قصص قطارات تصعد نحو السماء لفاتح عبد السلام – جعفر أحمد الشيخ عبوش   

فاتح عبدالسلام

قصص قطارات تصعد نحو السماء لفاتح عبد السلام

إستيلاد المفاهيم الثقافية

 جعفر أحمد الشيخ عبوش

مهاد

يضم مصطلح استيلاد معاني التوليد والتوالد والمتوالد بمعنى تتوالد المفاهيم الثقافية في القصة وتتكاثر. وقد تميّزت قصة العراقي الذي حرّر لندن للقاص فاتح عبد السلام بتوالد تلك المفاهيم سردياً وبسيرورة منتظمة انصهرت في بوتقة واحدة. ويتمثّل النقد الثقافي كـ(( نشاط وليس مجالا معرفيا خاصا بذاته،…، مهمة متداخلة، مترابطة متجاوزة، متعددة كما أن نقاد الثقافة يأتون من مجالات مختلفة ويستخدمون أفكاراً ومفاهيم متنوعة وبمقدور النقد الثقافي أن يشمل نظرية الأدب والجمال والنقد، وأيضا التفكير الفلسفي وتحليل الوسائط والنقد الثقافي الشعبي، وبمقدوره أيضا ان يفسر (نظريات ومجالات علم العلامات، ونظرية التحليل النفسي والنظرية الماركسية والنظرية الاجتماعية والأنثربولوجية.. الخ) ودراسات الاتصال، وبحث في وسائل الإعلام، والوسائل الأخرى المتنوعة التي تميّز المجتمع والثقافة المعاصرة (وحتى غير المعاصرة). )) (1) ليكشف عن النسق المضمر عبر أبعاده النفسية والاجتماعية والتاريخية؛ فالسلطة محور العلاقة في الدراسات الثقافية لتلك الأنساق المضمرة وصولا الى الفعل الذي يناط للسارد. كما يدرس أعماق النصوص والقيم المستنبطة منه وحتى الحقائق على اختلافها؛ لأنه يربط الأدب بالثقافة أي ثقافة الشعوب؛ فالناقد الثقافي يبحث عن المخفي داخل النسق الخطابي. ويكون النقد الثقافي حصيلة الدراسات المذكورة آنفاً اذ تتقارب فيما بينها وتتصل مع بعضها البعض.

ويحلل النقد الثقافي القيمة المعرفية كالكتابة والمادة كتصوير ومدى التطابق بينهما أو الاختلاف الناتج بين التصوير والقراءة، وهناك ارتباط وثيق بين المجالات المعرفية؛ لأنّ ((المبدأين اللذين يستطيع النقاد الممارسون للدراسات الثقافية أن يعتقدوا فيهما، هما المبدآن اللذان تم تقديمهما فيما سبق، ويعني بذلك: مبدأ أن(الثقافة) يمكن ان تتحول الى مفهوم طبقي، أي الى (أداة) لممارسة (الغطرسة). والمبدأ الثاني يتمثّل في الاعتقاد بأن التوجّه التحليلي العابر للمجالات المعرفية (والمضاد أحيانا لهذه المجالات) نحو ثقافة حقيقية، قد أصبح توجّها مطلوباً الآن؛ لأن التاريخ والفن والإعلام هي مجالات معقّدة ومتداخلة)) (2) فيما بينها، وهذا ما يفسح المجال لتمثيل الحياة على تنوع اختلافها عبر القصة/الرواية بصورة متخيلة، من هنا انصبّ الاهتمام بهما أكثر من الشعر. وللنقد الثقافي ((مجموع المعطيات التي تميل الى الظهور بشكل منظم فيما بينها مشكّلة مجموعة من الأنساق المعرفية الاجتماعية المتعددة؛ التي تنظم حياة الأفراد ضمن جماعة تشترك فيما بينها في الزمان والمكان. فالثقافة ما هي الّا التمثيل الفكري للمجتمع، الذي ينطلق منها العقل الإنساني في تطوير عمله وخلق ابداعاته، فهي بهذا المعنى تختلط بالمجتمع، فلا يمكن التفريق بينهما الا في مستوى التمثيل، فهي بالتالي تحدد هوية المجتمع في كافة أبعاده المادية المعنوية)) (3) . لقد تميّز النقاد الثقافيون عن غيرهم عبر سعيهم ((لتحطيم التخوم بين الأعلى والأدنى، كما يسعون لتعرية التراتبية التي يتضمنها التفريق بينهما. إنهم كذلك يودون كشف الأسباب-السياسية غالبا- التي تجعل نوعا معيناً من المنتجات الجمالية أكثر قيمة مما عداه.)) (4) فالمفاهيم تتوالى متراتبة بإيقاع تتسارع فيه فاعلية المفهوم اللاحق على ما قبله (5). وقد انقسمتــــــــ  المفاهيتـــــم الثقـــــــــــــــــــافية الى:

أولا: مفهوم العزلة الثقافية/هابتوس الاغتراب

يفسر النقد الثقافي الأشياء تفسيرا يخضع لمفاهيم تكمل إحداهما الأخرى كحلقة /سلسلة تشمل مصطلحات عدّة عبر منظومات متعدّدة، والعزلة الثقافية الابتعاد عن المحيط على الرغم من تنوّعه اذ يتساوق ومصطلح الاغتراب ، والاغتراب مفهوم ثقافي غامض فقد ((وجد في القرى الصغيرة، وفي المدن الكبيرة، وفي الحضارات القديمة أيضا كما في المجتمعات الحديثة، وأن الاغتراب ليس مشكلة تولدت بسبب الرأسمالية أو الاقتصاد الماركسي او التنظيمات الاجتماعية ولكن هو مشكلة دائمة تواجه كل الناس تقريبا))(6) وتجعلهم في عزلة ثقافية يعانون من تداعيات نتيجة تغاير البيئة (المكان) والمجتمع. أما الهابتوس فهو ((نسق من الاستعدادات المكتسبة التي تحدد سلوك الفرد ونظرته الى نفسه والى الكون وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقها لهذا التصور يُعد الهابيتوس جوهر الشخصية البنية الذهنية المولدة للسلوك النظري والعملي وهو- في جوهره- نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل الوجود بالنسبة للفرد والمجتمع..))(7) وكذا الأمر في تواصل الجوهر مع معطيات الاغتراب الذي يستكمل دوره في البيئة المكانية الحاضنة والبطل على حد سواء. ويمثّل الاغتراب ((حالة نفسية اجتماعية تسيطر على الفرد فتجعله غريبا وبعيداً عن واقعه الاجتماعي. وينطوي المصطلح على مفاهيم متعددة تعدد الفلاسفة الذين ألحّوا على استخدامه، خصوصاً هيجل وفرويد وماركس))(8) اذ تتمظهر تداعياته بصورة نفسية وتنعكس على الفرد حين يجد نفسه في محيط غير محيطه وأناس لا يعرف عنهم شيئا الى جانب اللغة التي تشكّل كابوساً للبعض ولا سيّما العرب في البيئة الغربية.

وقد انقسم هابتوس الاغتراب على :

  1. 1. اغتراب ذاتي:

هو اغتراب الذات عن المحيط الاجتماعي الذي يتغيّر عليها (غير بيئتها الأصلية التي ولدت وترعرعت فيها) وبالإمكان أن نطلق عليه الاغتراب الذاتي وعدم التفاعل مع المجتمع. والذات تستشعر الحنين والمشاعر والذكريات كمعادل للإبتعاد. تشعر الذات باغتراب عميق في غرفة التحقيق: ((أصبت بإحباط واختنق الكلام في حلقي، وبقيتُ ساهم النظر اليه لا أعرف ما أقوله. عبر حاجز زجاجي قصير ومعتم، كان هناك شخص ينظر الينا، ثم نادى على المترجم، وتكلم معه كلمات قليلة)) (9).

يجسّد السارد حالة الاغتراب الذي تعيشه الذات وهي تطلب اللجوء بذلة وخنوع:

((- من أي بلد جئت؟

قلت:

  • العراق.. انا هارب كانوا يريدون قتلي وهربت.. أريد اللجوء)) (10).

نلحظ ورود مفهوم الاغتراب في الوطن والغربة معا، ورؤيتي أن التاء في (أصبتُ، بقيتُ، قلتُ) تدل على المتكلم السارد نفسه وربما تطابق السارد مع شخصية واقعية لم تسمَّ لاستثناءات خاصة؛ لأن السارد كشف عن تلك المعاناة والترقب وهو لا يُجيد حتى لغة البلد الذي هاجر اليه وكان معه مترجم يترجم ما عاناه. ان الحالة النفسية انعكست سلبياً عليه من احباط واختناق الكلام مع الشرود الذي كان عليه.

وهو تفسير ممنهج عن مجتمع يعيش في تنازعات بين الفاعلين وهيمنة للطبقة الحاكمة التي لا يهمّها سوى الحفاظ عن بقائها مما دفع البعض الى الهجرة من الجحيم الى النعيم المبهم.

  1. 2. اغتراب الآخر:

تتمركز الذات في بلاد الغربة لاستثناءات عدّة، فرب ملاحق من جماعة دينية او عرقية، ورب مثقف هارب من اضطهاد السلطة بعد ان عاش خيبة أمل في مجتمع لا يثمّن جهده ؛ فتعيش في اغتراب ولا سيّما من الآخر. فكيف اذا شعرت باغتراب من قبل (الآخر) نظيرها سواء أكان في العمل أم في المسكن: (( لكنني تذكرت مايكل. كانت له ملامح قاسية وباردة تذكرني بوجوه الجنود الروس في افلام الحرب العالمية التي أدمنت على مشاهدتها. وجهه مترب دائما من لا شيء. ربما أنا وحدي أرى ترباً يعفّر وجهه حين يتكلم. كانت كلماته خشنة الوقع، يبلع مخارج حروفها دائما. يعبر عن إخلاصه لحزبه امامنا بطريقة تثير الفضول فينا. لماذا هو يفعل ذلك.)) (11).

يكشف البطل عن الاغتراب من الآخر، والآخر هو الضد؛ لأنه في محيط اجتماعي متغاير عن محيطه، وذلك عبر تقانة الوصف المباشر للشخصية الند والملامح القاسية والبرود وهي بمثابة تخطيطات للوجه جمعت ما أدمن مشاهدته من أفلام للروس وقساوة الملامح الى جانب العنف اللفظي ( الكلمات الخشنة) مما ترك في الذات تساؤلا عن سبب هذا الإخلاص (اخلاص مايكل لحزبه) وأثار الفضول لدى الذات.

لقد كانت الذات حريصة على أن ترى حرية وديمقراطية الغرب بحسب الشعارات اعلامياً لكن الواقع يختلف اختلافاً جذرياً. اذ تكشّفت الحقائق عن الأنوية المفرطة وتبعية الحزب الواحد في تطبيق للحياة المعاصرة في الغرب.

  1. 3. اغتراب اجتماعي:

يختلف هذا الاغتراب عن الاغتراب الذاتي؛ فالذات تعيش الغربة من المجتمع لكن هنا المجتمع يعامل الذات معاملة ربما لا تحمل أي معنى من معاني الإنسانية فضلا عن رؤيتها بصورة دونية فيها نوع من التحقير والتقليل من الشأن، وهو بذلك يوثق تلك الأحداث توثيقاً صادقاً، وأحسب ان غياب الاسم من بداية القصة الى نهايتها فيه قصدية توصلنا نحو نتيجة لا تقبل الشك بأن البطل قد عاش هذه الأحداث بتفاصيلها ونقلها بواقعيتها الى القصة.

تتعرض الذات الى انكسار واضح بسبب عدم الثقة: (( انهم لا يثقون بي على نحو كاف، لكنهم يريدون مني أن أكون معهم في مهمتهم الأخطر. أيّ اختيار هذا؟ أو ربما أيّ احتقار؟ لا يهم أيّ شيء الآن، فإن أمام مهمتي التي لا مهرب منها في هذه الغرفة المغلقة)) (12).

ان المحيط الاجتماعي في كلمة (انهم) كشف عن اغتراب الذات اغترابا اجتماعيا ومن قبل الجمع وليس الأفراد؛ لأن اصدقاءه لم يشركوه معهم في المظاهرة المزعومة، وكذلك احتقارهم له حين قفلوا باب الغرفة التي يعمل فيها واصبح كالسجين، وهذا يدلل على عدم وثوقهم به، وأيضا رفاقه في العمل أيضاً كانوا يعاملوه بجفاء فكيف سيروض نفسه في مجتمع أناني؟ سيخرج من سجن صغير الى سجن أكبر، كما جسّدت الذات ايقاع الحزن والوجع من سوء المعاملة. لقد وجد البطل جانب الازدراء وتفسير حراك المجتمع ضده.

 نلحظ استخفافاً من قبل المترجم بحسب المعطيات التي يعرفها، لكنه لا يعلم معاناة الشعب واقتتالهم الداخلي: (( – “قلت لك الحرب”

-” أية حرب؟ الحرب انتهت منذ أكثر من سنتين”

– ” نعم، تلك الحرب التي انتهت كانت حربهم، الآن بدأت حربنا الداخلية”

-“كيف”

-“صرنا نتقاتل فيما بيننا، يذبح بعضنا بعضاً، القوي يأكل الضعيف”)) (13).

ان حوار البطل مع المترجم (في أثناء طلب اللجوء) الطرف الأول البطل والثاني المترجم؛ ففي هذا المشهد الحواري ثمة نسق مضمر غير ظاهر (اغتراب اجتماعي) فالمترجم يقول للبطل إن الحرب انتهت فيما ردّ عليه البطل بأن الحرب الأولى: احتلال الأمريكان لبلده العراق توقفت لكن الحرب الثانية: الداخلية، القتل على الهوية والطائفة أو من يمتلك القوة يقتل الضعيف لم تنتهِ تلك الأسباب دفعته للخروج من بلده والهرب الى بلاد أخرى. لقد عاش البطل اغترابين اجتماعيين: الأول في بلده وما رآه وعاصره، الثاني في بلاد الغربة. اذ لم يختلف شيئا فالنتيجة واحدة. ومن المنظور الرمزي نرى تعرية الحرية في الوطن الذي انخدع فيه.

  1. 4. اغتراب مكاني:

هو الاغتراب الذي يُحدد بمكان ما حيث الخوف والهلع والأفكار السيئة التي تراود البطل في مكان أشبه ما يكون معادياً له. اذ يقارن ما بين الاغتراب في المكان وعدائه مع الحرية للآخر في بلاد تنادي بالحريات وعدم اضطهاد الآخر فقد تمثّل في ذاته الكذب والقمع والشعارات الزائفة التي تعرض إعلاميا وتتغاير مع الواقع.تتلخص فكرة الاغتراب المكاني عبر وجود الشخصية في المكان المألوف الذي سيتحول الى مكان معاد نتيجة ممارسة القوة والتسلط على  البطل: (( خرج الرجلان وتركاني في الغرفة، بعد أن أطبقا الباب بقوة، كأنهما أغلقاه من الخلف حتى أبقى محبوسا. كان صوت اقفال الباب يوحي بأنهما سجّانان فعلا.)) (14).

ينصدم البطل من ذلك التصرّف حين قُفل الباب عليه في الغرفة من الخارج من قبل الرجلين اللذين كانا يعملان معه، ولعل قسوة المشهد في ضرب الباب بقوة وإغلاقه من الخارج أثّر في الذات فتخايل البطل نفسه سجينا عبر تقانة الوصف (صوت إقفال الباب) أوحى له بأنهما سجانان وليس صديقين في العمل. لقد التبس الخوف والقلق من هذا التصرف، وجعل الذات تعاني من عداء مع المكان؛ فكان الاغتراب المكاني صورة للمعاني اللاإنسانية والحقائق الخفية للآخر المقابل وتفاعل البطل مع تلك الأفراد. ويتطرق البطل الى اغترابه عبر التصرف المهين من الآخر والانتقال من السرد الوصفي الى التجسيد الصوري تأويلاً لمعانٍ مضمرة غير ظاهرة.

ثانيا: مفهوم التوازي/التزامن التواقت

تتوازى في القصة أحداث فنراها تنشطر الى شطرين في المشهد السردي نفسه: الأحداث الأولى تتسق مع الأحداث المسرودة الثانية ضمن تأطيرها العام، اذ تتزامن وتتواقت عبر (( القطع المتداخل والتناسج لمجموعتين أو أكثر من المواقف والأحداث التي تقع في نفس الوقت)) (15). أي الوقت الذي تسرد فيه أحداث القصتين معا.

يكشف المشهد عن سرد قصتين في آن واحد: (( لكنه ذلك الاتصال الهاتفي المشؤوم من الصربي. حين تكلم وقال: ” عليك أن تأتي الآن”، كان يشبه رئيس عرفاء وحدتي العسكرية يوم كنت جنديا في الاحتياط، عندما غزا الجيش الأمريكي العراق. كان ذلك العسكري حين يصدر أوامره لي، يأخذني الظن انه تلقى الأوامر لتوه من القائد العام للقوات المسلحة مباشرة)) (16).

تزامن صوت الصربي مع صوت رئيس عرفاء الوحدة العسكرية في زمن منصرم يحدده السارد، ويستذكر الغزو الأمريكي لبلده، وقد رأى البطل (بالضمير التاء الذي يعود عليه) ان صوت رئيس عرفاء الوحدة يوازي صوت الصربي ويوازي القائد العام من حيث الشدة والقوة والتسلط.  اذ تساوقت ثلاثة أحداث مجتمعة وعبر الصوت بين الشخصيات المذكورة آنفاً. لقد تناول السارد تقديم المستعصي من الأحداث وقارنه مع الأفكار المتداعية. انها خلفية تصويرية تناظرية متوازية بين الواقع (الاتصال الهاتفي) مع الماضي (صوت رئيس العرفاء) تمهيداً للغزو الذي جاء ليعضّد الكلام.

ثالثا: مفهوم التعاقب

يبرهن المستوى السردي المتعاقب في السرد الأصل (الأول) على خطاطة السرد التالي (الثاني) بما يصطلح عليه القصة في القصة، وقد حوت قصة (العراقي الذي حرر لندن) نمطاً ((موضوعاتياً غرضياً خالصاً. فهو لا يستتبع أي تواصل زمني مكاني بين حكايتي القصة الأولى والقصة الثانية. وبإمكان هذه العلاقة أن تكون علاقة تقابل أو علاقة تماثل)) (). بل ثمة عالم براني متداخل مع عالم جواني. ان الراوي الأول في القصة الاولى يختلف عن الراوي في القصة الثانية بمعنى ((تحولا في مستوى السرد من القصة من الدرجة الأولى الى القصة من الدرجة الثانية. وقد اقترح جونات هذا المصطلح بديلاً عن مصطلح التضمين المتمثل في اندراج القصة في القصة)) (17). بوصفها الأحداث التخطيطية المنتظمة التي تمثل تعاقب القصتين.

تبدأ القصة الأولى من الاستهلال عبر دينامية تقانة الحوار المباشر: ((- أين كنت، بحثنا عنك في كل مكان ولم نجدك)) (18). الى : ((ولم يدر في بالي أنني سأتذكر شيئا منه حين أصحو)) (19).اذ استغرقت القصة خمس عشرة صفحة تخللتها الأحداث التي وقعت مع البطل في البلد المُضيف (طلب اللجوء) وقد جاء السرد ليكشف عن اغترابه الذاتي والاجتماعي في خطاطة منتظمة بسبب تغير البيئة والمجتمع فهو في حراك اجتماعي مختلف عن مجتمعه. كما جاء الزمن الآني في القصة الأولى ليكشف عن الزمكان الآني أيضا في الغربة القصة الثانية، ومضى الحديث عن تطور المجتمع الجديد مجتمع البطل، وجاءت تقانة الحوار بتعدد الأصوات (ثلاثة أصوات مرة واحدة) ومن جماليات القصة الأولى اختراق السرد (أكثر من مشهد) لمنظومة الحوار بمعنى إبعاد الراوي وفسح المجال أمام البطل ليتكلم بحرية وسرد ذاتي عبر ضمير المتكلم (أنا) فضلا عن إيراد فلسفة السارد: ((حين لا يكون هناك خطة في رأس الإنسان لعمل شيء، ليس أمامه عند ذاك سوى الهروب من دون تفكير أو الاستسلام…)).ثم تأتي القصة الثانية وبصورة متناوبة: ((صرخ فيّ: ” ماذا تفعل؟”)) (20). الى : ((كما كان يفعل دائما، يصرخ.. يصرخ، حتى أشعر أن ثقلاً كبيرا انزاح عن كاهلي)) (21). وقد استغرقت القصة الثانية ست صفحات (أقل من القصة الأولى) ويرجع السبب في ذلك الى تقانة الاسترجاع عبر التذكر لأحداث ماضية في بلده العراق أبان الحرب العراقية الأمريكية. وقد طغى السرد الذاتي أيضا مما شكل توازياً ما بين القصة الاولى والثانية. كما جاء الوصف المسرّد (التسريد) وتقانة الحوار الأحادي ذي الصوت المنفرد الواحد حتى انتهاء الاسترجاع بعودة شخصية مايكل الى السرد الأول القصة الاولى كما جاء: ((ظهر وجه مايكل على عرض الشاشة)) (22). ثم انتهاء القصة بخاتمتها المفتوحة عبر السرد الذاتي: ((وشعرتُ أن الناس الذين أكل القلق وجوههم وضاقت الأنفاس في صدورهم في الدقائق العشر التي كابدوها في الإضراب عادوا للتدفق نحو جميع القطارات المتوقفة مع سريان الوهج في تلك الخرائط الضوئية)) (23) ويستطيع القارئ ملء هذه الخاتمة بما يتلاءم مع أفكاره. اذ تنفتح على تأويلات واحتمالات عدّة. لقد عصى العراقي أوامر مايكل وكسر طوق الإضراب، لأنه هو من حرر لندن من السكون الزمني فهو من سيحاسب على ما فعله. فالمفاهيم التي جاءت في القصة الأولى والثانية أثارت القارئ وكانت أكثر عمقاً لأنها تبين جوانب ذاتية ومجتمعية لنموذج الحرب ونموذج الغربة بدلالتها التكثيفية.

رابعا: مفهوم البطل

يمتلك الأبطال مزايا وسمات معينة تفردهم في الدراسات الثقافية  فمنهم؛ الايجابيون/السلبيون ومنهم الأخيار فضلا عن قدراتهم غير العادية والمهارات الرائعة اذ يكوّنون مظاهرا حديثة أو صورا حديثة للشخصيات؛ فالوظيفة الأساسية لأسطورة البطل هي مساعدة الأفراد على تنمية الوعي بالأنا والذي يمكنهم من خلاله أن يتغلبوا على المشاكل التي قد يواجهونها في حياتهم() المغتربة. ((ان البطل او البطلة يقدمان في الغالب قيما ايجابية)) (24) مماثلة مع الذات في السرود بوصفها أُس البنية التحتية.

تنوعت الشخصيات بحسب انتمائهم وهم:

  1. 1. السارد بضمير المتكلم (أنا) البطل: في وجهي نظرة المتفاجئ ص37
  2. 2. العامل الصربي: نظر العامل الصربي في وجهي ص37

3.)مايكل): يحتاج رجل مثل مايكل: ص39

  1. 4. الموظف: هو ذلك الموظف الذي سألني عن سبب قدومي ص39
  2. 5. الأفغاني والمترجم الأفغاني ص41-42
  3. 6. شخص: كان هناك شخص: ص44
  4. 7. الرجل الأول: خاطبني الرجل الأول: ص49
  5. 8. رئيس العرفاء: كان يشبه رئيس عرفاء وحدتي العسكرية: ص52
  6. 9. احدهم: احدهم قال لي: ص52

ونلحظ غياب الاسم وتجريد الشخصية منه بسبب التجديد والتجريب والمغايرة، بينما كان مايكل الشخصية الثانوية في القصة حاضراً. اذ توزعت ادوار الشخصيات بصورة متفاوتة، رئيس عرفاء الوحدة البطل الثاني أما باقي الشخصيات (العامل الصربي-الموظف في دائرة اللجوء-الأفغاني-المترجم الأفغاني- شخص-الرجل الأول-أحدهم) شخصيات هامشية ومنها شخصيات مساعدة في القصة، وهي تؤدي دعما وإسناداً لبقية الشخصيات. فبعضها شكّل مكوناً انفعالياً، والبعض الآخر منها شكل مؤشرا إيديولوجيا عبر علاقاتها التبادلية وعلاقاتها الزمنية في محيط الاغتراب. علاوة على ذلك نلحظ تراتبا منتظما في تصنيف الشخصيات وعلى وفق منظور تصاعدي من البطل الى الشخصيات الثانوية ثم الهامشية وأخيرا العودة الى البطل في نهاية القصة. فالشخصيات احتشدت في القصة جميعها على وفق الأدوار المنوط بها والبعض منها تطور تطوراً ملحوظاً عبر الوظائف المسندة اليها. ويعد احتشاد الأبطال بهذا الكم الى المظاهر الحديثة التي يوظفها القاص. كما يبرهن على الصور الحديثة للمجتمع، ويمكن المحاجاة بأن القصص الحديثة المتعددة تشبه في طبيعتها القصص الخيالية وربما تكون نسخاً مموهة منها وكأنهم _أي الأبطال_ يرتبطون باللاوعي الجماعي الموجود لدينا (24). بوصفهم أدوات مساعدة خلقت التوازن في القصة.

خامسا: مفهوم الحوار تأويلات لأنواعه

تشير كلمة التأويل الى التفسير أو جعل الأشياء واضحة وفك الغموض عنها والتأويل في النقد الأدبي والثقافي المعاصر منهج للتناول وإماطة اللثام عن معنى النص (او النشاط الثقافي الذي يرى من حيث كونه نصا) لا عن طريق إعمال الفكر أو التحليل العقلي الموضوعي، وإنما بالنفاذ الى داخل النص، فالنص يعد عالم مقال مكتفيا بذاته، ويرغب التأويلي ارتياد العالم لا مجرد ان يعرفه عبر العمليات العقلية(25). وتفسير النص بالسؤال عن معنى فهم النص ((ومن ثم فإن النصوص الأدبية لا تقابل التحليل، وعوضا عن ذلك يتم تجليتها حيث ينفذ الناقد داخل العمل ويجوس بين جنباته خياليا، لا أن يقف خارج النص ويراه من حيث كونه موضوعا للدراسة ، ففي التأويل يكون التركيز على النص وفي هذا الصدد يختلف التأويل عن نظرية التلقي تلك التي تركز على الدور الذي يلعبه القارئ في النص. لا في المعنى المزعوم الذي يحتويه النص)) (26). بمعنى الغوص في عمق النص والبحث عن دلالات تثري النص ومعاني خفيّة يمكن استنطاقها. أما الحوار فهو تبادل الحديث بين شخصيتين وإزاحة الراوي من موقعه وهي تقنية من تقانات القص.

انقسم الحوار في قصة العراقي الذي حرر لندن الى:

  1. 1. الحوار المباشر بصوتين:

ان مبرر الخوف يظهر من تناوب الحوار:

(( – “اين كنتَ بحثنا عنك في كل مكان ولم نجدك؟”

   -“أين يكون عامل السكة الحديد عادة؟”

  -“أعرف لكننا أردنا أن تحضر معنا اجتماع العمال اليوم”

  -“لماذا أحضر الاجتماع.. ماذا حصل؟” )) (27)

يتمظهر في الحوار صوت السارد الأول والعامل الصربي اللذين كانا يعملان في السكة الحديدية  وغياب السارد المعهود عن الاجتماعات التي كانت تجري منذ وصوله الى لندن وهو لا يحضر معهم، فجاء الحوار مباشرا بين شخصيتين وبتناوب ظاهر. فالغياب دلالة على حالة الاغتراب والخوف من الآخر.

  1. 2. الحوار المباشر بأصوات ثلاثة:

  يرتكز الحوار على ثلاثة اصوات، الموظف والسارد والمترجم: (( ابتسم الرجل في وجهي، وأخبرني المترجم إنه يقول:

– من اي بلد جئت؟

 قلت:

– العراق.. أنا هارب كانوا يريدون قتلي وهربت.. اريد اللجوء.

قال المترجم:

– حسنا تعال معي لنملأ معا هذه الاستمارة.)) (28)

تناوبت ثلاثة أصوات في المشهد الحواري، الأول: الرجل الموظف الذي سأل العراقي عن سبب قدومه الى لندن، الثاني: العراقي الذي كان يجيب الموظف، الثالث: المترجم الذي كان يترجم كلام العراقي للموظف. وقد تخلل الحوار سردٌ مبتورٌ جاء متقطّعاً ليبين المعاناة التي يتعرض لها البطل عن بلده أو اللاجئين بصورة عامة دون أن يعلم أبسط الأمور ملء الاستمارة المقدمة. فالمترجم شكّل صمام أمان للبطل وذلّل له العقبات كلها. ان التحليل النفسي للبطل يظهر الثقافة السياسية للطغاة في بلده عبر نسق مضمر واصراره الحازم بصيغة الأنا نتيجة خوفه من القتل.

  1. 3. الحوار الأحادي بالصوت المنفرد الواحد: (( – تعال الآن الى المحطة، مايكل هنا وحدثت تطورات)) (29) وقد جاء ثماني مرات بهذه الصيغة. والحوار الأحادي: هو الذي يتوسط بين سردين اثنين ويكون بصوت واحد بمعنى طرف واحد فقط يسأل أو يتحدث أو يخبر عن شيء غامض يتمم ثغرة من ثغرات القصة أو يملأ فجوة ما. كما يشير البطل الى شخصية (مايكل) الذي يرمز للغرب والبطل للشرق ثنائيتين متضادتين ومتقاربتين في آن واحد.

سادسا: مفهوم الثنائيات الزمنية الفاعلة: تقانتا الاسترجاع والاستباق

 تحتل الثنائيات الزمنية الاسترجاع/الاستباق حظوة في السرود بوصفهما أداة فاعلة عبر الأنظمة التي تخرق تسلسل القصة/الراوية. اذ لا تنوجد خطاطة متراتبة لدخول هاتين الثنائيتين. ((والزمن في المتن الحكائي طبيعي وليس فنيا لأنه زمن الأحداث المتصلة على نحو شبه واقعي، ويُعرض في المتن بطريقة عملية حسب النظام الطبيعي السببي للأحداث)) (30)؛ فالاستذكار تقنية من التقانات السردية تعود بالسرد نحو الوراء الى الماضي لتذكر حادثة ما تكون متمّمة لحلقات السرد أولاً ولكي يتخلص السرد من الرتابة ثانياً:

((كلما تذكرته./ تذكرت الباب الحديدي المقفل./ لم يدر في بالي أنني سأتذكر شيئا./ لم يخطر في بالي مجرد خاطر أنني سأتذكره يوما.)) (31) في المقاطع الأربعة يأتي الاسترجاع عبر الأفعال: (تذكرته- تذكرت- سأتذكر- سأتذكره) اذ يرى (جيرار جينيت) أن كل استرجاع بالقياس الى الحكاية التي يندرج فيها حكاية ثانية زمنيا تابعة للأولى (32)  وبذلك تندمج الحكايتان معا في نسيج بؤري واحد. ومن اللافت للنظر أن صيغتي (تذكرته/تذكرت) جاءت بصيغة الماضي، بينما (سأتذكر/سأتذكره) جاءت بصيغة المضارع مع حرف السين الذي يدل على الاستقبال بمعنى تناوب الحكاية الثانية عبر الصيغ السردية المختلفة.

 أما الاستباق فهو التنبؤ بالمستقبل الذي يجتاز الحاضر. فـ ((الاستباقات التكميلية تملأ فراغات لاحقة تنشأ عن الثغرات في السرد )) (33). والحكاية اذا كانت بضمير المتكلم تغدو ملائمة للاستباق بسبب طابعها الإستعادي المصرح به للذات الذي يعطي الرخصة للسارد ان يلمّح للمستقبل (34) وما سيحصل فيه .

يمثل التخييل مرتكزاً للاستباق: (( كنت استطيع وأنا مغمض العينين أن أخمن شكلاً اخر النازلين من القطار الأخير في هذه المحطة الغارقة في سكونها.)) (35)  يسرد البطل بضمير المتكلم وبشكل سيري عن تخيّله للنازلين من القطار؛ فهو يستطيع التخمين دون أن يرى شكل آخرهم في مكان غارق في سكونه؛ فالتخمين استباق وادراك لما سيحصل مقدما لرؤية الوجه الأخير.

يظل الاستباق محكوماً بمدى تحققه من الفكر المتخيل الى عالم القصة: ((كدت أذهب اليه واعترف بكل شيء. وأقول له انني لاجئ هنا لأنني كنت هاربا من المسرح. سينفجر عندها بالضحك ويدعو أصدقاءه الموظفين لوليمة الضحك عليّ. او ربما يغضب ويضرب يده بالطاولة، ويوجّه لي الجملة القاتلة: من الاحسن لك أن تعترف.)) (36)

في هذا المشهد السردي يستبق السارد ردة الفعل للموظف الذي يحقق معه عبر المترجم، لأنه يروم طلب اللجوء في مدينة لندن، وانطلاقا من ردة الفعل، وظهر الاستباق عبر احتمالين اثنين سردهما البطل:

  1. 1. رؤية الموظف وهو ينفجر من الضحك ويدعو أصدقاءه للضحك على البطل.
  2. 2. الغضب من كلام البطل عبر استباق ضرب اليد بالطاولة وقول جملة: من الأحسن لك أن تعترف.

ولم يخبر البطل بعد ذلك ماذا حصل معه؟ وفي ذلك ايهام وغموض للقارئ. وهذا يوافق النص الآتي: (( مضينا ونحن نتوقع أن تصطادنا الطائرات الأمريكية التي تحلق في السماء بحريتها، فيما كانت مضادات أرضية في أمكنة بعيدة تطلق عبثا رشقات من قذائف عاجزة، لا تصل الى أهدافها.)) (37)

يستبق البطل الموت وهو في حالة الحياة في حرب العراق مع الجانب الأمريكي وعبر الطائرات التي كانت تصطاد الجنود العراقيين في ساحة المعركة، وقد أخرج حالة العجز من الطرف العراقي للمضادات التي كانت ترشق الطائرات بفعلها العبثي. فالتوقع هو الاحتمال الذي طغى على المشهد ونتيجة التوقع الموت، لكن لم يحصل ذلك بدليل وجود البطل وهو يسرد الحادثة. إنّ التحليل التسلسلي للنصوص في القصة يشمل دراسة التوالي الخطي للسرد. كما أن التحرير والكتابة من حيث المعنى تشمل تداول ترتيب العناصر في النص لتقديم معنى ما(38) فالتوالي الخطي جاء متراتباً عبر التفاصيل المسرودة طالما أن تركيب القصة يتألف من ثنائيتي الاسترجاع والاستباق.

سابعا: مفهوم فلسفة الأنا في السرد

تحدث العديد من التغايرات اليومية والاجتماعية لتكشف عن القدرات العقلية في التأمل والتفكير ومن ثم تولد الحكمة نتيجة استنباط الدروس والعبر من تلك المواقف التي تختزن في ذاكرة المتأمل؛ فلربما نلفي كاتبا روائيا يمتلك فلسفة خاصة به، وكذا الأمر لدى الشاعر والقاص ثم يقوم بنقلها الى عوالم الخيال، وتكون قناعه المخفي وراء السارد او البطل. و ((تٌعد الفلسفة وسيلة لنقد الحاضر، لتعزيز وعي تأملي للحاضر على انه في أزمة… وتؤدي الفلسفة باعتبارها تأملا ثاقبا حيال التاريخ والثقافة والمجتمع الى إيقاظ الوعي النقدي… وبالنسبة الى الفيلسوف، الأزمة الحقيقية ستكون الموقف الذي يتم فيه الوعي بوجود أزمة)) (39) كما تكون محور اهتمامه وتحوز الأنا على ريادة في التحليل النفسي عبر دوافعها الخارجية ، و((يمكننا في الغالب ان نجد شخصيات في النصوص يمكن وصفها كشخصيات تمثل الأنا أو كشخصيات تعد وظائفها من الأساس وظائف الأنا. أي انها تتناول علاقة الفرد ببيئته)) (40) علاقة ذاتية، والتعبير عن الأنا في السرد يحيل الى أنا السارد و/أو أنا الشخصية وما يطرأ عليهما من حالات شعورية مقصودة. أما التحليل النفسي فـ((ينطلق من فهم الأنا بوصفها نسقاً عقلانيا واقعياً لوظائف الشخصية، أو بوصفها وحدة فاعلة تؤلف الفرد وتصوغ تصوره الكلي عن نفسه، مما يفضي الى التركيز على العمليات التي تقوم بها الأنا في نمو الشخصية (من مثل إدراك الواقع والتعلم الواعي والتحكم الإرادي).)) (41) وهذا ما حصل لفلسفة الأنا في القصة.

يتضمن المشهد فلسفة اقتناص الفرص: ((حين لا يكون هناك خطة في رأس الإنسان لعمل شيء، ليس أمامه عند ذاك سوى الهروب من دون تفكير أو الاستسلام ومن دون تفكير أيضا. هذه المعادلة البسيطة تحكم أعمال البشر غالبا.)) (42)

ان نظرة السارد في سرده الذاتي تبين فلسفته من الحياة؛ فالإنسان اذا ما أصر على أمر يجب أن يفعله دون أن يستسلم بل لا بُد من توافر العزيمة والثقة، وهذا ما تحقق بوصوله الى لندن، فقد خطط لذلك وهرب انها المعادلة التي سار عليها. فالهروب تمثل بالمغادرة لتغيير المحيط العام للبيئة والمجتمع وهو وصف لإقتناء الفرص من دون تردد أو تفكير طالما كان ذلك بمقدور الإنسان.

يضع السارد تصوره عن ضيق التفكير وعقدة الدماغ : ((ما اعقد الدماغ يذهب بالإنسان بعيدا في التفكير في وقت ضيق لا يتسع لالتقاط الأنفاس)) (43).

لا بُد من الإشارة الى أن فلسفة السارد هي رؤيته الثاقبة تجاه الحياة، وهي مستنبطة من مواقف وأحداث مرت معه فأصبح على دراية تامة بما سيتحقق أو ما سيكون قابلاً للتحقيق وهي رؤية تحمل استباقاً في بعض الأحيان جرّاء تلك الرؤية النافذة. اذ تصعب الحياة بسبب تعقّد دماغ الإنسان حين يبتعد عن التفكير في وقت ضيق؛ فمن الواجب اقتناص الفرص فأي تأخير تكون عواقبه وخيمة فقد ينتهي بما لا يتسع لالتقاط الأنفاس. يستنبط من هذه الفلسفة أن على الإنسان أن يختار الفرص المناسبة ولا يتردد أبداً كي لا تفوته؛ لأنها تذهب بلمح البصر وتحتاج الى أنفاس متتابعة. فالأهداف لا تنتظر والإشارات لا تتكرر فما الحاجة الى الذهاب بعيداً بالأفكار وكثرة الاحتمالات التي لا تجدي شيئاً سوى التأخير والبقاء في المكان نفسه.

ثبت المصادر والمراجع

المصادر:

  • قطارات تصعد نحو السماء، فاتح عبد السلام، قصص، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان-بيروت، ط1، تموز/يوليو، 2019م-1440هـ.

المراجع:

  • الإنسان والسلطة_اشكالية العلاقة وأصول الاشكالية، د. حسين الصديق، الناشر اتحاد الكتاب العرب، سوريا-دمشق، 2001.
  • خطاب الحكاية بحث في المنهج، ترجمة: محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، ط2، 1997.
  • عصر البنيوية، تأليف: إيديث كريزويل، ترجمة: جابر عصفور، سلسلة كتب شهرية تصدر عن دار آفاق عربية للصحافة والنشر، العراق-بغداد، 1985.
  • الفلسفة القارية، مقدمة قصيرة جدا، تأليف: سايمون كريتشلي، ترجمة: أحمد شكل، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، جمهورية مصر العربية-القاهرة، ط1، 2016م.
  • قاموس السرديات، جيرالد برنس، ترجمة: السيد إمام، ميريت للنشر والمعلومات، شارع قصر النيل- القاهرة، ط1،2003.
  • معجم السرديات، مجموعة من المؤلفين، بإشراف: محمد القاضي، دار محمد علي للنشر، تونس، ط1، 2010.
  • المنهج التكويني من الرؤية الى الإجراء، د. رحمن غركان، الانتشار العربي، لبنان-بيروت، ط1، 2010.
  • النقد الثقافي_ تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، تأليف: أرثر أيزابرجر، ترجمة: وفاء إبراهيم و رمضان بسطاويسي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، العدد (603)، إشراف: جابر عصفور، القاهرة، ط1، 2003.

البحوث على شبكة الانترنيت:

  • ما النقد الثقافي، تأليف: د. يوحنا م. سميث، ترجمة: د. أيمن بكر، بحث على شبكة الانترنيت.
  • هابتوس- رؤية بيديا،www.roayapedia.org/wiki/index.php/- www.b-sociology. com