(مرآة ونصف وجه ) صور عابرة ودهشة – ندى محمد عادلة

(مرآة ونصف وجه ) صور عابرة ودهشة – ندى محمد عادلة

كتب الشاعر في مقدمة ديوانه  مقولة للشاعر الروسي –  إلينا أهرنبورغ   ( أنا أؤمن أن مصير الانسان يشبه لعبة اليانصيب ولا يشبه لعبة الشطرنج التي تجري وفق قواعد معينه )

ربما؟ قد نوافق إلينا أو لا على هذا الرأي في مقدمة المجموعة،  ولكن نوافق الشاعر ونثمن عاليا هذه المجموعة الرائدة بالشعر الحداثوي الجميل ,  بدأ بمجموعته الشعرية وأتبعها بعناوين   مشتقة من الغموض الحياتي، من كوابيس الحياة المرعبة، عندما نقرأ العناوين بالمجمل يقودنا مظهر الشعر الفني الى معناه، ويدفعنا أسلوب الشاعر المختزل بلاغة وحضور الى فكرته ومآربه  (  حب من طرف واحد _ عد في لعبة خاسرة _ ظل امرأة _صورة لرئيس _ ست وتسعون مترا _ للقمر عاصمة – مكابرة _  أسئلة مرتبكة  )  هذه بعض العناوين المتخمة بصراعات البقاء وترتيب الكون وفق المنظور الفكري ورؤية الشاعر الذي أوجد للقمر عاصمة مضيئة في ساحة التحرير وفضاء الحرية ومصداقية دماء الشهداء مع العلم ضجيج السلاسل في حنجرته  , ولا صوت له يتهيأ كل وقت لاجتياز ظلامية هذا الزمن برسم ظلال من النور في عاصمة القمر ….  أفكار الديوان عميقة بشكل عام وانزياحات لغوية لا تجافي التفكير المنطقي، أما تجربته الشعرية فهي تبعثك الى الانتقال على جناح الصور الشعرية الرائدة والخيال الذي يتوالد خصوبة وابداع في كل جملة ونص . وفي ترويض الالفاظ وابتكار الاستعارات والتجديد في الشعر من مقتضيات الحياة

مصابيح آلهية

في قصيدة (  الكتابة سرا  ) يقول: القصائد مصابيح إلهية، لم يغادرها النعاس، ولا تلبس فوق رأسها شعرا مستعارا، لذا معي، حَمّـالو الحقائبِ  في الفَنادِق , أَفندِيةُ المَدينة  , العامِلاتُ اللَّواتي  يُنظِّفنَ طَاولاتِ المَقاهي , ومَن هَربن من مزادِ السَّبي يحرص الشاعر قاسم محمد مجيد  على حرية قصيدته وعلى شكلها الواضح وبنائها المحكم وتتشكل القصيدة لديه كما تريد بمراقبة الوعي وضبط السياق العام في بنيتها الدلالية …الشعر الجميل يعتمد الرموز والايحاء هو روح اللغة وجمالها دون الغموض الذي يفسد على القصيدة هدفها ومبتغاها

ففي قصيدة – حب من طرف واحد  – ( لا بأس أن اطارد جنيات بيض في الدار _ أو أتصنع عدم رؤيتك حين تمرين _فلا أحد باستطاعته أن يفسر _ سر النهر اللاهث من العطش _ ولم صرت سحابة تتبع قطارا ) هنا يتجلى المحتوى الجميل المتماوج بالظلال والاشعاع الغامض الذي تنتشي له النفس بسلطة الدهشة الماورائية الشاعر تختبره الأمكنة ويختبر ذاته في المكان ويقيم علاقات غير عادية مع الحيز الذي يشغله ليسجل ذاكرته بالشعر والدهشة، قد نحتل رقعه صغيرة من هذا العالم لكننا نعطيها معاني كثيرة من ذواتنا ونسبغ عليها من شخصيتنا فتصير أرحب وأبهى وتحمل صورة للكيان وجمال الروح ، والسؤال هنا اليس هناك من ضرورة للشعر نعم كضرورة الحياة ذلك ان الشعر والحياة مرتبطان ارتباطا تاما….

 والحياة كلها موضوع للشعر الحي المتجدد في عقول الشعراء الكبار

في قصيدة ( المكابرة ) يقول الشاعر قاسم:لم أكن يوما ما مكتشف أراض مجهولة  _ أو رسام خرائط لغابات القلب_  ولكن …على وقع زلة قدم _ أدركت أن رحلة الألف ميل _ تنتهي بسرد للذكريات في المقاهي _  التجوال في سوق السحرة _ وهم يزعمون أن الأرض تدور _ فما أدراهم بذلك _ربما حين احتك جناح نورس بقدم غيمة ….)

نفس بشرية

ومن الطبيعي أن النفس البشرية ليست واضحة ويلفها الغموض وقد يحدث ان تعبر الذات عن نفسها بأساليب ملتوية تثيرها الاف الذكريات المنطمسة الراكدة في أعماق العقل الباطن ومئات الصور العابرة يحدق فيها العقل الواعي ويتلقفها العقل الباطن ويكتنزها مع الاف الصور وهذا راي نازك الملائكة رائدة القصيدة النثرية الحديثة الشاعر قدم الدهشة في التقاط الفكرة ومزج الوعي بالجنون ويسعى لمعرفة السر بكل شيء ويتعلل بالرموز التي تومئ وتشير ,  ثم يطوف حول منابع الوحي لحياة قاسية بواقعها ومشكلاتها ويسكبها قصيدة من الدهشة بطيب الوجد والسعي نحو الفضيلة وترتيب العالم بالشكل الأمثل وشاعر قصيدة النثر شاعر حر، وبمقدار ما يكون انسانا حرا تكبر عظمته، والشاعر يخلق مكانه وزمانه بفضيلة التجدد والابداع لحياة أجمل وأفضل حياة مدججة بالحب والجمال لا بالسلاح والحديد والنار… المجموعة تقرأ بشغف للمهتم والمختص …الديوان صدر عن دار المثقف في بغداد  وصمم الغلاف الفنان العالمي كريم سعدون.