زمن النجم التلفزيوني

زمن النجم التلفزيوني
سمير درويش ــ القاهرة
انتشر اسم توفيق عكاشة في السنوات الأخيرة من عهد مبارك، وظهر في الصور والفيديوهات يقبل يد صفوت الشريف ــ رجل المخابرات القوي الذي تحول الى رجل اعلام متنفذ ورجل سياسة متحكم ــ، ويترشح لعضوية مجلس الشعب، ويربحها بالفعل.. وعندما قامت الثورة بدأ في انتقاد مبارك وعائلته خفيفاً وركوب الموجة الثورية، مثلما فعل كثيرون غيره، قبل أن تتلقفه أيادٍ مدربة وتجهزه لدور مهم، فبدأ يدخل اللعبة السياسية تحالف مع أبناء السادات وكون معهم حزباً سياسيّاً، قاد مجموعة احنا آسفين يا ريس، ثم مجموعة دعم المجلس العسكري، وقدمه الاخوان المسلمون للمحاكمة في قضايا عدة برأه القضاء منها جميعاً، وهنا تكمن المسألة.
تبدو شخصية توفيق عكاشة واقعة في المسافة بين الجد والهزل، هو كالمهرج الذي يتحدث في أمور كونية فيبدو مضحكاً، لكن اللافت أن الأسرار التي يذيعها كلها ثبت صحتها، بل ومدعمة بمستندات حصل عليها وساهمت في براءته من القضايا التي نسبت اليه جميعها، كما أن لهجته المعادية لمحمد مرسي وتحديه له تشي بأنه مسنود من جهة ما. فاذا وضعنا خلفيته المباركية، الى جانب الأسرار التي يمتلكها، والمستندات التي يحصل عليها، فان ناتج الجمع سيكون المخابرات العامة ، أو على الأقل رجالاً منهم، سابقين أو لاحقين
المدقق يمكنه النظر الى حالة توفيق عكاشة باعتبارها مقياساً لشكل العلاقة وتطوراتها ــ صعوداً وهبوطاً ــ بين طرفي السلطة في مصر الاخوان المسلمون، ورجال الأنظمة السابقة الذين استفحل نفوذهم المالي والتنفيذي في عهد مبارك، والمرتبطون بعلاقات مالية قوية اقليمية ودولية، فحين شعر الاخوان بزيادة وتيرة المتاعب التي يحدثها رجال مبارك اقتصاديّاً وسياسيّاً في البورصة وفي المظاهرات والمواجهات، أغلقوا قناة الفراعين التي يخرج منها عكاشة، وأوعزوا لرجالهم بتقديم بلاغات ضده للنائب العام، الذي حولها للقضاء بدوره، وعندما اعتدل ميزان العلاقة بين الطرفين، بتفاهمات أظنها لا تنقطع كشفت عنها بعض التقارير، عاد توفيق عكاشة للظهور مدعماً بأحكام قضائية، وبمستندات جديدة لا يحصل عليها سواه، وفيديوهات ينفرد باذاعتها، كل تلك الأدوات التي يظهرها الرجال السابقون للاحقين ليذكروهم بأن في جعبتهم الكثير من المعلومات التي ان أذيعت ستحدث ثورة عارمة لا يعرف مداها أحد، فينعدل الميزان من تلقائه.. وهكذا.
في نهايات حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة كنت أندهش من تحول توفيق عكاشة الى قائد له اتباعه، يعلن عن الحشد فتخرج آلاف، في العباسية وروكسي والمنصة وغيرها، مثار اندهاشي أنه أقرب الى المهرج الذي تغيب عنه قيم الأشياء وأوزانها، وقيم وأحجام الرجال كذلك، وأرى أن هذا متفق عليه ولا مجال لاغفاله، فمن أين يأتي بالقدرة على حشد هذه الأعداد التي تحمله على الأعناق وتنادي بحياته، في الوقت الذي لا يحصل على أصوات قريته في الانتخابات
دفعني هذا الى الذهاب الى قناته الفضائية لأرى ماذا يقول، خاصة في حالات الاكتئاب الثقيل، رأيته يلف ويدور ويغمض عينيه ويفتحهما، ويتكلم ببطء كلاماً تافهاً، ويشير في كل فترة الى مجموعة أوراق موضوعة أمامه، تبين لي أنها سر الحلقة، وسر متابعة المشاهدين له. الأمر اذا محسوم في أن قيمة الرجل وبرنامجه يتلخصان في أهمية الأوراق، وأهمية من أعطاها له، والفائدة التي ينتظرها الفاعل الأصلي من كشفه.
في مرة قال على الهواء انه يعلم أنه الأكثر مشاهدة بين برامج التوك شو المسائية المصرية، ولم يكن بعيداً عن الصواب اذ تستطيع كشف ذلك من متابعات شباب فيس بوك وتويتر وتعليقاتهم على ما يقول في ذات اللحظة، لكنه حين ذكر أعداد مشاهديه الآن بالضبط، وأظنها معلومة مخابراتية، وجدتني أحول المحطة كمن ارتكب اثماً فاحشاً
توفيق عكاشة ــ اذن ــ ليس سوى ساعي بريد يحمل رسائل من أحد طرفي السلطة الى الطرف الآخر، من ممثلي رجال المال والأعمال بمصالحهم المتشعبة داخليّاً وخارجيّاً، الى الاخوان المسلمين الذين وصلوا الى الحكم بناء على مجموعة من التفاهمات بين الاخوان وأمريكا، وبين أمريكا ورجال النظام السابق بشقيه المدني والعسكري، وبين الاخوان أنفسهم ورجال النظام السابق بشقيه أيضاً مع عمر سليمان ثم المشير طنطاوي وسامي عنان، ومع حسني مبارك نفسه أثناء الزيارة التي قام بها خمسة من أعضاء مكتب الارشاد له في المستشفى الدولي، ونشرت جريدة فيتو تقريراً مفصلاً عنها في عددها الأول، وقناة الفراعين التي يطل منها عكاشة هي ساحة المعركة التي يتبارى فيها الشريكان المتنازعان، لذلك لا تسلم من رصاصات طائشة حين يحتدم الصراع، فيتم غلقها وتعود.. الخ.
هذا الأسلوب ليس جديداً في ادارة الصراعات، السياسية والاقتصادية والعسكرية، أسلوب الحرب عن طريق وكلاء يتصدرون الواجهة ويرددون أفكار غيرهم ويدافعون عنها مقابل بعض المزايا، تلقى للوكيل حسب حجمه وحسب تقدير الطرف الأصلي للدور الذي يؤديه، وحسب اتقانه لعمله، لهذا ليس غريباً أن يسبق توفيق عكاشة اعلاميين نابهين في الحصول على المعلومات واذاعتها، وعلى صور من مستندات مهمة، رغم أن قناته بلا امكانيات على الاطلاق لا مراسلين ولا فرق عمل، ويمكن اختصارها في هذه المستندات المسربة بعناية فائقة.
____ ____
كاتب من مصر
/5/2013 Issue 4493 – Date 2 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4493 التاريخ 2»5»2013
AZP07