
رواية ثلاثة نمور حزينة واللوحة المقلوبة – عباس احمد الحداد
ما أن تم الإعلان عن صدور رواية ثلاثة نمور حزينة عن دار المدى لمترجمها د. بسام البزاز حتى سارعت للحصول على نسخة منها ولم يتحقق لي ذلك إلا قبل شهر عند افتتاح معرض الكتاب العراقي ، فجلست عندها اقرأ الرواية بشغف بعد أن علمت أن هذه الرواية تحطم كل القيود التقليدية للرواية فالمؤلف نفسه يقول ،من قال لكم أنها رواية ، وقال آخرون أنها تمثل اللارواية وليست الرواية الممثلة ببداية ونهاية وحبكة . وخرجت بعد قراءتي للرواية بملاحظات سأورد بعضها لكن بعد طرح قصة لها صلة تحمل العنوان اللوحة المقلوبة وهذه القصة تقول : يقال أن احد الفنانين التشكليين رسم لوحة ليشارك بها في احد المعارض الفنية لكنه مرض قبل افتتاح المعرض فكلف أحد زملاءه ليقوم عوضاً عنه بعرض اللوحة في المعرض المذكور ، وفازت لوحة هذا الفنان بالجائزة الاولى دون اللوحات الآخرى ، والمفارقة أن الفنان حين حضر لاستلام جائزته استغرب من تعليق لوحته الفائزة بالمقلوب ، فعلق بعض النقاد على ذلك قائلاً ، ” يبدو أن اللوحة فازت بالجائزة الاولى بسبب تعليقها بالمقلوب ، فاللوحة بوضعها المقلوب كانت غامضة غير مفهومة مما اعطاها اهمية مميزة ” . ورواية ثلاثة نمور حزينة لا تحتاج للقلب فهي مقلوبة اصلاً ، فالمؤلف بدأ القصة بفصل ليس من وحي العنوان وانتهي بفصول آخرى وعناوين لا علاقة لها بالعنوان الاصلي . المؤلف يلعب ويمزح على طول الخط ، يلعب بالمفردات والاقوال وبالنصووالاسماء ويغيرها بإستمرار ، فلعبه يبدأ من العنوان ، فثلاثة نمور حزينة مجردة من كل معنى ، ولايقصد بها المعنى الحرفي لهذه الكلمات ، وهذا العنوان هو جزء من أصل كان يقول ثلاثة نمور حزينة تأكل قمحاً في حقل قمح ، أي Tres Tristes Tigers come Trigo en un Triga الكلمات بتتابعها وقراءتها باللغة بالاسبانية قراءة سريعة تكون تحدياً لفظياً يصعب على المرأ تنفيذه واجتيازه بسهولة بسبب تقارب مخارج الاصوات ، مثل تكرار ، بطتنا بطت بطتكم وبطتكم بطت بطتنا، إذا بطتكم ما بطت بطتنا بطتنا ما اتبط بطتكم والمؤلف لا يرى اكتمالاً واتماماً لروايته وان اسلوب كتابته هو اسلوب اللارواية ، وهذا النموذج هو الذي جر بعض الكتاب للانحياز الى الرواية الجديدة ، ربما لانها غير مفهوم لدى كثيرين مثلها مثل اللوحة المقلوبة .
غموض واختلاف
ولما كان في هذه الرواية من الغموض والاختلاف ما يجعلها ليست بحاجة لغموض جديد ليميزها عن البقية ، فالمؤلف نفسه كان يقول من قال لكم أن هذا الكتاب هو رواية ’، إلا أن تصنيف الكتاب على أنه ’رواية هو من فعل الناشرين ، اليس هذا التغيير بمثابة قلباً للوحة . واذا علمنا أن المترجمة الامريكية جلست مع المؤلف في نقاش استمر اسبوعين خرج بعدها الاثنان بنيختلف عن النالاصلي مرات ومرات وهناك إضافات آخرى قد حملت الرواية أكثر مما يجب وكانت فعلاً بمثابة قلب للوحة . فهل باتت الرواية بعد هذا بحاجة للقلب وكل شيء فيها مقلوب . اما تناقض الأحداث في الرواية فيضعه المؤلف في حادثة سرقة العصا حيث يتعرض لها رجل امريكي مع زوجته . الزوج يروي الحادثة بطريقة والزوجة تستدرك في فصل آخر على رواية زوجها وتناقضها ويمر ثالث ويروي الحكاية بصورة آخرى والجميع عاشوا المشهد معاً بكل تفاصيله . ثم ما معنى اضافة صفحتين كاملتين من قبل المؤلف الى الرواية لنوتة موسيقية يكتب فيها فقط دن ،دن ، دن . كلمة واحدة مكررة على مدى صفحتين كاملتين ، أو اضافة تسع صفحات لأسماء راقصين ومؤلفو اوبريتات وفلاسفة ، ماذا اضافت هذه الصفحات للرواية ، وماذا يعني كتابة كلام بعد عكس الصفحة بواسطة مرآة وكتابة الكلام المعكوس الى جانب النالأصلي ، كان يمكن الاشارة الى سطر معكوس من الصفحة او سطرين او ايراد النالمعكوس فقط وترك القاريء ليتحرى عما مكتوب ، والا فما معنى ان نكتب صفحتين كاملتين والى جانبها النالأصلي وليس في هاتين الصفحتين شيء سوى تكرار كلمة دن . الا يكون هذا مشابها لقلب للوحة الفنان التشكيلي . نحن هنا نجيز للمؤلف محاولة إختبار فطنة القاريء ونباهته بتكرار طباعة عدة صفحات اكثر من مرة لحادثة سرقة العصا معتبرين هذا التكرار هو زيادة في متعة القاريء وتشويق فكنب قصة فقدان العصا ثلاث مرات لكنها كتبت في كل مرة بإسلوب . إن النقاد يقرون على اهمية هذا العمل ويعدونه واحداً من أهم الانجازات في مجال الرواية ، وتتنامى هذه الاهمية من قيمته اللغوية وجدة اسلوبه ودقة تطويره نذو اهمية لغوية استثنلئية . والرواية رغم حداثتها كانت تستند الى بعض العناصر السردية . ومن هذا السرد نجد انفسنا امام مجموعة من الحوادث والمواقف والحكايات القصيرة التي لا تجد بينها رابطاً ولا انسجاماً ولا تسلسلاً وربما نجد ما يربط بعض اشلائها بالبعض الآخر ولكن بعد حين ، ففي الرواية كلام يجر كلام ووصف يقود الى وصف . صورة متعددة الوجوه تنشأ عن كلمة لتولد كلمة وتتولد منها كلمات آخرى عديدة وهكذا ، متاهة تقوم على سلسلة من المتقابلات : هزل وجد ، سطحية وعمق ، خيال وواقع ، اضطراب وتجانس ، تدمير وقلق ، تواصل وغياب . في امريكا اللاتينية اختطت مجموعة من كتاب الرواية الشباب نهجاً عرف بإسم البوووم سرعان ما اتسع نطاقه وتعددت صوره والوانه حتى أحدث ثورة وانقلاباً في عالم الرواية ، إنقلاباً موجه الى لغة الرواية ومضمونها وهيكليتها ، فما عاد الامر سرداً قوامه بداية وعقدة وحل بل خرج الامر من كل تسلسل وضرب كل هيكلية . حتى لم يعد سرداً خالصا بل صرنا نسمع عن خيال سحري وتاريخي وميتافيزيقي وفنتازي . وكان للثورة الكوبية بكل ما مثلته من انقلاب عن الواقع السياسي والاجتماعي والفكري ارهاصات وكان للثوار ائمتهم الذين اهتدوا بأدبهم وباسلوبهم ، فاهتدوا باسلوب كتاب مثل جيمس جويس وكافكا وتوين وغيرهم . قال بعض النقاد ان هذه الرواية هي مزحة كبيرة مكتوبة ، والمؤلف يقول أن الكتابة عنده لعب ، حتى الكتابة الجادة . فاللعب بالكلمات يولد كلمات يعتمد معناها على طريقة اللعب . وكل لاعب يرتب حركاتها واوضاعها .
مفردات واقوال
وكاتبنا يمزح على طول الخط ، يلعب بالمفردات والاقوال والنصووبالاسماء ويغيرها بإستمرار ويحرف الكلم عن موضعه . إن رواية ثلاثة نمور حزينة هي لعبة لغوية اسمها بوستروفيدون وبوستروفيدون لغة يونانية قديمة كانت تكتب بشكل متعرج ، من اليمين الى اليسار ثم من اليسار الى اليمين على أن يبدأ كل سطر من حيث انتهى سابقة . لذا فإن بوستروفيدون هو اللعب بالكلمات مجسداً في شخاسمه بوستروفيدون ، هو بهلوان الكلمات الذي ما أن يحضر في بدنه حتى تظطرب الكلمات وتتزحزج عن مواضعها.
إن اسلوب الرواية يلبي متطلبات مشروع الرواية الجديد في التحرر من قيود الواقع بل بالتشكيك بوجود الواقع ، وللوصول الى هذا الهدف لا بد من استخدام تقنيات جديدة ، طرق جديدة للسرد تبعد المؤلف شيئاً فشيئاً عن المؤلف الكلاسيكي الحاضر في كل مكان والماسك بكل الخيوط ، والواثق من رؤيته لعالم واقعي يعقله القارئ ويفهمه . وكان في استخدام اللغة العامية جزء من التجديد العام وقد وصل كابريرا بالتجربة الى غايتها وبلغ بها مديات بعيدة . ويورد النقاد اسماء كتاب مصدر تأثير على كابريرا ، اسماء انصهرت واختلط تأثيرها لتظهر لغتها مجسدة في شخوابطال الرواية واسلوب كلامهم . فالمؤلف يريد أن يقول لنا في الحياة ما من صورة واحدة للأشياء . وغموض الحياة ينعكس في غموض اللغة لأن الاحداث والكلمات أمور نسبية وقيمتها مرهونة بالسياق الذي ترد فيه . فالكلمة بحسب موقعها وسياقها والظرف الذي قيلت فيه وفي ذلك تلخيلمبدأ سوسور في علم اللغة من أن رسم الكلمة عشوائي اعتباطي ، فالكلمات معزولة لا معنى لها ولذلك نلعب بها لنكسبها معناها الآخر والآخر والآخر . الأدب الوحيد الممكن في نظر المؤلف هو ادب عشوائي . اما عن ترجمة رواية ثلاثة نمور حزينة فمن الواضح أن المترجم د. بسام البزاز قد بذل مجهوداً خارقاً في ترجمة هذه الرواية الصعبة وله الفضل بترجمتها الى العربية رغم الاشكاليات الكثيرة التي كانت تواجهه والتي يتصل بعضها بفلسفة حركة البوووم التي كان ينتمي اليها المؤلف أو كثر الاشارات والاسماء والنصوالتي كانت ترد في السرد والتي كانت تحتاج الى هامش تعريفي لها . وفي مقدمة الرواية صفحة 29-35 كان هناك الترجمة من الاسبانية لكن كرر المترجم الى جانبها نفس النباللغة الانكليزية وكان يمكن الاشارة الى أنه سيتكرر نفس الكلام باللغة الانكليزية دون ذكر النكاملاً بالانكليزية والذي اخذ مساحة بعثر فيها كلمات النالمترجم ، كما فعل في صفحة 125 .
اما الهوامش فكانت فكانت اكثر مما يجب وكان بإمكان المترجم تقليلها الى اقل ما يمكن كما فعل المترجم الفرنسي والمترجمة الامريكية ، ففي صفحة 63 مثلاً كان هناك 6 هوامش كان يمكن حذف اربعة منها والاكتفاء بهامشين هما الهامش 41 ديوجانس لائييو وهو اسم فيلسوف يوناني ، والهامش 44 الأدرينوكو وهو اسم نهر يمر بأراضي غنية بالمعادن منها الذهب . لقد اضاف المترجم الى القاريء العربي بترجمة هذه رواية اعقد وامتع تجارب القراءة فقد وضع المؤلف في الرواية اكثر من متاهة لكنها متاهات فيها ممتعة اكثر ما هي محيرة . فشكراً الى د. بسام البزاز الذي أضاف الى المكتبة العربية هذه الرواية الرائعة .
























