

قصة قصيرة
المتوحد
– ماريا الأبرش
لم أكن على علمٍ بأنه يجيد الكتابة، للآن أنا متفاجئة بقدر لا يسمح لي بالتعبير عن دهشتي حتى آخر لحظة من حياتي.
تقول امرأة كبيرة في السن من قريتنا أن الميت لا يموت، وتكتفي بهذا. وانا اثق تمام الثقة اليوم أن سعيد لم يمت، أذكر قبل سنين طويلة عندما تصادفنا أول مرة في الشارع، أدار وجهه الى الحائط اما أنا فأسرعت في خطاي حته اصبح خلف ظهري.
طبيعي أن أخاف من المجنون، كنت احسبه مجنونًا. قضيت ليلتين بعدها ارزح تحت ثقل الكوابيس، حتى أفضيت لوالدتي و طمأنتني أنه من ذلك النوع من المجانين، الذي لا يؤذي ولا يتبع احدًا، بيد أن طمأنَتُها لم تجدِ نفعًا فقد نمت لستة أيام أخرى بينها وبين والدي. قد أفكر الآن بمدى جهلي بكل شيء، بعد أن كنتُ أحسب العكس، فأنا الوحيدة التي وصلت في تعليمها الى الكلية في قريتنا، يحضرني يوم ذهبت الى القسم الداخلي،
الطين يصل حتى الركاب وقد خرج كل اهل القرية للشهادة على اللحظة، هذا يسائل صاحب السيارة وذاك يحمل حقيبة ملابسي و المتدفئون في منازلهم يرسلون لي التحايا ويدعون بالتوفيق، والدتي تحادث جارتنا وشيلتها تغطي انفها.
أستمريت بعدئذ اعود للقرية ايامًا قلائل حتى تخرجت، لا زلت اذكر أن عيني بحثتا عنه عدة مراتٍ لسببٍ كنت أجهله. وبمرور الوقت نسيته، نسيتهُ بالشكل الذي يجعله غير موجودٍ بالمرة، لم يخلقه الله اصلًا.. بهذه القسوة! عدت للقرية عشرات المرات عند العطل و المناسبات ورأس السنة واعياد ميلادي، كما عدت مرتين لأني تلقيت اتصالا من والدتي اخبرتني ان جدتي مريضة جدًا، كان يجب أن آتي الى هناك، في حال ماتت أو شيء من هذا القبيل.
وفي ليلة من ليالي الصيف وعند العشاء
كنت اتأهب للرحيل، بعد ثلاثة أيام في دياري، حتى جاء أحدٌ يخبرنا أن طارئًا حصل. في القرية يرسلون في طلب والدتي أن احتضر او مات احد النساء او الاطفال.. فهي تعرف آداب الميت واحيانًا تعمد الى تغسيله، لو كان من المحتم عليها هذا. رافقتها الى منزل أم سعيد وبدت على اطلاع بالأمر، سمعتها تقول لنفسها ( ليسهل الله!) ولجنا غرفة صغيرة على حيطانها رسومات وخطوط اقل مايمكن أن أصفها انها غير مستقيمة، ولا أي خط بها. وعلى الأرض جلسنا، كانت تمسك بيديه واطرافه، والدته. وبدا الليل خارج النافذة مخيفًا كأنه يحل لأول مرة. كأنه يسقط، او يضيّق العالم على جسدي، علمت عندئذ انه يحتضر، خمس وعشرون، هكذا اجابتي والدته بعد أن سألتها عن عمره، كانت أمي تتلو عليه القرآن وتمسك قدميه حتى لا يتحرك.
في لحظة ما قررت أن امسك يده، ان امسكها فحسب، وقبل أن أبحث عن سببٍ يدفعني لهذا امسكتها، لا بل امسكت كلتا يديه، ظلّت والدتانا تقرآن القرآن بينما دنوت منه، اكثر من أي مرة اقترب منها الى أحد، يملك شامتين على ظهر كفه، جلدهُ ناعمٌ وهشٌ، ويديه كبيرتان، أصابعه الدقيقة الخاملة أثارت في روحي عاطفة ملتهبة، ولو أنهُ، صدقوني… لو انه استمر يصارع الموت ثلاثة أيام بلياليها، لما انتبهت الى ذلك.
طالما سمعت والدتي تذكرني أني جبانة، ها أنا بكامل شجاعتي متمسكة بيديه، كنت على استعداد أن اموت معه، احتفالًا بنصري. احتفالًا بهذه الشجاعة المفاجئة، ظللت لعدة دقائق في حالة خاصة، نسيت فيها من اكون، أتفحص تفاصيل تينكا اليدين الناعمتين، أردت أن احفظ المزيد من التفاصيل لأحاول رسمها لاحقًا. ظهرت مني استماتةٌ مخيفة للتشبث بالموقف، لم يلحظها من في الغرفة، عم الهدوء وانتبهت اخيرًا الى أني قريبة فعلًا منه، نظرت في وجهه وكان ينظر بدوره الي يدي، وقد قفزت دمعة من عينه، دمعةٌ لم تؤثر على تعابير وجهه.. لقد كان سعيدًا جدًا..
نظرت مباشرة في عينيه ولكنه أنتفض مثل حمامة مذعورة، اقتربت منه اكثر حتى اصبحت كفيه في حجري، نبهت والدته والدتي عن أنه يجب أن يتمدد، يجب أن يتمدد ويمسكه ثلاثتنا، قبلها عليهما ان تغيرا اغطية السرير لتمدداه فوقه بهدوء حتى تزهق روحه بسلام، خلال دقيقة غابتا داخل الممر، اتذكر أني ضغطت على أصابعه بشدة، انه ذلك الشعور الذي هاجمني وحدي، في بيت أدخله اول مرة في حياتي، وفي بداية الليل الخانق ذاك، اخذتُ نظرة سريعة الى الجدران مرة أخرى، ايقنت انه كان يرسم انطباعاتٍ خاصة، اردت أن اسأله إن كان مجنونًا، لكنه كان يلهث وخشيت أن يصرخ او يضطرب، لذا بقيت ممسكة به و عينيَّ في الأرض، ممكسة به و عينيًّ مشدوهتان.
بعد دقيقة لمحتُ برقة خفيفة تدخل من النافذة.(لا تخافي، انها الكهرباء..) سمعتها فقط، سمعتها حتى اني حفظت كيف قالها، كان يخاف مني ايضًا، يخاف أن اتركه.
ثم قبّلتُ خده، قبّلته لأني لم اجد الوقت للتأنّي، نويت أن اضحي بخوفي وحذري وان اهب روحي الى عزرائيل والموت دون مقابل لو أمكنني ذلك.
اغمض عينيه واحسستُ بأصابعه تتشنج تباعًا..كان جالسًا وظهره على باب خزانة خشبية، وقف بصعوبة وتقدم خطوتين، عاد بعد ثوان وجلس بشق الأنفس في نفس وضعيته السابقة، جلب شيئا يشبه الظرف معه، وضغطه بيدي لأخفيه، ضغطه بكل وهنه المتبقى الذي استجمعه لأجلي. بعد نصف ساعة، فارق الحياة (لا تفاصيل اكثر في هذا الموضع).
قرأت الرسالة بعدما عدنا الى المنزل مباشرة، لم يكن من الضروري بقائنا هناك لأن والدته اطلعتنا أنهم سيدفنونه في الليل، دون أن يدري أحد، ذلك أفضل لأنها لا تملك مايكفيها لأقامة ولو حتى مأتم صغير لأجله.
حتى اللحظة وبعد أن قرأت الرسالة الآف المرات، اشعر كل مرة بشعور حادٍّ مختلف، حافظت على هدوءي طوال هذه السنين، والآن قلبي يحترق وبت لا احتمل كتمان الأمر، لم يكن مجنونًا، الرسالة مكتوبة بخط جميل لم أر مثله في حياتي، كانت مكتوبة لي، انهم لا يعلمون ماذا يعني متوحد، لذلك لم يساعده احد، يجرعونه عن عدم خبرة أدوية ترخي العضلات والأعصاب كرر ( لستُ مجنونًا) خمس مرات في الرسالة.. ولم يكن هناك غيري ليصدقه؛ كانت مختومة بكلمة أحبك، قرأتها تلك الليلة ويدي على قلبي، والصباح مشرع والجميع نائم، اردت أن أخرج وامشي حافية حتى أتعب.
سعيد.. حين خفت منه كان يراقبني، يراقبني حتى لا أهرب منه، وجد طريقه ليقرأ ويكتب، ويتعلم كيف يرسم، بما يكفي ليغرز في الحائط شكواه ومعاناته، لا زالت يده المقدسة الى الان تنبض سعيدة في دموعي خالدة حتى يبلى هذا الجلد الذي يغطيني.
في الثانية السابقة اختلجني تساؤل.ماذا لو لم يجبروه على الموت في ليلة الصيف تلك؟.
























