الإسلام السياسي والحركة الوطنية المصرية

الإسلام السياسي والحركة الوطنية المصرية
سمير درويش ــ القاهرة
مشروع الإسلام السياسي لم يكن جزءاً من الحركة الوطنية المصرية في كل تاريخها الحديث، الذي يبدأ منذ بداية القرن التاسع عشر، مع فشل الحملتين الفرنسية والإنجليزية وتولي محمد علي حكم مصر، ببساطة لأن المنتمين إليه يرون أنه مشروع سماوي منزه، أكبر من فكرة الوطن الضيقة التي يتحصن خلفها الوطنيون، فمنذ نشوء تلك الطبقة التي أطلقت على نفسها اسم رجال الدين بعد نجاح ثورتي القاهرة في إزاحة خورشيد باشا، وهي تتصرف كوكيل عن الشعب يدعي أنه يعلم مصلحة موكله أكثر مما يعرفها هو نفسه، من منطلق أنها تنفذ إرادة الله وأحكامه ومثله العليا.
هذا الفهم الذي يتخطى فكرة الدولة والشعب والمصالح الوطنية جعل الإسلاميين السياسيين يقفون ضد الحركات الثورية في كثير من الأحيان، ويتحالفون مع الطغاة، كتحالفهم مع الملك فاروق، في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين ضد الشعب الذي كان في حالة ثورة دائمة بطوائفه كافة، خاصة الطلبة والعمال، لمجرد أن فاروق سعى إلى الخلافة الإسلامية بعد ثورة أتاتورك في تركيا، وكتحالفهم مع أنور السادات في بداية السبعينيات ضد قوى اليسار التي كانت تدفع في اتجاه الحرب والحفاظ على المكتسبات الاشتراكية التي تحققت في عهد جمال عبد الناصر، لكن تحالفاتهم هذه ليست إلا خطوة مرحلية هدفها التمكين لمشروعهم الأساسي، لذلك انقلبوا على فاروق وعبد الناصر والسادات حين اختلفت الرؤى.
موقف تيار الإسلام السياسي من فكرة الوطنية المصرية وضعها في موقف عداء، بتفاوتات محسوبة، مع نظم الحكم المتوالية من جهة، ومع الحركات الوطنية بأشكالها المختلفة الليبرالية والاشتراكية من جهة أخرى، لكن عداءها الأكبر كان وما يزال مع المشروع الناصري لأنه الأوضح ميلاً إلى بناء دولة قومية عربية تضم وترعى وتقوم على سواعد الشعب العربي الذي يشترك في اللغة والثقافة والعادات والتقاليد والتاريخ والجغرافيا، في حين تنشد تلك التيارات دولة الخلافة القائمة على وحدة الدين الإسلامي فقط، فالمسلم الماليزي أو الباكستاني أقرب إليهم من المسيحي المصري الذي نشأ وتربى وتعلم وحارب من أجل الوطن، وقد قال ذلك صراحة المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ مهدي عاكف. عداؤهم للمشروع القومي الناصري لم يخففه انحياز جمال عبد الناصر الواضح والمبدئي للفقراء والمعدمين من الفلاحين والعمال وقد جاء الإسلام في الأصل لنصرتهم وانتزاع حقوقهم وحريتهم ، ولم يخففه كذلك محاولاته لإحداث نهضة شاملة في مصر، صناعية وزراعية وتعليمية وصحية وعسكرية، ولا نصرته للشعوب المقهورة والمحتلة حول العالم، ومعظمهم من المسلمين، فيما عرف بحركة التحرر الوطني.. إلخ، بل إنهم أصدروا فتاوى تحريم قانون الإصلاح الزراعي، وتحالفوا مع الشيوعيين للوقوف ضد تنفيذه، كل على أرضيته الفكرية، وأنشأوا التنظيمات السرية والفرق المسلحة، ووصل الأمر إلى محاولة اغتيال عبد الناصر نفسه مرتين عامي 1954 و1964.
هذا العداء التاريخي بين التيارات الإسلامية ونظيرتها الوطنية لم يمنع تقاربهما في بعض الأحيان، خاصة حين يكون نظام الحكم سيئاً بما يهدد مصالح الوطن ومستقبله، حدث هذا في نهاية الحقبة الملكية عندما شارك الإخوان في الكفاح في مدن القناة، وفي نهاية عهد السادات حين انقلب على كل التيارات السياسية وانتهت فترة تحالفه مع الإخوان، بعد أن أفرخت الجماعة عدة تنظيمات راديكالية مسلحة أرادت الانقضاض على الدولة وتطبيق دولتها الإسلامية، كما حدث هذا التقارب في العام الأخير من حكم مبارك، حين عمد أقطاب نظامه إلى تزوير الانتخابات البرلمانية بشكل فج أدى إلى سقوط كل مرشحي الجماعة، فانسحبت من الجولة الثانية واقتربت من د.محمد البرادعي، الذي كان رمزاً لمناهضة النظام المستبد آنذاك. لكن النظر في التاريخ يثبت أن فترات التلاقي بين القوى الوطنية والدينية كانت قصيرة الأجل، وانتهت دائماً بصدام عنيف، حدث هذا بين ضباط الجيش الذين قاموا بالانقلاب في يوليو 1952 والجماعة، وبينها وبين نظام مبارك في بداية توليه الحكم، ثم بينها وبين القوى المدنية التي دعت إلى ثورة 25 يناير 2011، الفارق أنها كانت الطرف المقموع في الحالتين الأوليتين، بينما كانت الطرف القامع في الحالة الراهنة بعد أن استوعبت الدرس، وتعلمت كيف تقيم علاقات متوازنة في الداخل والخارج، وتضبط خطابها المعلن بحيث تقول ما يحب الآخرون سماعه. إن كل الذين يطالبون الإخوان بالمشاركة لا المغالبة، رغم كل الحجج المنطقية التي يسوقونها، لا يقدِّرون الموقف المبدئي الذي تنطلق منه الجماعة، وهو أنها فوق الجميع كونها حارسة الفكرة الإلهية، وأن ما دونها مجرد مارقين لا يجب الالتفات إليهم، فضلاً عن التشارك معهم، بل يجب قمعهم وإسكاتهم لأنهم قوى شر يحركها الشيطان ضد تطبيق شرع الله. أعضاؤها الذين تمرسوا على العمل السياسي قليلاً يحاولون تصوير الأمر على أن الآخرين لا يريدون في العمق التعاون معهم لإفشال تجربتهم، لكن أصفياء الفكرة يقولون بوضوح إنهم الأسياد الذين هم أولى بالاتباع من العبيد، ويجاهرون بتكفير المعارضين لأنهم يعارضون حكم الله.
كثيرون من القوى الوطنية يندهشون من أن الجماعة تعمل ضد نفسها، فالتصريحات والأفعال الخطأ تصدر في التوقيت الخاطئ مما يقلب ضدها القوى الداخلية والخارجية، فكلما هدأت الأوضاع خرجوا علينا بما يعيد تأجيج الصراع، كقرار عودة مجلس الشعب المنحل، والاعتدء على المتظاهرين، وفرض دستور معيب، فضلاً عن إصدار إعلان دستوري غريب في شكله وتوقيته، وضرب الناشطين وسحل المتظاهرين وتعذيبهم وقتلهم، وصفع النساء، والاعتداء على القضاء ورموزه، وتلفيق التقارير الطبية، وإطلاق التصريحات النارية ضد الجيش، والاعتداء على الإعلام والإعلاميين.. إلخ كل هذه المواقف التي سرعان ما تنكشف وتعري الجماعة وتظهرها بمظهر المرتبك قليل الخبرة، ومؤسسة الحكم بمظهر القامع للحريات.. لا يعلم المندهشون أن أولويات الجماعة غير أولوياتهم، فهي لا تهتم بصورتها لديهم وما يقولونه عنها، لأنها كما ترى نفسها أعلى من كل من حولها.
/5/2013 Issue 4498 – Date 8 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4498 التاريخ 8»5»2013
AZP07