القاص محمد الأحمد في زمن ما كان لي **

القاص محمد الأحمد في زمن ما كان لي **
تطويع سردي لحقائق جمالية **
وجدان عبدالعزيز-بغداد
كانت قراءاتي في ذلك اليوم مزدحمة، تنقلني في تصاعد الى مناطق اكثر اغراءا، وانا اجد لاشيء غير مرآة تتراءى لمرآة وسكون يهيمن على سكون ، حتى كنت في زمن ما كان لي والقاص محمد الاحمد ، ذلك الكاتب الذي اعتمد تجربة عقود من السنين في عالم الكتابة، واكتسب الكثير من المراس والمرنة ، وكما اعتقد فان التجربة تعطي للكاتب القدرة على استعمال القصدية في توجيه لحظات الكتابة وصناعة الافكار والرؤى، وتجربة الكاتب محمد الاحمد في القصة جعلته يعمد الى السرد الذي يحدث تأثيرا مفردا مهيمنا ممتلكا عناصر الدراما، وقد يعتمد شخصية واحدة ذات موقف في لحظة واحدة ، وقد يعمد الى اكثر من شخصية خالقا صراعا وتوترا ، ويذهب بعض الباحثين إلى الزعم بأن القصة القصيرة قد وجدت طوال التاريخ بأشكال مختلفة؛ مثل قصص العهد القديم عن الملك داوود، وسيدنا يوسف وراعوث، وكانت الأحدوثة وقصص القدوة الأخلاقية في زعمهم هي أشكال العصر الوسيط للقصة القصيرة. ولكن الكثير من الباحثين يعتبرون أن المسألة أكبر من أشكال مختلفة لهذا الجنس من الكتابة، فذلك الجنس الأدبي يفترض تحرر الفرد العادي من ربقة التبعيات القديمة وظهوره كذات فردية مستقلة تعي حرياتها الباطنة في الشعور والتفكير، ولها خصائصها المميزة لفرديتها على العكس من الأنماط النموذجية الجاهزة التي لعبت دور البطولة في السرد القصصي القديم. ويعتبر إدجار ألن بو من رواد القصة القصيرة الحديثة في الغرب . وقد ازدهر هذا اللون من الأدب،في أرجاء العالم المختلفة، طوال قرن مضى على أيدي موباسان وزولا وتورجنيف وتشيخوف وهاردي وستيفنسن ، ومئات من فناني القصة القصيرة.وكانت قصص محمد الاحمد في مجموعته زمن ما كان لي لظمت على خيط واحد وتفاعلت مع الزمن اعتمادا على حركة سريعة، نهايتها مفاجأة للمتلقي وخارج مديات التوقع، أي انها تكسر حاجز التوقع، ثم ان القصص شكلت سلسلة من المشاهد تلتحم في نهاية المجموعة مشكلة ما يسمى كتابا قصصيا ارتكز على زمن ما كان لي ، وكما نعلم ان الادب فن زمني والقص اكثر الانواع التصاقا بالزمن، وهناك في القصة عدة ازمنة منها خارجية، أي خارج النص، وهي زمن الكتابة بمعنى وضع الكاتب بالنسبة للفترة التي يكتب عنها ، وزمن القراءة ووضع القاريء بالنسبة للفترة التي تقرأ عنها ، وازمنة داخلية ، وهي الفترة التي تجري بها القصة، وترتيب الاحداث، ووضع الراوي بالنسبة لوقوع الحدث وتزامن الاحداث وتتابع الفصول، ثم زمن السرد من حيث الماضي والحاضر والمستقبل، ومن هذا ينشأ شكلين من تقنية السرد الاول الاسترجاع ويتم فيه ايراد السارد لحدث سابق على النقطة الزمنية التي بلغها السرد، والثاني الاستباق وتتمثل في ايراد حدث او اشارة اليه مسبقا، ويتبع زمن السرد من حيث السرعة والابطاء، كالخلاصة في ايجاز الاحداث ، ثم حذف بعض الاحداث والاشارة لها، وقد يعتمد الكاتب على صناعة المشهد، يتخلله الوصف وهو ما يسمى في القص الوقف ، لكن الكاتب محمد الاحمد بنى كل مجموعته على زمن ما بدأها بقصة زمن الرجل الاخر التي قامت على السرد الذاتي وتداخل الازمنة وكان الجو النفسي العام لها جو مضطرب ينتابه القلق المستمر، وظل الكاتب ملتزما بالسرد الاني، حيث تداخل الاحداث مع عملية السرد وبقي يروي بنفسه قصته وبلغة كان يداخلها الغموض، رغم انه امسك بالحدث بداية ونهاية وكان الوسط زمنا زئبقيا تداخل مع عدة لذات وكانت اللذة الغالبة، هي الهروب من لذة عابرة والاحتفاظ بلذة ثابتة يقول بقيت كالحائر وجوفي يلتهب عطشا، لا ادري من اين تبدأ الخطوة ، وانا انظر الى نفسي كأنني اكتشفها مع هذه المرأة في بيت مغلق.. كانت تحدثني بانها اشترت ملابس كثيرة، وبضمنها ملابس اطفال لمختلف الاعمار.. ، ثم يقول ولم اعجب بتفاوت العصور التي عاشها هولاء الفطاحل في تلك اللحظة التي جمعتهم مع العشرات من الذين لم اعرفهم ، وهكذا يتحول من زمن الى اخر في قلق مستمر للتعبير عن فلسفة الزمن وحركته المستمرة وتداخله.. اما في قصة زمن متوقف ، فبقي القاص يحمل نفس القلق وكانت سرديته قائمة على الذاتية، حيث يقول وبقيت حائرا كالمخذول ولا ادري في أي مكان ساجد اما هلعة تركت ابنتها في المستشفى، تعاني سكرات موت قائم وتبحث في كل الصيدليات عن دواء لم تجده.. وهكذا فالكاتب الاحمد في صراع مع الزمن ، زمن بحجم الافق قصة اخرى اعتمدت السرد الموضوعي لمناقشة الحالة المضطربة للشخصية ، تترى امامه صور سريالية تضخمت في ارض الواقع ونزعت الى ارض اخرى على عكس قصة www عيناك .com فقد كان سردها هادئا بكلمات رومانسية، وبانفعال الباحث عن الغياب بحضور مفترض وكانت هي بداخلي تمشي بخيلاء وتطوف في الدم كأنها نبض القلب.. لااجرؤ على ان اقيد حركتها… ، وظل الراوي يتحدث عن انفعالاته بهدوء تتشكل من خلال كلماته صور الزمن اللامرئية الغير قارة في رؤية القاص الاحمد، كما في قصة خفة زمن والتي جاءت ايضا بسرد ذاتي وبلغة عالية الشعرية وصراع الازمنة ، حيث كانت النهاية غير متوقعة وموجعة للبطل.. في كل مرة كنت اريد ان اقول لها كل ما عندي ولكن القلب المليء بالكلام هو الذي سيقول.. سيصل اللسان الى البوح الكامل، مخترقا ازمنة الصمت القاهرة.. ولم يحدث اني استطعت . كنت يوما بعد اخر انغمر في ذلك التيه المتفاقم بضياع الخطوة.. حتى وقفت في يوم ما عن ذلك المشوار بعذر قاهر، وبعد عقدين كاملين.. اذ كبرت وكبرت.. طوقتني.. بعينين ساحرتين وقالت ساخبر زوجي لو اقتربت مني مرة اخرى؟ بقيت بعد كلماتها ملجما بمكاني ثم عدت حزينا وثقيلا ، وكانت قصدية محمد الاحمد في توجيه قصصه لاستثمار فلسفة الزمن والبحث عن الجمال، فـ الجمال هو الحق والحق هو الجمال، لان الحق مثل الاخلاق يخدم الحياة داخل المجتمع، ولكنه لوحده لايحقق الحياة، والحقيقة ليست الاخلاق والحق وحدهما اللذان يساعدان على الحياة ، بل تشاركهما في ذلك كل القيم الاجتماعية الاخرى ، كالعدل والاخلاص والوفاء والانصاف والشرف والصدق والشجاعة والتضحية والفداء وحب المصلحة العامة وغيرها من القيم الاجتماعية الاخرى ص29 الاقلام العدد 6 لسنة1989، يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد تخضع افعال النص في انساقها اللغوية ابتداءا الى المنطق الاسلوبي الذي يقوم بتوجيهها توجيها نسقيا بوصفها ظاهرة لغوية في المقام الاول هذه الظاهرة اللغوية التي يصفها ـ بلومفيلد ـ في هذا السياق بانها سلسلة من المنبهات تتلوها استجابات تتحول هي الاخرى الى استجابات اخرى في حركة دائرية تواصلية دائبة تنهض بها افعال النص وتقود كوننة النص وتفضئته بوصفه قيمة نفسية وحدسية شاملة ومستقلة بذاتها 1، بمعنى ان قاصنا محمد الاحمد، قد مسك بلغته ووجهها الوجهة التي يبغي من ورائها تأسيس رؤيته الخاصة بالحياة وصراعها المستمر في البحث عن الحقيقة الجمالية..
/5/2013 Issue 4497 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4497 التاريخ 7»5»2013
AZP09