
الصحفية اللبنانية رولا دوغلاس لـ(الزمان): – حاورها: عبد اللطيف الموسوي
قبل دخولي الرواية كنت أمرّ بجانب حياتي دون عيشها
ثمة سمة لافتة حظيت بها الروائية والصحفية اللبنانية الاصل الكندية الاصل رولا دوغلاس تكاد تتميز بها دون الكثير وهي انه رغم ابتعادها عن وطنها الأم لبنان سنوات طويلة والعيش في كندا، الا انها لم تنس قضايا ابناء جلدتها فعالجت تلك القضايا في رواياتها وعملها الصحفي اليومي وحتى في نشاطاتها المجتمعية الاخرى في لبنان، بل وانها فضلت العودة الى لبنان لتكون اقرب الى قضايا مواطنيها . ودوغلاس التي تركت لبنان مبكرا ففارقت لغتها العربية طويلًا حتى انها اخذت تجد صعوبة في استخدامها اضطرت لكتابة روايتيها باللغة الفرنسية لكن المبهج ان الروايتين لم يبتعدا عن الهم اللبناني فهما يعالجان قضايا لبنانية – عربية وابطالها يحملون اسماء عربية ، لتؤكد بذلك انها لم تنسلخ عن جذورها. لم يكن هذا الامر هو الوحيد الذي اثار انتباهي بدوغلاس الانسانة والمثقفة وجعلني أُقدم على اجراء هذا الحوار، فالسيدة رولا هي نموذج للمرأة العربية الواعية بقضاياها والطامحة لأداء دور مهم وفعال في المجتمع. هي شعلة من النشاط والحيوية، تتمتع بديناميكة مبهرة، متعددة المواهب والاهتمامات ففيما فكرها منهمك بأمر ما، ترى ان يدها تتحرك نحو هدف آخر، في وقت ينبض خلاله قلبها الى جوار حدث ما .
(الزمان) التقت بدوغلاس وكان السؤال الاول عن مسيرتها الادبية فأجابت:
– منذ صِغَري، لم يكن يضاهي حبي للكتابة إلا حبّ القراءة. اضف إلى ذلك مخيّلة جامحة تهوى مزج الخيال بالواقع. حينما كنت صغيرة، كنت أسرد لمحيطي قصصاً خيالية أخترعها من العدم أو أستوحيها من نظرة، من حركة، من كلمات سمعتها. مع ذلك، كانت خياراتي الجامعية والمهنية الأولى بعيدة عن عالم الأدب. بعد نيلي إجازة في علوم الحياة والأرض وحصولي على درجة الماجستير في التربية، درّستُ العلوم لسنوات في كندا. لكن في عام 2004، شعرتُ بنوع من النقص، نوع من غياب، كما لو أنني أمرّ بجانب حياتي من دون أن أعيشها فعلاً. في تلك المرحلة، قررت كتابة روايتي الأولى التي كانت قصة مستوحاة من الواقع، هي قصة امرأة معنّفة أعرفها. في تلك المرحلة، كان موضوع العنف الأسري يقع ضمن المحظورات في لبنان. وقد أسهمَ نشرُ روايتي تلك في الإضاءة على هذه الآفة التي ما زالت للأسف منتشرة جداً. تزامنت الرواية مع بداية مسيرتي المهنية كصحافية. لقد كان هذا التحول المهني ناجماً عن مأساة: إنّها حرب تموز 2006. في نهاية الحرب، التحقت بجامعة “باريس 2 بانتيون آساس”، ضمن برنامج يقام بالشراكة مع الجامعة اللبنانية. بعد 18 شهراً، نلتُ دبلوم دراسات عليا في الصحافة الفرنكوفونية. وقد جاءتني فكرة روايتي الثانية قبل سنوات، حين وجدت نفسي أعيش خوف فقدان شخص عزيز عليّ. لكنني كنت عاجزة عن الكتابة فكان عليّ ترويض الخوف أولاً، ثم انتظار العاصفة حتى تهدأ. في عام 2018، قرّرت الغوص في هذا المشروع. اتصلت بناشرتي، وغرقت في الكتابة. لم يكن الأمر سهلًا وسط مسؤوليات مهنية واجتماعية كثيرة، لكنّني نجحت في ازالة التحدي. وقد رُشِحت الرواية لجائزة أور كونكور دي ليسييان الأدبية في فرنسا لعام 2019/2020 ووصلت الى النهائيات بدخولها القائمة المختصرة التي تضم افضل خمس روايات.
{ تناولتِ في روايتك الاولى (عندما كان الصمت مخيمًا) قضية تعنيف المرأة ، فما هي الثيمة الرئيسة لروايتك الثانية الصادرة باللغة الفرنسية بعنوان(اليوم الذي لم تشرق فيه الشمس)؟
– في روايتي الثانية، أردتُ أن أُظهر هشاشة الإنسان لكن أيضاً قوته، خوفه من فقدان أحبائه، شكوكه، والوقع الذي يُحدثه عليه الموت والغياب والصمت. كما تطرقت إلى الجراح التي تخلّفها الحرب في نفوس من يعيشونها، إلى جانب الصدمات النفسية التي يصاب بها المراسلون اثناء تغطيتهم لأعمال العنف في الحروب. وهي تحكي قصة زوجين، تبلغ المرأة 28 عاماً، وهي رسامة. أما الزوج، فصحافي يكبرها ببضع سنوات.
يعيشان في مون روايال، أحد الأحياء الساحرة في مونتريال. يعيشان حياة سعيدة، إلى أن تنقلب الأمور رأساً على عقب في 16 كانون الثاني 2008. وإذا كانت القصة غير واقعية، إلا أنّ ملامح البطلين وأجزاء من طباعهما ومن أفكارهما حقيقية. كذلك، فإنّ أجزاء من قصتهما حقيقية. علاوة على ذلك، يجمعني بالبطلة العديد من القواسم المشتركة: الهجرة إلى كندا، حبّ الطبيعة، الألوان، الحياة، مغيب الشمس، والحاجة إلى التعبير عن كل شيء… في المقابل، فإنّ حياة البطلة مختلفة كلياً عن حياتي.
اهتمامات متعددة
{ لا تكرسين نفسك كروائية رغم صدور روايتين لك؟
– الجواب على هذا السؤال معقّد وبسيط في آن. اهتماماتي متعددة، لكنّها في النهاية تصبّ في الأهداف ذاتها وهي المساهمة في بناء المجتمع، وتعزيز القيم الإنسانية، والإحساس بنوع من الرضا الذاتي. اما الصحافة والتعليم العالي والبحث، والإرشاد والكتابة فيصعب عليّ ان اختار ما هو الأقرب الى قلبي. ربما يأتي يوم أجبر فيه على فعل ذلك. عندها ، أختار الكتابة.
ركوب موجة
{ ما الذي دفعكِ الى الروائية، هل هو ركوب الموجة كما ركبها آخرون؟ وهل تتوقعين انكِ ستنغمسين اكثر فأكثر في عالم الرواية مستقبلًا؟
– بعيداً عن الصحافة، تتيح لي الكتابة الغوص في أغوار نفسي. لكن بعيداً عن هذا الأمر، فإنّ السبب الأول الذي يدفعني للكتابة هو رغبتي في المساهمة في تطوير العقليات، وتغيير نظرة المجتمع إلى العديد من القضايا المهمة بالنسبة لي. أكتب للحض على التفكير وهدفي الأول هو البعد الإنساني، وملامسة القراء بعمق. وهذا ما يفسّر أسلوبي السلس والواضح. انسياب الكلمات يجعل القارئ يشعر أنه يرى القصة تمرّ كفيلم أمام عينيه.
{ هل ثمة رواية جديدة في الافق؟ وما الذي يشغلكِ الآن؟
– أنتظر بفارغ الصبر صدور النسخة العربية من روايتي “اليوم الذي لم تشرق فيه الشمس” عن “دار سائر المشرق” في الأشهر المقبلة. هذا العنوان هو الترجمة الحرفية لعنوان النسخة الفرنسية.
لم نختر بعد العنوان النهائي للنسخة العربية. انوي أيضاً نشر هذه الرواية رقمياً لكي تصل لأكبر عدد من القرّاء في العالم العربي. على مستوى آخر، أنكبّ على كتابة أطروحة دكتوراه بشأن الدور الذي تلعبه وسائل الاعلام في لبنان في تغيير المجتمع ليكون أكثر عدلاً ومساواةً وأتوقع الانتهاء منها قبل نهاية عام 2021.
{ عنوان روايتك الثانية يذكّرنا برواية (ولا تزال الشمس تشرق) الشهيرة لإرنست همنغواي ورواية ثم تشرق الشمس لـثروت أباظة وأكيد ان الامر غير مقصود ولكن اعتقد ان من الافضل اختيار عنوان آخر غير تقليدي ؟ وقد رُشِحت هذه الرواية لنيل جائزة مسابقة ادبية معتبرة في فرنسا ووصلت الى القائمة المختصرة، هل تتوقعين انها ستلاقي الصدى نفسه عند ترجمتها الى العربية؟
– فيما يتعلق بنشر روايتي باللغة العربية ، أتمنى أن يكون لها أصداء طيبة بين القراء العرب. فأنا أرغب في إثارة التأملات ، والشروع في مناقشة جماعية للمواضيع التي تتناولها، والتي هي اليوم في صميم يوميات كثيرين في ظل الوباء المستشري في العالم، مثل الخوف من أن يخطف الموت احِباءً لنا، وصعوبة الانفصال عن مَن نحب، والحياة التي يجب أن تستمر… وكذلك الصمت بين الزوجين، والأشياء التي لا تُقال وانقطاع التواصل بين حبيبين برغم الكلام بينهما.
{ روايتك الثانية الصادرة بالفرنسية رُشِحت لنيل جائزة مسابقة ادبية معتبرة في فرنسا ووصلت الى القائمة المختصرة، هل تتوقعين انها ستلاقي نفس الصدى عند ترجمتها الى العربية؟ وانتِ تقولين انكِ كتبتيها بلغة سلسة حتى تصل الى القلوب، فكيف ستضمنين مثل هذه السلاسة عند صدورها بالعربية؟ ومن سيتولى ترجمتها للعربية؟ – فيما يتعلق بالترجمة إلى العربية ، فقد تم إنجازها على مراحل عدة فقد عمل مترجمان على ترجمة النص من الفرنسية ، ثم قامت متخصصة في ترجمة الروايات بمراجعته. وسوف اقوم بقراءته بنفسي والموافقة عليه قبل ان يعاين النص الناشرُ الاستاذ انطوان سعد (دار سائر المشرق)، في الخطوة الأخيرة.
{ في حوار صحفي معكِ، قلتِ: (ان الإبداع هو كتابة دائمة “عكس السير”، أريد أن أكتب دون حسابات ضيقة يقع الكاتب في مطباتها أحياناً, فيبقى لذلك صوته منخفضاً كي لا يزعج أرباب السلطة بكل أنواعها بما فيها السلطة الثقافية) ، هل تعتقدين ان في بلد مثل لبنان تتقاذفه التيارات والمصالح المختلفة يمكن لامرأة ان تكتب عكس التيار ليرتفع صوتها؟ وكيف لكِ ان تواجهي مثل هذا التحدي؟
– اليوم حرية التعبير في لبنان مهددة ، سواء أكان المتكلم (الكاتب، المفكر، المحلّل، أو أي مواطن آخر) رجلاً أو امرأة. بالرغم من ذلك، لا يزال لدينا مساحة للتعبير بفضل عدد من دور النشر وبعض الصحف التي ما زالت تدافع بشراسة عن الحريات. أظن أن الخطرَ الأكبر الذي تواجهُه مجتمعاتنا يَكمن في أن نخاف، أن نغمض أعيننا عن الحقيقة، أن لا نطرح الأسئلة، أن نكتم أفواهنا.
{ هل لديكِ طقوس معينة عند كتابة الرواية؟ ام ان بإمكانكِ الكتابة وقتما تشائين ؟
– علاقتي مع الوقت، كما طبيعة ما أكتب، تؤثر على طقوسي في الكتابة. في بداية العمل، أحب أن أغوص في المدينة ، بين الناس ،أحب أن أجلس في مقهى، أن أراقب المارة ، أن أستمع إلى أحاديثهم، أن أغرق في (عجقة) الحياة.
ولكن عندما تتكون الرواية في ذهني، عندما أرسم صور أبطالها وسبل حياتهم وعندما يتعين عليّ الوفاء بمواعيد محددة، احتاج إلى الهدوء كي أكتب. فأَعزل نفسي عن العالم. أفضل حينها أن أكتب في الليل .احب كثيراً هدوء وسكينة الساعات القليلة التي تسبق الفجر.
ازدياد ثقة
{ هل ترين نفسكِ الآن أفضل عمّا كنتِ عليه قبل سنوات ؟ هل ازدادت ثقتك بنفسكِ أم ان التابوهات تعرقل مسيرتكِ؟
– لطالما وثقت بنفسي، منذ صغري، في حياتي الشخصية والمهنية على حد سواء. وما علمتني إياه التجارب هو أن أكون أكثر واقعيةً. التغيير يأخذ وقتًا وهو لا يسير بخط مستقيم.
{ ثمة قول مفاده ان(ما نكتبه هو ابن ما نقرأه) فلمن قرأتِ في بداياتك؟ ولمَن مِن الروائيين أخذتِ تقرئين عند نضوجكِ ؟ وهل تفضلين قراءة الاعمال الاجنبية على العربية؟
– أحب كثيراً كتابات الروائي الفرنسي من أصول تشيكية ميلان كونديرا. كما تعجبني دقة وأسلوب الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف. أتشاركُ معَه آراءه حول الوطن والمواطنة، حول الإنتماءات والهويات المتعددة. أود ان أقرأ لكتّاب وكاتبات عراقيين، فبمن تنصحني؟
{ هل راودتكِ فكرة زيارة العراق ؟
– كنت قد خططت لزيارة العراق في خريف عام 2019 ،إلّا أن الحالة الأمنية المؤسفة، ثم تفشي الوباء قد منعاني من القيام بذلك. بالنسبة للساحة الفنية العراقية، أحب موسيقى وأغاني إلهام المدفعي.
























