الثراء الدلالي في واقعية نصوص الكناني النثرية – حسن البصام

الثراء الدلالي في واقعية نصوص الكناني النثرية – حسن البصام

صدرت للشاعروالاعلامي طارق الكناني في عام 2016  ،عن دار أمل الجديدة/ سوريا ؛ المجموعة الشعرية الأولى (قصائد بتاريخ الغد) . احتوت على 28 نصا نثريا. وقد أهداها الى امه التي فارقته على حين غفلة من الزمن؛ تاركا بُعده المانع من حضور جنازتها لوعة وحنينا متجددا.

احتوت على 108صفحة من القطع المتوسط . وكما يقول الكاتب عن مجموعته هذه “تمثل المرحلة الاولى للكتابة النثرية بالنسبة لي كشاعر والتي ظلت مخزونة لسنوات طوال مخبوءة في دهاليز التردد من نشرها والاكتفاء بنشر النصوص في الصحف والمواقع الالكترونية.ان معظم النصوص تتمحور حول الوضع الراهن الذي يمر بالعراق وهذا الهم الوطني والاجتماعي للمواطن العراقي والتي حاولت فيها أن ارسم ملمحا للجمال وازاحة الحزن من خلال الشعر لمقابلة الركود السياسي مثلما حاولت من خلال هذه النصوص توثيق هذه المعاناة التي عصفت بالبلاد حيث تطرقت إلى نتائج اساليب الشحن الطائفي والبحث عن حقيقة هذا الصراع وبين ان الواقع المرير سيكون هو الطاغي على نصوص المجموعة لكنها نصوص أيضا للأمل”.

تحولات يومية

ان الشاعر له اهتمامات بالتحولات اليومية ؛خاصة الاجتماعية والسياسية ،منتقدا الفساد ؛معريا التخلف ؛كما هي اهتماماته الثقافية المتعددة في مجالات ابداعية مختلفة بين النقد والبحوث السياسية والحوارات والمقالات السياسية والفكرية والعقائدية . حاليا مدير تحرير صحيفة الحقيقة في العراق الالكترونية.

يتجلى الوطن في عينيه ساطعا نقيا ، ودافئا كما هو حضن الام؛تحنو على اولادها الذين يظلون صغارا في عينيها “حين طالبه المعلم ان يشرح معنى وطن

صمت برهة ومن ثم دس يده في جيبه

وصاح هذا معنى الوطن…فاخرج صورة أمه” ومن هنا نجد ان المجموعة هي اشراقات يتداخل فيها ضوء الام او الجدة او الوطن :

“في وادي السلام

ضاع النغم في اصابع الناي

تتساءل عيون الصبية ن هذا التنور

لماذا لاتفوح منه رائحة الخبز

لماذا طعم الرغيف يبدو بلون الخوف

لماذا البياض

يغادرنا الى حيث الاعصار “

يقول في قصيدة تحمل اسم المجموعة :

“فطين قام بشحذ الهمم

همته عالية

أعفى الحمار من منصبه

وكلف المعزى برّي الساقية

وقلد الضبع مناصب عالية

واستبدل النباح بالعواء

اظهارا للنية الصافية

المسبحة تضاعفت حباتها

والرقعة في ثوبنا بادية “

وفي المجموعة الثانية ( ذاكرتي وربيع الزهايمر) التي اهداها الى زوجته . والصادرة عن دار امل كذلك، عام 2017 ، والتي اشار في مقدمتها الى ادانة للربيع العربي الذي اقدم على (محو للذاكرة العربية وانهاء ماتبقى منها من ارث حضاري كانت في يوم ما تتباهى به على بقية الامم …….بدأت علامات الزهايمر العربي تظهر من خلال هذه الاحداث المرعبة من قتل وتدمير وتخريب وحرق للثقافة وتفجير للشواخص الحضارية والاثار التي ورثها العرب عبر اكثر من سبعة الاف سنة ).

وفي هذه المجموعة قفز الشاعر من حواجز المباشرة في المجموعة الاولى والخطاب العاطفي والبوح بلا مرتكزات دلالية ، الى لغة اكثر ثراء من سابقتها :

“ياللأيدي

كيف تسنى لها ان تُبَضِّعَ هذا الكائن الاسطوري

لتتركه حطام

يالهذا الركام

الجاثم فوق الارض”

ويقول في قصيدة (اتذكر):

أتذكر

“حين كان الدفء شحيحا

كنا نتوضأ ببقايا الشمس

لصلاة الفجر”

وتلتها المجموعة الثالثة الصادرة عن الدار ذاتها ( أزاهير آنية الشمس) في عام 2017.

والتي اهداها الى بثينة ابنته الصغرى؛ التي احبها حد الوجع كما اشار ؛ على الرغم من صدور المجموعتين الاخيرتين في سنة واحدة الا انها ضمت دراسة قيمة للناقد الاستاذ علاء الحامد .يقول عن المجموعة ( وها هنا الشاعر العراقي طارق الكناني يقودنا من خلال مجموعته الشعرية (ازاهيرانية الشمس) وهو يدخل منطقة الفلاش باك في توظيف ذاكرته المسترجعة مابين الرسائل المعتقة وما بين وحدة الحدث الشعري الذي نقله من خلال البصرية المتفتحة..)

ان الشاعر طارق الكناني جاهد عاطفته للارتقاء بها الى منازل الاخرين ، متوحدة مع الهم العام والعاطفة الجمعية ، كما هو حال الشاعر العربي القديم على الرغم من الاختلاف في بنية القصيدة ونسيجها ، وتفاوت النظم ، واختلاف البحور ،والتحول الكبير من الشعر العمودي الى الشعر الحر الى قصيدة النثر ، لم تفقد القصيدة مركزها الشعري ولم تختل نقطة دورانها ، اذ ان الشاعر اعتمد على البوح الوجداني والعاطفي؛ على صياغة الاحساس صياغة بعيدة عن المباشرة او طغيان السذاجة او الانغماس في السطحية ، الشاعر ينقب في جوهر الاشياء ومكامن اللغة وسيماء دلالاتها وايحاءاتها ، واستبطان الخطاب لتمام الخطاب الشعري الذي يعتمد على الصورة الموحية والحركة المتعددة ، وليس حسرة او قطرة دمع او آهة ولوعة ..وكلما كان الشاعر منفتحا على غيره ، سواء كانت تجارباً او حياة يومية او بحث عن اساليب اكثر نضجا ومغايرة وثراء ، كلما كان اكثر تاثيرا واعمق وصولا واكثر ارتكازا معرفيا بطبيعة الشعر وغاياته.

لذلك فان الشاعر طارق الكناني ، وظف الذاتية المحضة باتجاه مظهرا تعبيريا شاملا ، من خلال الحس المرهف والوعي الاجتماعي ، والاحساس بمسؤوليته الشعرية في تاسيس قيم سياسية او اجتماعية رصينة منتجة . من خلال ارتقاء العاطفة وانتقالها من الذاتية الى ما يشكل فضاء خارجيا متحدا بمدارات الاخرين . في (نصوص متناثرة) يقول الشاعر:

“حين كنت انظف الذكرة

عثرت على آثار بعض بقايا حبك الراحلحاولت تنظيفها فلم تفلح معها كل أدوات النسيان”

بساطة متناهية

البساطة المتناهية في الحلم ..وهو يحلق بنا؛ زاده الاثر العاطفي الذي استمده من نسيج علاقاته الشخصية والعائلية ورؤيته للوطن والناس .. ثمة علائق متشابكة بين مثابات نصوصه ، مرتبطة بالهم اليومي واللوعة التي خلفتها ذاكرة تحاول استذكار مجدها وتعيد قراءة سطورها التي تحاول الايام محو ملامحها :

“الاوراق المبعثرة تحت الدولاب

اخبئها عن انظار المارة

السجان يسالني عنها باستمرار

ماذا دونت فيها

عن لون الحبر المستخدم فيها

من يقراها بصوت خافت

لماذا نهايات تلك الاوراق معقوفة “

ويقول في قصيدة( وهم):

“أبحث عن فتوى تمنع تجريم الحب

تمنع تجريم ان تعيش حياة زاهرة

فالله وحده يمتلك الاخرة”

طارق الكناني يشتغل بذاكرته ويتعكز على صدق مشاعره وجدية حلم يسعى للتحليق عاليا فوق ألسنة الخيبة .

يقول الشاعر في قصيدة (انا وهي):

“حين يشرد مني الذهن

أتشبث بضفاف الذكرى

فانا لا اقوى على النسيان

هي لا تقوى على الوصال

فكلانا فقد قواه

فحديثنا صار رماد”.

انتهج الشاعر طارق الكناني اسلوبا مهما في صياغة المفردة وايصال المعنى ، وتحويل العاطفة من التعبير السطحي أو المألوف الى نضوج الدلالة موظفا الايحاء و الرمز ، لان المباشرة صنو الوجدان الجامع وفورة العاطفة ، واحسب ان الكناني في هذه المجموعة قد امتطى صهوة العاطفة الجامحة في ممرات مشاعره الطافحة بالحب والامل والتطلع الى افاق رحبة بحجم انسانيته ، متحولا من المباشرة الى النسج الفني الذي يكفل له انضاج تجربته العاطفية /الشعرية من خلال انفعالاته ودوافعه وتاثراته المحتدمة وتوظيفها سواء كانت على المستوى الشخصي او الجمعي ؛توظيفا شعريا موفقا ، مستعينا احيانا بتوظيف الرموز سواء كانت التاريخية او الدينية او الميثولوجية ، للوصول الى معان تحمل دلالات اوسع من حدود الكلمات كلغة مستعينا بالخيال والدلالة الموحية :

“أغيثوني الآن بآلهة تحاورني

حول ساقية جف ماؤها

اغيثوني بآلهة الان

لتوصي الكهنة بتغيير لون السماء

ايتها الالهة

هل يكمن الخلل في لون الخمر

ام لون الدم

كلاهما ارجوان”

وكما هو معلوم؛ ان الشعر الوجداني او العاطفي؛ نابع من ضمير الشاعر، لذلك فان طارق الكناني يحاول ان لاتغلب عاطفته هذه من فرح وحزن وعطف فائض ،محددات النص الشعري ..كما انه ينأى عن الغموض والإبهام.

 ويسعى الى استنطاق الاشياء ومحاولة مشاركتها في انضاج الفكرة ، سواء كانت مظاهر خارجية اوعواطف شخصية :

ا”نا لا ارسم صورة وطن بلا حداد

فوطني متشح بالسواد

تهز الناقوس ريح النار

لتعلن مولد العام الجديد”.