السرد المقالي.. محاولة لتأصيل فن أدبي – احمد عبد المجيد

أمجد توفيق في أخطائه الذهبية

السرد المقالي.. محاولة لتأصيل فن أدبي – احمد عبد المجيد

من النادر ان يوصف روائي او قاص عراقي بأنه مثابر، ذلك ان جل المشتغلين بحرفة السرد تأخذهم الحياة الى معتركات بعيدة، تلهيهم عن الخوض في صراع العقل مع الابتكار بمعناه الشامل للتجديد والخيال وملاحقة الوقائع التي تصلح لهيكلية السرد وبيئة الثنيات القصصية. وأدرك ان المثابرة لا تكمن في الانتاج الروائي، للسارد حسب، بل وفي الاخلاص الى المهمة التي يضطلع بها، بوصفه خالقا من نوع خاص لعالم يتحرك في اطار من جاذبيات وقوانين فيزيائية ومركبات تحافظ على قوام الكيان الافتراضي المجسد لدى القارئ، بعد رحلة معمقة تتمثل بالقراءة وملاحقة الشخوص وادراك كيميائياتها.. انه المهيمن الذي يصوغ مصائر مخلوقاته، من الولادة الى المثوى الاخير، بكل ما تحفل به هذه الرحلة من مفاجآت ونتائج ونصيب ونهايات في بيئة محمومة وتنافسية. فالمثابرة، اذن، اجتهاد متواصل يفضي الى التجديد وركوب الموجات الصاخبة.ومنذ (برج المطر) روايته الاولى وحتى روايته الكبيرة (الساخر العظيم)، تابعت امجد توفيق عبر محطات اخرى، صحفية وادارية، لكني لم ارصده الا ذلك المخلص لحقل ابداعي واحد، هو الكتابة الروائية والقصصية.

لعله في ذلك كرس حياته للخلق بحيث اني لم اقرأ واحداً من اعماله الا واكتشفت فيه نمطاً غير مسبوق في الخلق الابداعي، سردا ومحاكاة لتمثلات المشهد اليومي، الذي نمر به جميعا، لكنا نعجز عن احتواء حيثــــــــياته بالكامل، كما يفعـــــــل هو او يتحــــــسب له او يحيـــط بمحتواه ومصائره. وكنت قد رأيت في روايته السابقة (الساخر العظيم)، عملاً سردياً يستعين بمخرجات عدة، ابرزها صدقية التقرير، من واقع كونه يستعيد لمحات من حياته وتقلباتها، التي تراوحت بين الحال اليومي والانخراط الاعلامي وقد فرضته موجبات واقع وتحولات ما بعد 2003. وحين أهداني الصديق امجد توفيق مجموعته القصصية الجديدة (الخطأ الذهبي)، انكببت على قراءتها، بدوافع عدة منها شخصية، تتعلق بالعلاقة الطويلة والعميقة التي ارتبط بها معه، منذ ايام الدراسة في الاعدادية، مع فارق زمني قصير من العمر، ومنها دوافع مهنية لأني زاملته في بعض مراحل عمله في الصحافة، ومنها رغبة تتملكني لكتابة انطباعات انوي تسطيرها في مقال سبق ان جربت ردود افعاله ازاء ما اكتب، بشأن احد اعماله، متناولاً رواية (الساخر العظيم).

نوع متوتر

وللحقيقة، فان امجد توفيق ليس من النوع المتوتر، الذي تستفزه كلمة نقد او رؤية مختلفة او تفسير لا يتطابق مع مقاصده الروائية، فهو منفتح يمكن ان يعطي درساً لأقرانه، بشأن مآل العمل الابداعي، الذي تنتهي مهمة كاتبه بمجرد طبعه في كتاب وتوزيعه بين جمهور عريض، متعدد المشارب والاهتمامات، هو جمهور متعلم، وغالباً ما يكون جمهور وسائل الاعلام، التقلـــيدي منها والجديد.

توزيع اكوان

وكما توقعت فقد وجدت في (الخطأ الذهبي) جديدا، من منطلق ايماني بأن اي خالق قادر على توزيع اكوان واشكال وسلوكيات مخلوقاته، بالقدر الدال على مهاراته في الخلق، وقدراته في التجسيد، ورأيت ان امجد توفيق نحا، هذه المرة منحى متميزا، يستجيب لتحولات الرؤى والثورات التقنية وتوجهات الاتصال والتواصل، الناجمة عن ديناميكيات عقلية عملاقة تندرج تحت عنوان ما بعد الحداثة في اعقاب تيار السيميائية او الدلالات والرموز. اما فحوى هذا المنحى فرأيته في توظيف او استعمال جنس غير مستخدم في السرد، هو ما أزعم انه (الرواية المقالية)، فهو يقدم عالماً، يقوم على فكرة نوع استقاه من فنون الصحافة، بل وحتى من التاريخ العربي الذي ينص على (لكل مقام مقال) او (مقالة حرب) او (مقالة حكم) او (مقالة حماسة) او (مقالة خير) او (مقالة شر).  ويرجعها المؤرخون الى عصور ما قبل الاسلام. وهذا الجنس من الابداع يتطلب قسطاً وافراً من الاحاطة بالحكمة وثقافة عالية في تحليل المعطيات وصياغة ماهرة في مزج عناصر المقالة الصحفية، بالبناء الفني الروائي، ولعل امجد توفيق يكشف عن تأثراته الماضوية التي اخفاها عن قرائه الراهنين، بأنه مشتغل سابق في الصحافة، ابان توليه رئاسة تحرير مجلة (الطليعة الادبية) و(الاذاعة والتلفزيون)، وكذلك ادارته الصاخبة لقناة (الرشيد) التي اكتسب منها بعداً ثالثا، هو الاتصال الفضائي العابر للقارات، ورأيت ان المقالة هنا تتمثل بالصورة ورموزها وايحاءاتها، بخلاف المقالة التي توظف اللغة والمهارات البلاغية في تشكيل قوة اقناع  عالية لدى الرأي العام. وبهذا التوجه فانه يستكمل وظيفة الادب بنظيرتها الصحفية، لبلوغ الوظيفة الكمالية. اي انه يلجأ الى تخادم الوظيفتين لانجاز غايته في الاسلوبية المبتكرة.

تحتوي المجموعة الجديدة، على 12 ما يفترض انه قصة، يتشكل منها العمل الاخير لامجد توفيق، لكن ما يخضع الى مقومات البناء السردي وهيكلياته، منها لا يتجاوز اربعاً، تعتمد السياقات التقليدية المعروفة، اما القسم الباقي فهو يستوحي البناء الفني للمقالة، بكل ما تحفل به من مقدمة او استهلال وجسم او متن وخاتمة او خلاصة فضلا عن افكار ومعالجات ومصادر ومرجعيات وحشد للمعلومات والأدلة المادية التي تشكل بمجموعها، وسائط لنقل الحقيقة من فضائها اللامرئي والهلامي الى واقعها العقلي وبعدها الادراكي. وفي ذلك عناصر يلتقطها امجد توفيق ليعيد صياغتها بخلق جديد، ولا يستنسخها، كما يفعل بعض كتاب المقالة التقليديين. انه ينفخ فيها نداء روحياً مليئاً بالحيوية ومفعماً بالحلول والنتائج المقنعة.

قصص افتراضية

ويمكن تلمس ذلك في (الاجابة تقتل السؤال) و(اخطاء الخوف) و(خطأ مزمن). فهي (قصص) افتراضية، دق قلم امجد توفيق في مكوناتها عالمه اليوتيبي، ونفخ فيها خلقاً آخر غير مسبوق لتحلّق في اعماقنا وتتفاعل مع اخطائنا الذهبية، وفي فألنا السيء.

واذ اختم ادعو النقاد الى دراسة هذا الجنس الجديد وتأصيله تمهيداً لاشاعته والبحث في اسراره. يبقى امر عابر او مصادفة وجدتها في عناوين (القصص)، هو تكرار مفردة (خطأ) اربع مرات في عناوين المجموعة، في ما يبدو ان شعوراً بالمراجعة واملاً بالوصول الى نهاية تتراكم سقطاتها في لا وعي الكاتب، او في عقله الباطن، تتحول الى درس في الاخلاق والسعادة والصباحات الممطرة.