رواية ثلاثة نمور حزينة واللوحة المقلوبة – عباس احمد الحداد

رواية ثلاثة نمور حزينة واللوحة المقلوبة – عباس احمد الحداد

في مقالة سابقة حملت عنوان ثلاثة نمور حزينة واللوحة المقلوبة (*) قلنا  أن رواية النمور فيها من الصعوبة والتعقيد ما لا يجعلها بحاجة للقلب ، فه مقلوبة أصلاً ، وكان طول تلك المقالة وضيق المساحة المسموح بها للنشر ما جعلنا نتوقف عند ما تم نشره . ولاحتواء الرواية على العديد من عناصر التجديد التي يصعب الاحاطة بها في صفحات محدودة ، لذا نحاول في هذه المقالة مواصلة الحديث لنتطرق  بشيء موجز عن المؤلف وعن الأشياء غير التقليدية التي وردت  في روايته .  شيء عن المؤلف والرواية    غيرمو كابريرا انفانته روائي وناقد وكاتب سيناريو ومترجــــم كوبي 1917- 2005 أصدر أكثر من عشرين عملاً أدبياً ، وله روايات عديدة الى جانب رواية ’ ثلاثة نمور حزينة ’ ، وحاز أنفانته على عدة جوائز منها جائزة ’سيرفنتس’  المع جوائز الادب الاسباني ، والرواية التي جلبت لأنفانته الشهرة هي رواية ’ ثلاثة نمور حزينة ’ الصادرة عام 1967 ، فهذه الرواية هي التي  جعلت انفانته روائياً اصيلاً وحققت له الشهرة والانتشار ، وأسلوبه في هذه الرواية يعد انقلاباً على كل قواعد الرواية الكلاسيكية ، فلا بداية ولاعقدة ولانهاية ، ولا سرد تقليدي ، ولا تنامي  للأحداث ، فهو يطرح مواضيع متعددة في نص واحد ، ويروي أحداثاً كثر لكنه لا يضع نهاية لكل حدث . وروايته هذه متعددة الاصوات ، فأبطال الرواية الاربعة ، سلفستري ، وكوي ، وكوداك، وإريبو ، هم الابطال الرئيسيين في الرواية ، وهناك نساء يمثلن الادوار المكملة الى جانب الذكور . لكن المتحدث في كل فصول الرواية هو الممثل كوداك .               بعد المقدمة وقبل أن يقسم أنفانته كتابه الى فصول ، وتحت عنوان ’ المبتدئون ’ الذي أخذ ما يقارب الخمسين صفحة كتب قائلاً على لسان صبيتان ’ مالم نحكه لاحد قط هو أننا أيضاً كنا نفعل اشياء تحت الشاحنة . أما ما عدا ذلك فقد حكيناه وعلم به أهل البلدة مباشرة ’ دخل بعدها انفانته في الفصول فقسم الكتاب على ثمانية عناوين أو فصول رئيسة ، وتخلل هذه الفصول أحد عشر مشهداً وحمل الكاتب كل واحد من تلك  الفصول عنوان ’ كانت تغني بوليرو ’ ،  وعدَّ النقاد هذه الرواية ملبية لمتطلبات مشروع الرواية الجديدة ، اذ استخدم المؤلف فيها تقنيات سرد غير تقليدية ، وقد بلغ في تجربته مديات بعيدة . ولكثرة خروج الرواية عن المألوف نعتها كثيرون باللارواية ، ويمكن أن نستعرض بعض الاساليب التي خرج فيها انفانته عن اساليب الرواية التقليدية خروج عن الاساليب التقليدية.

 في احد فصول الرواية نرى كوي المغرم بالارقام يعطينا على مدى اربع صفحات كاملة محاضرات  في الرياضيات ، فهو يحدثنا عن الاعداد الاولية ، وعن الجذور التربيعية و التكعيبية ، وقال أن حاصل جمع بعض الاعداد أو معكوسها أو مستقيمها هو نفسه في المرآة ، فتناول مربعاً وضع فيه أرقاماً وقال أن هذا المربع سحري لأنك كيفما جمعت ارقامه ، عمودياً او افقياً أوبخط مائل ستحصل على نفس الرقم ، وفي مكان آخر في حزورة من المشهد السابع يقول بوستروفيدون لكوداك أن الرقم  69 هو رقم الحظ ، فهو يقرأ من الجهتين وقراءته لا تتغير عند القلب .

نوتة موسيقية

 وكما نلاحظ فإن المؤلف اورد أكثر من أربع صفحات كاملة عن  رياضيات بحتة  داخل رواية ادبية ، وهذا عمل غير مسبوق .    ووضع المؤلف صفحتين كاملتين أمام المرآة وكتب كل الكلام المعكوس ،  وكتب في مكان آخر نوتة موسيقية لا تحتوي على كلمة واحدة هي ’ دن ’ ، وكرر هذه الكلمة على امتداد صفحتين كاملتين ثم  اضاف تسع صفحات كاملة ذكر فيها اسماء مشاهير ، أسماء راقصين ومؤلفي اوبريتات او فلاسفة ، وكان اكثر تلك الاسماء موضوعة ، وكتب الى جانب معظم الاسماء الحقيقية القاباً محرفة بغرض السخرية .  وكثيراً ما كان يقص علينا قصصاً غير كاملة ، فهو يقفز من هنا الى هناك بإشارة رابطة أو بدون اشارة ، ويذكر حادثاً ويتركه معلقاً ثم يعود اليه أو لا يعود . ظاهرة الواقعية السحرية وحركة البووم   في اربعينات وخمسينات القرن العشرين شاع مصطلح الواقعية السحرية في ادب امريكا اللاتينية ،  حيث كان الكاتب يمزج بين الواقع والخرافة او الاسطورة فيكون الناتج مزيجاً سحرياً يشد لب القاريء ويصبح معه الخيال وكأنه جزء من الواقع فاخذ الكتّاب صراعات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعرقية ومزجوها مع الاساطير مما اعطى الكتابة مسحة من الخيال والحلم . وقال النقاد عن هذه الظاهرة بأنها جاءت كرد فعل على الاغراق في الواقعية . وفي ستينات وسبعينات القرن المنصرم انطلقت حركة ادبية اطلق عليها اسم (البووم ) او الانفجار ، وارتبطت هذه الحركة ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الواقعية السحرية ، وقد اتسمت هذه الحركة بنوع من الجرأة وبضرب من الزخرفة والتنمق وبطبع قلق ، ونوع من الجنون ، كما قام الكتّاب بازالة كل علامات الترقيم او جزء منها لترك القاريء يفسر لوحده ما يقرأ . وقال بعض النقاد أن البووم احاط الابداع الادبي بهالة تمثلت في الواقعية السحرية التي انصهرت داخل هذه الحركة نفسها ، فالبووم كانت تقتنص اللحظات اليومية المعاشة وتصفها بحماس كبير وترصد الاوهام وتشخص الاطياف والكوابيس والشخصيات . ودشن ماركيز هذا الاسلوب في رواية مائة عام من العزلة التي اعتبرت أكثر الروايات تأثيراً في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين ، كما استخدم انفانته حيل حركة البووم هذه في رواية النمور وكان بواسطة الخيال يرصد الواقع  ويضعنا أمام مجموعة حوادث ومواقف وحكايات لا نجد بينها رابطاً ولا انسجام ولا تسلسلاً ،  وكان هذا غير مسبوق في عالم الرواية وتحدياً لكل قواعدها التقليدية .    اساليب استخدمها انفانته في روايته   استخدم انفانته في رواية ثلاثة نمور حزينة خطاباً سردياً يعتمد على تعدد الموضوعات فوضع أكثر من تركيب سردي في النص سعياً منه لتفتيت الموضوع الواحد ، ويمكن ملاحظة هذا الاسلوب في حكاية الصبيتين اللتين كانتا تختبئان تحت شاحنة التبغ ، او في قصة العصا التي كررها انفانته ثلاث مرات وفي كل مرة كان يروي لنا القصة باسلوب يختلف عما رواه سابقاً ، كما روى لنا قصة موت تروتسكي ، تلك القصة التي لا ترتبط بما قبلها ولا بما بعدها ، لكن المؤلف استعرض فيها ما كتبه سبعة كتاب كوبيين ، واستخدم في كتابته المحاكاة لاساليبهم الكتابية وامزجتهم وافكارهم بشكل ساخر ، كما استخدم اللغة الكوبية الدارجة معتبراً الكتابة فيها محاولة لاصطياد الصوت البشري فجعل صيغ اللهجة الكوبية المختلفة تنصهر بتناغم جميل في هذه الرواية ، وكان كل ما يرويه في روايته هذه تمرداً على اسلوب الرواية الكلاسيكية مما جعل الكثير من الكتاب يميلون لاسلوبه غير التقليدي هذا ويقلدوه . وقال النقاد أن اللغة التي كان ينطق ويتلاعب بها بوستروفيدون ، هي في الواقع صوت المؤلف واتجاهه في تثوير اللغة واللعب بكلماتها وأخراج الرواية عن هيكليتها التقليدية وتحويلها الى ما يشبه النهر المتدفق ، وكان يدمج أكثر من تركيب سردي في نص واحد سعياً منه لتفتيت الموضوع الواحد نحو عوالم مختلفة ومتنوعة لاكساب النصوص مشاهد مفتوحة على قرارات عدة . لذا عد النقاد هذه الرواية في مجملها لعبة لغوية ممتعة ونصاً ذا اهمية استثنائية فالرواية وثقت لغة هافانا وأحيت أجواء لياليها وشخوصها وانتهجت خطاً يعتمد العامية فيقلب الكلمات ويحرف عباراتها ويستعمل اشارات يضلل بها القاريء احياناً بهدف التحرر من كل قيد ، فلا لغة واحدة لمخاطبة القاريء ، ولا حقيقة واحدة أمامه ، لأن الحقيقة شتى فهي اخيلة عدة لنا الحرية برسم معالمها او معناها ، وكل هذه امور غير تقليدية حببت الكثيرين لهذا الاسلوب الجديد .  هل ثلاثة نمور حزينة رواية ؟ كَتَبَ عديدون عن ثلاثة نمور حزينة ، نقداً وتقريظاً وتحليلاً ودراسة ، فوصفها بعضهم باللارواية ، وكتابتها نقيض الكتابة ، لكن كان بامكان الناشر إذا اراد اعتبار النص رواية ، أن يقوم بحذف بعض الصفحات غير الضرورية ، مثل ما يتعلق بالرياضيات والصفحات المعكوسة و النوتة و اسماء المشاهير ، وهذا افضل ، فالنص بشكله الحالي هو لا رواية ، وانفانته نفسه قال ’ من قال لكم أن هذا الكتاب رواية ’ ، وكان  يمكن ان يتم هذا الحذف بسهولة لو تم الحديث مع المؤلف بهذا الخصوص كما حدث مع المترجمة الامريكية ، والصفحات المراد حذفها لا تمت لعالم الرواية في شيء ، وحذفها سيزيد من كفة كون النص رواية ويزيل الجدل بكونه لارواية  كما سيزيد من تماسك النص المتبقي  ويجعله رواية متكاملة بحق ، ويبرز الكثير من سمات الحداثة والتجديد التي ربما اخفتها تلك الاضافات غير الضرورية

   * جريدة الزمان .ألف ياء  2  شباط 2021 ألعدد  6880