متى نٌنْصِتُ لشهرزاد؟

متى نٌنْصِتُ لشهرزاد؟

السودان – عبد الله محمد احمد

هذا عملٌ مُتقَن، تمَّت صياغتُه في أسلوب بلاغي مميَّز، يتجافَى عن غموض الفكرة ويتَّسمُ بحُسن العَرض ودقَّة التعليل. وتمَّ سَبكُه في لغةٍ اتَّسمت بالسَّلاسة والوضوح، وشاد الكاتبُ بناءه على نسَقٍ شائقٍ مُتساوقٍ لا ينقطعُ تسلسلُه.

اصطحب الكاتبُ القارئ معه في هذا السِّفر في تَطوافٍ جمع بين الإبداع والإمتاع على خمسٍ من العواصم العربية مُبيِّناً من خلال النماذج خصوصيَّة َ كلِّ مدينةٍ مُستوحياً عنوانَه من قصصِ ألف ليلة وليلة ومن اسم شهرزاد الأسطورة التي روت ذلك القَصص الشائق الممتع، وبيَّن العلاقة كما تصوَّرها هو بين المدينة كشخصيةٍ أنثوية وبين المرأة ذلك الوجه الأُنثوي للحياة الذي تمَّ تغييبُه طويلاً عن الحياة الأدبية عبر الحِقب التاريخية المتعاقبة وظلَّ أسيراً للتقاليد ينوح بشكواه إلى من لا يستجيب. وقد تخيَّر الكاتبُ من كلِّ عاصمةٍ عربيةٍ روائيةً واحدةً تلافياً للإطالةِ والإملال. عمد الكاتبُ من خلال التحليل الدقيق لنماذجَ من الروايات النِّسوية إلى إضاءة جوانب مُهمَّة من معاناة المرأة العربية العراقية والمصرية واللبنانية والخليجية والاغتراب النفسي والاجتماعي الذي تُعانيه.

شب الوقود

طاف بالقارئ أوَّلاً على العراق الجريح الذي صار غرضاً يُرمى، مبيِّناً ما جرَّته الحربُ من ويلاتٍ على المرأة، فالحرب يشبُّ وقودَها الرجلُ وتصطلي بنارِها الأنثى. تلك المعاناةُ التي صورتها الروائية العراقية لطيفة الدليمي في بعض رواياتها في أنموذجٍ ساقته لنسوةٍ عراقيات مُنتهَكات في بغداد المُنتهكة بحرب الخليج، مصورةً الوحشةَ والعَوَز الذي تعيشُه المرأة العراقية من جرَّاء تلك الحروب التي تركتها في حيرةٍ من أمرِها بسبب فقدان الرجال في حياتها بالقتل والأسر والتغريب.

ثمَّ عرَّج بنا الكاتب على قاهرةِ المعز ِّبضوضائها وصخبها في روايات مي تلمساني المُنشغلة بفكرةِ الموت وآلام الفقد كموت الابنة وموت الأشياء وموت الصديقة والرجلِ المفتونِ بنفسه والأنثى المُستضامة. ثمَّ دلف إلى بيروت الموشومة بالحرب والحب والصراع الطائفي بين السُّنَّةِ والشيعة حيث يُضطهدُ الحبُّ ويؤدلج وتموتُ الأحلامُ والعواطف ووصف معاناة المرأة من جرَّاء الاستغلال الجسدي لها في أطوار حياتها المختلفة فصارت وكأنَها مشروعٌ دائمٌ للتضحية.

قاع المجتمع

 اهتمَّت الروائية اللبنانية حنان الشيخ أيضاً بالنسوة اللائي يعشْنَ في قاع المجتمع كالخادمات ومآلهنَّ إلى الضياع في المَنفى ثم العودة القسرية من المنفى خاوياتِ الوفاض. ثم طاف بنا في مدينة الرياض مع الروائية أُميمة الخميس حيث ازدهرت الرواية النسوية نتيجةً للطفرة المادية التي تحقَّقت في الثمانيّنيات من القرن الماضي.  هنالك حيثُ تختلطُ الأعرافُ والتقاليدُ الضاربةُ الجذور في عُمق التاريخ بالحداثة فثلثُ سكانِ الرياض غرباء من جنسيات مختلفة. وقد وصفت الروائيةُ التباينَ بين الرياضِ الفقيرة والرياضِ المُترفة والخيمة في الصحراء والقصر في المدينة.

ثمَّ ينتقل بنا الكاتبُ على لسان الروائية ليلى العثمان إلى الكويت التي عاشت زمنَ البحر والطفولة والبراءة ثمَّ زمن النِّفط والتشوُّهات والفوارق الطبقية وعملية العَزلِ المُجحفة للمرأة والأطوار المُختلفة التي مرَّت بها المرأةُ الكويتية من الحرمان من التعليم إلى التشجيع على الالتحاق بالمدرسة ومن منعها من النشر إلى تشجيعِها على النشر. لقد بذل المؤلفُ جهداً مُضنياً في إخراج هذا الكتاب الذي يرُمُّ ثغرةً مُهمَّة في جهود الباحثين في الرواية النِّسوية التي عانت طويلاً من إهمال النُّقَّاد لها فعسَى أنْ يجدَ القارئ الكريمُ بُغيتَه فيه.