ترى معي في أحوال أخرى أن الكلام يسقي الذاكرة وينعش روح المكروبين ــ ص 123 .
إن الكلام حين يكون أداة تفريغ حقيقية مع جهة مؤولة أو مؤمثلة تخاطبها الروح المكلومة المنخنقة بآلام وخسارات لا يدفعها عنها حتى الله.. لا تبقى لديها سوى فاكهة واحدة تكون بلسما لجراحاتها العميقة.. فاكهة العذاب والهجرة واللجوء والشتات والمهانة.. وتوريد الأفاعي .. أفاعي من نوع الكوبرا القاتلة. أقول أن الكلام هو فتح علاجي.. هو سبيل اللاشعور لتعبير عن احتصاره المحتقن بدقة ودلالة.. هو فاكهة اللاشعور الجائع المحاصر الشريد..
توظيف اللغة العامية
إن حقيقة وجود لغتين في الحياة الثقافية العربية واحدة فصحى ، والاخرى عامية ، يجب ان لا تخلق اختلاطا مربكا يضيع على المبدع إمكانية استغلال الطاقات الخلّاقة لكل منهما ،مادامتا حقيقتين لا يمكن التغافل عنهما. وقد استثمر محيي مفردات اللغة العامية العراقية وتعبيراتها بصورة خلاقة ودقيقة ، ليس للتعبير عن المشاعر المحتدمة لشخصياته وفي مقدمتها الرجل الأربعيني المُحبط حسب، ولكن في خلق تناغم محكم بين الشخصية بخلفيتها الثقافية والاجتماعية والمهنية، وبين لغة خطابها التي لا ينبغي أن تُحمل بمدلولات وصياغات شعرية صاخبة على طريقة أخينا ماركيز تحت غطاء الواقعية السحرية. لقد استخدم القاص أفعالا واسماء جاءت في موضعها الصحيح ولا يمكن أن يعوّضها ــ من وجهة نظري ــ المرادف اللغوي الفصيح. من هذه الأفعال والأسماء والصفات مخبوص ، زمال ، متردم ، هسّه،
أما التعبيرات التي جاءت في صورة جمل نابضة بالحياة التعبيرية الصادقة والمؤثرة فهي كثيرة ، وخذ مثلا
الله وكيلك ومحمد كفيلك
هسّة وكت سعدي الحلّي
بربو ما يغر
الغربة قلبتني على البطانة
هذا مو ـح شيلمان.. تفهم علي ؟
لكن ما تميّزت به أسلوبية الأشيقر ليس في هذه القصة حسب ، وإنما في المجموعة كاملة ، هي البساطة التعبيرية؛ بمعنى صياغة الجمل والفقرات بلغة سمّيت بـ اللغة الثالثة في وقت من الأوقات.. لغة الجريدة تقريبا.. لكنها في القص ــ وبأنامل محيي ــ فإنه يحييها من مواتها الذي فرضته الرتابة الاستعمالية وتراكم صدأ التكرار. في القصة الكثير من هذه الاشتغالات ، ولكن هناك موقف تعبيري لا يمكن تجاوزه.. موقف يعبر عن لعبان نفس العراقي من الحروب والحصارات والإنذلالات والضيم والقهر يقول فيه صاحبنا
لم يكن هناك من طريق آخر للهرب سوى أن أطلق النار على نفسي ؛ وأنا لا أريد ذلك. ليس الخوف هو ما جعلني أهجّ.؟ أنا لا أخاف أصلا. والعراقي لا يخاف عموما. هذا مو ـح شيلمان ، تفهم علي؟ ألست بعراقي ؟ شنو اللي جابك لآخرالدنيا ، لهنا ؟ ما أريد أعرف الجواب ، أقصد أنا قادر أن أعرف. الحرب تعفّنت بنا وبأشلائنا وأعمارنا. لعبت نفس الحرب منّا.. ملّت.. لقد شبعت من موتنا وراحت تتقيأ بنا وعلينا ، وهي من علمتني أن أشوف الحياة بطريقة أخرى ، قد لا تصدّق إذا ما قلت أنها كانت تشبه أبي ، إنها توأمه، لشدّة قبح نفسه ــ ص 120 .
فشل مهمة قتل الأب التاريخية
لقد كان من المفترض أن تحفز الحرب ــ وحسب نظرية صاحبنا المبسّطة ــ جيلا كاملا ــ ووفق أطروحة معلم فيينا العظيمة ــ نحو إنجاز مهمة قتل الأب التي من المفترض أن تتبعها ثورة حضارية هائلة على كل الصعد.. لكن الذي حصل هو أن الاب قتل الأبناء.. أخصاهم رمزيا.. ثم تكشف أنه هو نفسه مخصي نفسيا. وسوف تترتب نتيجة هائلة في سيكولوجية جيل الأبناء هي مزيج من الإقبال والإدبار.. الحب والكره.. النقمة والرضا.. تجاه هذا الأنموذج الأبوي الذي يُسمّى العراق . فعلى الرغم من كل عوامل السحق والمهانة والتضييع المخطط.. يقعي أبناء هذا الجيل مستخذين عند قدمي أسد بابل الأب. ليرسموا بقدرة مخيلتهم المنجرحة حكاية أسطورية عن شكل خارطة وطنهم لا تقل مرارة عن حكاية مزاحم والأفعى .
ذات مرة جلسنا؛ الروائي طه حامد الشبيب وأنا، نتأمل خارطة العراق المعلقة على جدار بيتي.. قال طه ألا تشعر أن شكل خارطة العراق يوحي إليك برجل يجلس على كرسي مسترخيا و مدندل رجليه؟ وافقته على الرغم من أنني كنت أتخيل معنى آخر. وفي هذا النص ، وعند هذا الموقف المحتدم ، وبعد أن تذمر صاحبنا من سكوت محدثه الصموت ، بالرغم من أنه افضى له بكل شيء عن حياته حتى في جوانبها السرانية ، وتحدث إليه عن الناس والحرب والفاكهة والأفاعي والتهريب ، والسراديب, والسجون، و قصّة حبي ، وشيب أبوي .. يسائله عن سر تأمله لماء البحر.. ألم يشبع من ماء بلاده ؟ يعيدنا محيي هنا إلى تأمل الأربعيني للبحر بلهفة طفل . وعبر هذه الحلقة الانتقالية التي تربط بين ماء البحر وماء الرافدين في بلاد السارد الأصلية تبدأ تداعيات صاحبنا الأسطورية المرتبطة بالإيحاءات المتخيلة لخارطة العراق
قل لي ، أتذكر العراق ، أعني شكله على الخارطة؟ ألا يشبه اسداً مكتّفاً ؟ أو فد شيء كان له هيئة وملمح وجاءت يد ما ولعبت بخلقته، فإذا به منبعج ومطعوج من أكثر من جهة، وفي أحسن الأحوال يشبه صخرة مربوطة بلباد وحبال.. البعض كان يراه على شاكلة خيّال مقلّد بصفين من الرصاص ــ ص 122 .
إن فقرات ومقاطع أو فصولا أحيانا ، يمكن أن تكون من غرر الإبداع في التعبير عن صراعات النفس البشرية المهضومة.. وعن الحال الإنساني الممزق المستديم بين الخير والشر والذي يحاول الفلاسفة وعلماء النفس تلخيصه بشكل شاف أمام البصيرة الإنسانية فلا يفلحون. وعبر أربعة عقود حافلة بالقراءة المنظمة والمراجعات والتلخيصات المدروسة كنت أبحث عن جملة أو فقرة تعبّر عن محنة العراق التاريخية.. كتبت ذات مرة أقول إن الله عندما خلق العراقي كان يبكي.. قرأت عبارتين خطيرتين
العراق مثل ثمرة البصل كلما قشرتها أكثر سالت دموعك أكثر
العراق كالمسك إذا أردت الحصول على رائحته عليك أن تطحنه
وفي العبارتين الأخيرتين نوع من الروح الرومانسي الشفيف الذي يجمّل المحنة بإيحاءات نرجسية تأتي ردا على الإحباط التاريخي الباهض. لكن محيي الأشيقر يقدم مقطعا يلخص كل عذابات العراق وتناقضاته.. بلد يطفو على بحيرة من ذهب وفيه أكبر عدد من الشحاذين. وليس الأمر مرتبطا بالقرن العشرين فقط.. حتى في عصر هرون الرشيد الذي كان يخاطب الغيمة ويقول لها خراجك لي أينما أمطرتِ.. كانت بغداد مختنقة بالشطار والعيارين والجربان والبرصان والعميان. وعبر كل عصوره كان العراق يُقطّع كل لحظة ويؤكل لحمه الحي بلا رحمة وبلا هوادة.. أحرقت بغداد بعد حريق هولاكو خمس عشرة مرة.. ويصرح صحفي أميركي مبررا احتلال العراق إن في العراق عسلا كثيرا ، ومن الطبيعي أن يجذب ذبابا كثيرا. على أي متن دلالي نتكيء ؟ ومن أي نواة غائرة نستل خيط المعاني..
خلاصة محنة العراق
أنا شخصيا لم أجد تعبيرا هائل الأبعاد شديد الأذى.. مبك.. وحارقا.. يصف حال العراق المجرّح والمحطم ، في حياتي النقدية، أكثر بلاغة في تدمير المشاعر من هذا المقطع الذي قاله الرجل الأربعيني للسارد بعد أن حدثه عن المعاني المتخيلة لشكل خارطة العراق
قال انظر إلي، تخيّلني أنا العراق بدل الخارطة والخيّال، سترى إن رأسي مقطوع ومعلق على الباب العالي، وأقدامي مهروسة أسفل دبابة بصحراء الجزيرة العربية، وذراعي الأولى مركبة على بدن شحاذ تدور في شوارع طهران بحثا عن صدقة، والثانية مقطوعة ايضا ومحفوظة بثلاجة جثث برقم خاص في مستشفى حيفا بإسرائيل ــ ص123 .
إن تقطيع الجسد العراقي ليس عملية أسطورية وخرافية متخيّلة كما في أسطورة دموزي الذي مزّقت جسده الغيلان.. إنها واقعة مادية فعلية لصيقة بتاريخ هذه البلاد.. فالرأس المقطوع لم تنته حكايته عند رأس الحسين بن علي عليهما السلام.. بل امتدت حتى يومنا هذا بعد الإحتلال الأميركي القذر.. لقد شاهدنا أمهات يخرجن من دائرة الطب العدلي يحملن فلّينات فيها رؤوس أبنائهن ، محسودات من قبل الأمهات اللائي لم يعثرن على شيء من أجساد أبنائهن المقطعة.. مثلما لم تتوقف حكاية قطع الذراعين عند فاجعة العباس بن علي عليهما السلام ، فجاء الأميركان الخنازير الغزاة ليقطعوا ذراعي الطفل البصراوي علي عباس بعد أن قتلوا جميع أفراد عائلته بفعل القصف الوحشي.. ركّبوا له ذراعين معدنيين في أحد مستشفيات الكويت.. ووجدوا له عائلة تتبناه في لندن والعراق قطعت ذراعاه ولكن لا أحد يتبناه.. وارتباطا بتمثيل مواز لقدرة المخيلة البشرية على الفرار من سطوة الواقع المسنن وتصنيع حلول مماثلة لحل مزاحم والأفعى .. فحين طالت الحرب أكثر من ثمانى سنوات.. وعزّ كل رجاء في انتهائها… ظهرت أحلام تداولها العراقيون.. أحلام متشابهة من البصرة إلى الموصل عن مواطن حلم بشيخ يلبس ملابس بيضاء.. جاءه على حصان أبيض وقال له بأن الحرب سوف تنتهي في يوم كذا وكذا.. إلخ.
ونفس هذه المخيلة تحاول الإنفلات لتداري انجراحات الشخصية الذاتية.. وهي داخل بلادها تبني تصوّرات فائقة عن جسم وطنها على الخارطة.. وتشكل الأحلام الجمعية عن منافذ الخلاص.. وهي خارج بلادها ترسم حكايات عجيبة غريبة هي أقرب إلى الخيال.. في المنافي حكاية مزاحم والأفعى.. بل حكاية فاكهة الغرباء التي تقدم لك أنموذجا لا يُصدّق عن مسيرة الشتات العراقية التي كادت تشمل كل الكرة الأرضية تصوروا عراقيين يحصلون على اللجوء في جبل طارق لم يصله من قبل سوى السبع طارق بن زياد .. وصاحبنا الذي جعله القاص من دون إسم كي يعمم أنموذجه علينا ، هرب من الحرب إلى الجهة الأخرى.. تزوّج.. واشتغل بالتهريب وزاد حمله العائلي فصاروا يبتزونه عندما فكر بالإنسحاب والهرب.. حجزوا زوجته وأطفاله كرهائن مقابل أن ينفذ عملية أخيرة.. أن يجلب لهم أفعى.. فسافر وعبر ثلاثة بلدان في رحلة من رحلات ألف ليلة وليلة.. وجلب الحيّة موضوعة في سفط.. وعند إحدى القرى في طريق العودة، سلب عقله ديك غريب الحجم عجيب الألوان اشتراه كي يفيده في مراهنات عراك الديكة ولو رفعت اسم محيي الأشيقر عن هذا النص لاعتقدت أنك إنما تستمع إلى حكاية من حكايات شهرزاد عنوانها الليلة الثانية بعد الألق حكاية الأفعى والديك .. وليس عبثا أن تظهر سيدة الحكايات ألق ليلة وليلة ، في بغداد.. فيغداد هي الحاضنة التاريخية لكل ما لا يصدقه العقل.. وفي إحدى نقاط التفتيش المشتركة لفوضى حدود البلدان والولايات كما يقول أصر أفراد الشرطة على فتح السفط.. وحين فتحه وظهر رأس الحيّة المثلث انرعب الجميع ، وباغت الديك الأفعى بضربة من منقاره قلعت إحدى عينيها ، فقفزت وسط الهياج واختفت.. وسُجن صاحبنا بعد انكشاف المخدرات المخبأة في السفط. وفي السجن الذي هو مدرسة كما يقول أصبح صاحبنا شخصا آخر
لقد جعلني السجن شخصا آخر، وقررت الحياة بأي ثمن. قلت نعم بكل المناسبات ، ولكل شيء ، نعم للدين، وأخرى للشيوعية ، وثالثة للقومية، والرابعة للديمقراطية، نعم للكذب والصدق والمشروب والنساء والكره والحب والضحك والضمير والنصب والصداقة والإيمان والكفر.. المهم أن أعيش وأعيّش الخمسة الذين صاروا سبعة، كلابي وقططي، أقصد أولادي. فعلت كل شيء تتخيله ، لا تستغرب. عندما يكون الإنسان بعيدا عن مجتمعه وأهله وذكرياته وفرص حياته العادية، يفعل كل شيء. أنتم هكذا تحللون وتقولون، أقصد هم من يقولون ذلك بالكتب والجرايد. هل في كلامي مبالغة؟ ــ ص 125 و126 .
محنة النخبة مثلما هي محنة الهامشيين
وليس في كلام هذا الإنسان الخرافي أية مبالعة.. لكنه واقعٌ في وهم أن الخلخلة السلوكية والاضطراب النفسي الذي عانى منه هو كإنسان بسيط ذي خلفية اجتماعية مرتبكة ، وبلا ثقافة عالية، هو أمر لصيق به. وأن المثقفين الذين يحللون الأمور في الكتب والجرايد هم الذين يشخصون هذه الظواهر. كلا. إن صفوة النخبة العراقية المثقفة واقعة في نفس المصيدة. عانت ليس من رحلة الشتات والصيف حسب ، بل من تلوناتٍ رائدها الـ نعم التي تُطلق استجابة لأسوأ الإختيارات ، وسحقا لأكثر المباديء قداسة. لقد قال صاحبنا المحطم نعم لكل شيء ، ولكنه بلا تأثير لأنه أصلا إنسان هامشي، لا تتعدى التأثيرات السلبية لـ نعمه هذه ، حدود دائرة وجوده الشخصي ووجود الناس المرتبطين به.. لكن سل عن نخبة من المثقفين العراقيين يجتمعون للموافقة على حدود الكويت الجديدة مقابل 500 مليون دولار تقدمها الأخيرة دعما لمعارضتهم سل عن المناضلين الذين يحفر رفاقهم نفقا للهروب، فينسلون ليلا ويغدرون بهم راجع مذكرات حسين سلطان صبي ؟ سل عن كبار شعراء العراق ممن مدحوا الاحتلال البريطاني ثم مدحوا ثورة العشرين ضده ثم شحبوها أمام كوكس بعد أن فشلت ؟ سل عن الشاعر الذي قال بعد الاحتلال إنه كان يطلب من الأطباء كسر ساقه وتجبيرها كي لا يقرأ شعرا امام الطاغية ، والشعب بأكمله شاهده على شاشة التلفاز يقرأ شعرا أمام الطاغية في القصر الجمهوري قبل أيام من الاحتلال ؟ سل عن الشاعر الذي كتب نبذة عن بطولاته في التوسط لدى الراحل عدنان خير الله لاطلاق سراح صديقه الشاعر الكويتي الأسير في عام 1991 ، وعدنان خير الله مات عام 1989؟ سسلة طويلة عجيبة من المتناقضات المدوخة تجعل انموذج محيي الاشيقر هذا خلاصة سلوكية وسيكولوجية لنا جميعا.. إنه أنموذج شعب.. لكن ما يشفع له هو أنه ضحيّة.. ضحية للتاريخ والجغرافيا والسياسة والحروب…
حكاية الغرباء تتناسل
لكن هل انتهت حكاية الغرباء وفاكهتهم عند هذا الحد من العذاب المميت ؟
بعد السجن بدأ صاحبنا رحلة تيه جديدة ، فعلى مدى عام ونصف سافر إلى إسبانيا والنرويج ورومانيا والدنمرك وفنلندا. وفي كل مطار كانوا له بالمرصاد. وأخيرا، وفي مطار استوكهولم، سكب الكحول النقي على أطفاله وهدد بإحراقهم.. فجاءت النتيجة إيجابية.. وحصل على اللجوء في السويد.
ومن جديد ، هل انتهت حكايتنا ــ وخصوصا في روحها المتعلقة بمزاحم والأفعى » الكوبرا ــ عند هذا الحد المربك والمشبع ؟
يعود القاص المقتدر إلى الضرب على أوتار الحكاية الخرافة بأبعاد نفسية جديدة وثرة.. أفعى الكوبرا الآن هي رمز للنفس العراقية المكلومة التي ما أن تمتليء حتى تستقر وتستكين.. بل ترقص للحياة والأمل والنماء… ولكنها عندما تفرغ ــ والساتر الله ــ تبدأ بإطلاق زعيق العذاب.. ولا تكتفي بتدمير الموجودات حولها.. ولكن ــ وهذا هو الأهم والأخطر الذي عرضه القاص ــ تدمّر ذاتها ، وقد قدم تورية محكمة على لسان صاحبنا الذي وجد في ألمانيا حصالة نقود عجيبة على شكل ــ من جديد ــ أفعى الكوبرا
سافرت إلى ألمانيا، ومن سوبر ماركت مشهور يبيع لعب الأطفال ، اشتريت حصالة نقود عجيبة الهيأة، تتسع لكميات كبيرة منها، خاصة القطع المعدنية، هذه الحصالة ما إن تمتليء بما يوضع بها تبدأ بالرقص. هكذا وما إن تفرغ أو تكون قطع النقود قليلة، تبدأ بين آونة وأخرى بإطلاق أنين مفزع يشعر السامع بوجود كائن ما معطوب بمرض خطير. تجاهلها يعني تصاعد الأنين واالتضرّع وتفشّي رائحة مرض، هي على شكل افعى من نوع الكوبرا ، لها مكّوك يشغل ببطارية ــ ص 127 .
وبهذه الخاتمة التي تنتهي بالأفعى ، والتي تعود بنا إلى نقطة البدء التي انطلقنا منها من موضوعة الأفعى، يغلق القاص دائرة القصّة ، دائرة حكاية العذاب العراقية التاريخية الخرافية المميتة.. تنغلق على نفسها مثلما تنغلق دائرة محيطها الحيّة التي تعض ذيلها..
تحية لمحيي الأشيقر..
هامش
ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ
فاكهة الغرباء ــ محيي الأشيقر ــ مجموعة قصصية ــ دار شرقيات ــ القاهرة ــ 2008
AZP09
























