بحثاً عن الظلام- قصّة: ماريا براوننغ

بحثاً عن الظلام

ماريا براوننغ

ترجمة: نواف شاذل طاقة

لا اتذكر أبداً أنني قد شعرت بالخوف من الظلام. لكن، لو كانت والدتي على قيد الحياة، لربما ذكّرتني بتلك الليالي التي توسلتها أن تترك المصباح مضاءً عند سريري، أو تلك الاحيان التي هرعتُ فيها إلى غرفة والديّ، وأنا هلعة من الوحوش التي ظننتها كامنة في إحدى زوايا غرفة نومي.

بيد أن ما اتذكره هو وقوفي على المقعد الخلفي لسيارتنا نوع فورد غالاكسي 500? وانا انظر من الزجاج الخلفي بينما كانت والدتي تقود السيارة في تلك الطرق الريفية غير المضاءة. أحدق في السماء السوداء فوقنا بسعادة غامرة لا استطيع وصفها، ثم اهبط بنظري نحو الطريق الذي يمضي سريعاً تحت عجلات سيارتنا، والذي بالكاد تضيئه مصابيح السيارة الخلفية قبل أن يختفي في تلك  الظلمة اللامتناهية.

اتذكر وانا التقط انفاسي في ليلة شتاء باردة غاب عنها القمر، أقف لوحدي على سفح تل قرب منزلنا. كانت أضواء البيت في مكان ما ورائي، ولا يوجد أمامي سوى الظلام الدامس، وأنا غير قادرة على التعرف على نقطة التقاء السماء بالأرض. الفرح يهز وجداني لكنه يتلاشى بعد ذلك ويتركني ضائعة في أفكاري، غير مدركة لكل ما يدور حولي.

اتذكر وأنا اتجول في الغابة بينما كان الليل يبسط رداءه، والظلمة تمتد بين الأشجار، والمساء يخيم على العالم. ثمة قوة يحملها هذا الظلام، قوة بدائية، سحر كامن. اشعر بالظلام يجتاحني. كل شيء ممكن. أتذكر أيضا استلقائي على السرير في تلك الغرفة العلوية الخالية من الشبابيك في مسكن جدتي، معزولة عن الاضواء في الغرف أسفل الدار، بعيدا عن أضواء الشارع في الخارج. اشعر بأنني حرة كأنني احلق في السماء.

كنت وحيدة في كل هذه الذكريات، بل فعلاً وحيدة. حتى في السيارة، كنت وحيدة مع أفكاري، فيما كانت والدتي ساكتة مستغرقة بأفكارها. يبدو لي أن جمال الظلام الساحر لا يمكن أن  يظهر إلا في العزلة. على الأقل، كان ذلك ما يحدث معي فعليا.

بوسعي أن اتذكر الكثير من الاحداث في الظلام، أحداثٌ مرّ عليها وقت طويل – كأمسيات النوم في خيمة بعيدة على جانب البحيرة مع اسرتي، أو قصص الاشباح حول النار المشتعلة في الغابة، أو ممارسة لعبة  الانوار الكاشفة لمجاميع الفتيات منتصف الليل وهن يصرخن فرحا. غير أن تلك الذكريات كانت خالية تماما من السحر. ترجع كل هذه الذكريات إلى فترة طفولتي التي امضيتها في الريف قبل خمسين عاما، عندما كان الظلام أكثر وفرة، وحين كان يهبط على العالم كل مساء، بينما كانت الأضواء الاصطناعية شحيحة ولا تكاد تظهر في الافق الاسود.

لقد أوشكنا اليوم على فقدان الظلام. حتى في أعماق المناطق الريفية، فان نصف البيوت مزينة بالمصابيح الساطعة ليل نهار والتي يصل شعاعها إلى الاحراش المحيطة بالمنازل وتغزو السماء. أما في المناطق الأكثر حضرية، فنادرا ما تجد زاوية مظلمة قد بقيت. لقد اضيء العالم بأسره واصبح اشبه بواحدة من محطات توقف الشاحنات ما بين المدن، ما يجعلنا ظاهرياً نحس بأمان اكبر.  قد يبدو هذا الاعتقاد صحيحاً، إلى حد ما، لكن تبقى ثمة شكوك كبيرة تحوم حول الاعتقاد الظاهر بأن الأمن يرتبط طرديا بالأضواء. بل يبدو حتى الآن أننا ما زلنا لا  نشعر بأي أمان. هل بوسع كل هذه الأضواء غير الطبيعية أن تساعدنا على النظر مباشرة إلى أحدنا الآخر بسهولة أكبر، وهل بوسعها أن تعطينا مزيدا من الثقة بجيراننا، وأن نحيي الغرباء الذين نتمكن من رؤيتهم بوضوح؟ كلا .. على حد علمي. عندما اشتريت بيتي في هذه البلدة الصغيرة خارج مدينة ناشفيل منذ أكثر من عشرين عاما، لم تكن ثمة مصابيح شوارع يمكن رؤيتها في أي من الاتجاهات، وكان الجميع يطفئون الأضواء الخارجية لمنازلهم عندما يحين وقت النوم. وفي الليالي غير المقمرة، لم تمزق الظلام سوى المصابيح الامامية للسيارات العابرة. اعتدت الخروج عند باب منزلي في ليالي الصيف لمجرد التحديق بدرب التبانة. كم اتمنى لو كنت فعلت ذلك أكثر. لكن مع زحف أضواء التطور، تلاشى درب التبانة، وانحسر كأنه نبتة رقيقة تعرضت لشمس حارقة.

أما الآن فانا اجتاز باب داري وأنظر إلى وهج المصابيح المضاءة المنبثق ليل نهار من البيوت التي شيدت على سفح التل القريب– تلك المصابيح الضوئية الزرقاء القوية التي تسمى “ثبل” والتي تهاجم العين، حتى لو كنت على بعد مائة ياردة. أحاول جاهدةً أن اتصالح مع وجود هذه المصابيح، وأن اجد فيها ذكرى حميمة لوجود بشري، كوجود الجيران، مع كل ما يمكن أن ينطوي  على ذلك من ارتباطات محتملة بالدفء. غير أن تلك المحاولات لم تنجح إطلاقا. عوضا عن ذلك، أجد نفسي أنظر إلى هذه الاضواء، مسلوبة الارادة، وببعض الرعب – وكأنك تنظر إلى طفح جلدي ينتشر على ذراعك. إن الخيار الوحيد المتبقي هو أن تشيح بالنظر بعيدا، وهو خيار لا يبدو مريحا. بوسعي أن اتظاهر بأن الأضواء غير موجودة، لكنني لا انعم بموهبة التغاضي عن المشاكل.  وليس بوسعي إلاّ أن أرى الأمر على أنه مشكلة.  لكني أتوق لرؤية الليل كثيراً، بل افتقده كثيراً. وراح هذا الشعور ينمو بداخلي باضطراد، عاما بعد آخر، ولا يرجع ذلك إلى مجرد صعوبة الهروب من الاضواء. شيء في داخلي يتغير، وهذا الشيء ليس مجرد الاضواء التي باتت لا تطاق لكنه النمط النرجسي المندفع للحياة الذي يصاحب هذه الأضواء.   شيء ما في داخلي ينقلب عليها ويتوق إلى الظلمة. يحين الليل عندما يجثم الجسد على الأرض فتنطلق الروح بحرية. عرفت ذلك منذ كنت طفلة، ونسيته لبعض الوقت، أما الآن، ومع تقدمي في السن، فإن المعرفة ترجع إلي، وتفرض نفسها على ادراكي كلما رأيت وهج الأضواء. بالواقع، لست الشخص الوحيد الذي يراوده مثل هذا الشعور، وأنا واثقة من ذلك. فبعد أن بلغت والدتي سن الشيخوخة، باعت بيتها وانتقلت للعيش في بيت وسط الغابات، حيث نادرا ما تمكنت الحياة الصاخبة ذات الايقاع السريع من ازعاجها، ولم تسمع فيها صوت حركة السيارات، ولم تعكر الأضواء صفاء الليل. لقد امتلكت والدتي الكثير من الاسباب التي دعتها للابتعاد عن أجواء الأمان الظاهرية لعالم الاضواء الساطعة، لكن العالم الذي غالبا ما كانت تتوق إليه، ولم يكن بوسع أي منا أن يعارضه، كان عالماً شعرت فيه بالأمان. قالت والدتي في حينه “استطيع أن اكون في الطبيعة”، حيث افهم الان بأنها ارادت أكثر من مجرد الاصغاء إلى زقزقة العصافير ومراقبة تساقط أوراق الاشجار في الخريف. ربما  تكون قد شعرت على نحو ما أنها غير قادرة على العيش سوى في هذا المكان، حيث كان بوسعها أن تترك جسدها يجثم على الأرض لتنطلق روحها بحرية.

لقد توفيت والدتي قبل بضعة أشهر، وليتني كنت استطيع أن أقول إنها أمضت أيامها الأخيرة بطمأنينة في ذلك الملاذ الآمن الذي عثرت عليه، لكن الحقيقة هي أن الخرف سرق منها ذلك الأمان. كما سرق الخوف غير المنطقي منها تلك السلوى التي وجدتها في الليل غير المنقطع. امضت والدتي السنة الاخيرة من حياتها في ردهة مغلقة داخل دار للعجزة، حيث تبقى المصابيح فيها مضاءة ليل نهار. لقد سقطت  ميتة على الارض بكل بساطة صباح احد الايام، ويصعب رؤية نهايتها تلك سوى خلاص لها. منذ ذلك الحين، امضيتُ الكثير من الوقت وحيدة في بيت والدتي وسط الغابة، أقلب اشياءها، وأفرز ما تبقى من ذكريات حياتها وحطامها. كنت هناك عندما هبط الظلام، كان ظلاماً اكثر عتمة من اي ظلام أراه الآن في اي مكان. إنه ظلام يطوقني ويحتويني، فأرجع الى تلك الذات الشابة التي عرفت كيف تستسلم للظلام، وكيف تجعله يحررها في آن واحد. عدت لأتعلم مرة أخرى كيف لي أن أعيش في الطبيعة، طبيعتي الحقيقية. الخلاص يناديني. وها أنا أتبع خطى والدتي نحو الظلام ببطء  وبكل عناد.

{ كاتبة امريكية