
الأبرتهايد للباحث المغربي حميد لشهب
بيروت – الزمان
عن “المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية” ببيروت صدر للباحث المغربي، المقيم في النمسا، كتاب “الأبرتهايد. دراسة في الجذور التاريخيّة والثقافيّة لمفهوم الفصل العنصري”. يقول الباحث في مستهل كتابه هذا: “أعترف منذ البداية بأنّ هذا أوّل بحثٍ في حياتي كلّفني عناءً نفسيًّا أكثر منه فكريًّا؛ وسبب هذا هو هول ما اكتشفته وأنا في بحر الاشتغال عليه: بشاعة الوجه الغربي، وفظاعة ما اقترفه ضدّ شعوب وأمم أخرى، من ظلمٍ وعدوانٍ يرقى إلى مستوى جرائم ضدّ الإنسانيّة.
وعلى الرغم من أنّني كنت أعرف هذه الأمور، إلّا أنّها كانت تدخل عندي في باب “ثقافة عامّة” بديهيّة تقريبًا. لكنّني عندما توغّلت في البحث وصادفت مراجع بلغاتٍ مختلفةٍ، أُصبت بما اسميه هنا «كابوسا” جثم على فكري وقادني إلى متاهات بحثٍ متشعّبةٍ، كنت مضطرًّا بعدها إلى اختيار أهمّها؛ لعرضها في هذا المؤلّف”. للإشارة فإن لشهب يعيش في الغرب منذ ما يناهز 35 سنة، ويعتبر من النماذج المندمجة مهنيا واجتماعيا فيه، لكنه يمتلك “جرعة” كافية من النقد اتجاه الغرب، تحميه من الإستلاب الذي تفترضه ولربما تفرضه الإقامة الطويلة فيه، وتقوده لاعتبار الحضارة والثقافة الغربيين غير صالحة لكل الأمصار والأزمان، كما يريد ذلك الغرب وبعض “المستغرِبين” من أبناء الأمة العربية والإسلامية، ممن شبعوا رضاعة من ضرع الغرب، ويدافعون عن هذا الأخير بعُمى وجودي لا نظير له حتى عند الغربيين أنفسهم. ولا نعني هنا فقط “المثقفين” العرب الذين يعيشون في الغرب، بل بالخصوص أولائك الذين لم تطأ أرجلهم أرض الغرب، بل نهلوا من ثقافته عن طريق ترجمات كتب أعلام الغرب أو أشبعوا أحجية من طرف بعض أساتذتهم في مدرجات جامعاتنا ومعاهدنا.
بنية فكرية
يكفي مصطلح الأبرتهايد، تنظيرا وممارسة، للبرهنة على أن البنية الفكرية والفلسفية الغربية مبللة حتى النخاع الشوكي منذ إجلاء المسلمين واليهود من الأندلس بنزعة مركزية عدوانية عنصرية، لا تعترف بأية شعوب أخرى من غير الشعوب الأوروبية. بل أكثر من هذا بُنيت الحركات الإستعمارية الغربية والإمبريالية (القديمة والجديدة) على مبدأ إقصاء شعوب المعمور واعتبارها جماهير عبيد، خُلقت لخدمة سيدها الغربي لا أقل ولا أكثر. ويظهر كتاب “الأبرتهايد” هذا انخراط أكبر الغربيين في التأسيس للميز العنصري منذ كانط، مرورا بهيجل وماركس وهيدجر وسارتر وغيرهم كثير.
نصوص مفكرين
ولا يعتمد الكاتب على تأويلات أو قراءات معينة لنصوص المفكرين الغربيين الذين دافعوا على التمييز العنصري، بل فسح لهم المجال، بالإستشهاد بنصوصهم، للتعبير عن أفكارهم الموضوع مباشرة. وفي هذا الإطار يؤكد بأن الكثير من شعارات الفلاسفة والمفكرين الغربيين إلى اليوم صالحة فقط لتعزيز تضليل المفكر غير الأوروبي، ذلك أن مصطلحات براقة مثل “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” و”المساوات” و”الحرية” و”العدالة” إلخ كانت بمثابة أفيون يقدم “للمثقف” غير الغربي؛ ولم يُنظر المرء لها لكي تطبق خارج الغرب، بل لتكون أداة للتحكم في الحكام الذين كان هذا الغرب ينصبهم ولازال للسهر على مصالحهم وتنحيتهم عندما يُنهون مهامهم، بافتعال فتنداخلية في مجموع الدول الثالثية، ومنها بالخصوص العربية والإسلامية، شاهرا لوحات “الحرية” والديمقراطية” إلخ في وجههم.
بالنبش في تلافيف الجذور التاريخية والفكرية للعنصرية، يصل الباحث لشهب إلى التأكيد على أن صناعة الأبرتهايد هي صناعة غربية محضة، جربت في أبشع صورها على شكل إبادات جماعية للسكان الأصليين في الأمريكيتين وتجارة الرقيق فيما سمي “التجارة الثلاثية” والمعاملات الوحشية للغربي في الصين والهند، قبل أن تصبح نظاما قائما بذاته في جنوب إفريقيا، التي أصبحت نموذجا يُقتدى للصهيونية الحالية، التي لا تذخر أي جهد في إرساء قواعد نظام أبرتهايدي على أرض فلسطين أبشع بكثير من أبرتهايد إفريقيا الجنوبية، ويقول بهذا الصدد: “يحارُ العقلُ عندما يفكّر المرء في المساندة اللاَّ مشروطة للغرب جملةً وتفصيلاً للصهيونيّة في بُعدها الأبارتهايدي، بل مناصرتها دون قيود ولا شروط؛ في الوقت الذي تدوس فيه بقدميها على المبادئ كلّها، التي يعتبرها هذا الغرب «مقدّسة” لديه ويحاول فرضها على العالم بأكمله، بالترغيب وبالترهيب: «حقوق الإنسان”، «المساوات”، «العدالة” إلخ.
أكثر من هذا لم يعد الغرب يعير أيّ اهتمامٍ للهدم المنظّم الذي تسلّطه الأيديولوجيّة الصهيونيّة تجاه القوانين الغربيّة كلّها؛ بتطبيقها للأبارتهايد الممنهج كسياسة رسميّة للدولة ومبدء لها”. من بين الخلاصات المهمة لهذه الدراسة هو تنبيه الباحث العرب والمسلمين بصفة خاصة إلى وعي خداع الغرب وسياسات الكيل بمكيالين التي يطبقها منهجيا في مختلف قراراته السياسية والقانونية، وحث الباحثين في العالمين العربي والإسلامي إلى إعادة النظر فيما يستهلكونه من “ثقافة” الغرب، ولا يدعو بأي حال من الأحوال إلى مقاطعة الفكر الغربي، بل يُشجع على دراسته بعمق وعدم الإنبهار به وتجاوز موقف الرافضين له وموقف المصفقين له من العرب والمسلمين، للوصول إلى مستوى دراسته كموضوع وفهمه وفك ألغازه وألغامه. ويرى الباحث بأن العرب والمسلمين قضوا قرونا طويلة في مساجلات كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع في كيفية التعامل مع الفكر الغربي، في الوقت الذي كان فيه هذا الأخير يعمل عملته في نسيج الأمة بشرذمتها وتفتيتها والإستمرار في استغلالها على كل الاصعدة. وأفضع نتيجة وصل إليها تقاعص العرب والمسلمين هي صناعة آخر مذية وتقديمها كهذية للأبرتهايد الصهيوني مدعوما بالماسونية الأمريكية لذبح فلسطين وتقديمها كقربان ومقدمة لسيطرة آل صهيون على مجموع العالم العربي، بذهاء ومكر سياسي لم يتفطن له أي حاكم عربي، لأن ما يهمه هو فقط المحافظة على عرشه وكرسي حكمه إلى حين، مهما كان الثمن.
























