إشراقات التشكيل بمدينة فاس

إشراقات التشكيل بمدينة فاس
جمالية النور في لوحات سبعين فناناً
فيصل عبد الحسن
تحتضن مدينة فاس المغربية المهرجان الدولي الحادي عشر للفنون التشكيلية للفترة من 2 27 أبريل نيسان2013 بأروقة محمد القاسمي والمركب الثقافي البلدي الحرية بفاس، وتحت عنوان أشراقات التشكيل دورة الفنان التشكيلي محمد بن كيران.
مدينة فاس التي تعتبر إحدى أهم المدن العلمية العريقة في الوطن العربي والعالم الإسلامي، لما تمثله من تأريخ عريق، أمتد لأكثر من ألف ومئتي سنة منذ تأسيسها عام 808م على يد المولى أدريس الثاني، وهي من المدن التي آخت بين تراثها العلمي والدينيي، والفني، من خلال جامعة القرويين، والتي نبغ فيها العديد من المفكرين والأدباء والفنانين، وأستطاعت أن ترفد الفن التشكيلي المغربي بأرقى انواع الفن التقليدي، كالنقش على الزرابي والجلود، وفن المنمنمات، والنقش وزخرفة المصاحف والكتب التراثية.
ويجيىء هذا المهرجان ليؤكد هذه الحقائق التأريخية حول هذه المدينة، ويوطد أرتباط فنونها التقليدية بحركة المستقبل من خلال أحتضانها هذا النوع من النشاطات الفنية التشكيلية، وقد دعي للمهرجان 70 فناناً من 23 دولة عربية وإجنبية، أضافة لفنانين من المغرب.
وأشار رئيس المهرجان سعيد العفاسي، وهو أيضا ناقد وفنان تشكيلي مغربي معروف في كلمته، التي وضحت أهداف المهرجان، وفلسفة إقامة مثل هكذا مهرجانات في مدينة تعتبر من أهم المدن المغربية.
التي أمدت العالم بأجمل ما فيها من القيم الدينية الاسلامية، وفلسفات قبول الآخر والأنصات له، والتسامح، فقال في كلمته حول المهرجان بسم الله الرحمن الرحيم
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى 7 ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى 8 فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى 9 فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى 10 مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى 11 سورة النجم.
جمالية التلقي
إن المشاهدة الباطنية هي الضامن لصدق المعرفة التي تقود لمسالك النور، لما تكشفه من عمق الرؤية، عن طريق ظهور الأنوار العقلية ولمعانها، وفيضانها بالإشراقات على النفوس، وتحررها من مشاهد العين الخادعة، ومكر البصر القاصر، عن ادراك معاني الوجود، في كليته الطبيعية.
لأن العالم يفيض عن الله كما يفيض النور عن الشمس، وبهذا يدرك أهل النظر السديد، حقائق ما بعد الطبيعة باتباع طريق البحث والتقفي، ثم الانتهاء من ذلك إلى الذوق بالمشاهدة.
تكون غايتهم هي الارتفاع بشموخ العقل، وتأمل الكون، فوق الأعراق والأجناس، وتجاوز الأقاليم الجغرافية، حيث يقترب الإنسان من الحقيقة، ولا يختلف مع إنسيته، الثاوية فيه، لكي ينسجم مع الفلسفة الإشراقية، التي هي فلسفة استدلالية سلوكية، تكشف الحجب، وتقتفي بنور الله، مبادئ الجمالوالحب والخير، والحق.
وبهذا تتداخل في الفلسفة الإشراقية عوامل عقلية وصوفية تهدف إلى الوصول إلى المعرفة الإلاهية، مشفوعة بتكامل الحب، الذي هو دعامة هذه التجربة التي ترجع أصولها إلى ما قبل النزول.
وإلى الأسرار الروحية، يكون مفادها التأمل في ألوان وأشكال وظلال وأضواء الطبيعة، والتدبر المكين القادر على التخلص من أسر المادة، وعلى العروج نحو الأنوار ليتحقق بأصله.
إن الفنان، وهو يمخر عباب التشكيل، باحثا، متأملا، في جوهر الأشياء، ومقلبا وجهه في ملكوت الألوان والأشكال، لا مندوحة له من تنظيم مملكة العقل بالفلسفة والمنطق، قبل نهج عالم النور اللوحة ، لكي يضفي عليه، كل مقومات نظرية الوجود الانطولوجية التقليدية.
فالوجود لدى أرسطو أو الذات المطلقة لدى المتكلمين هو نور الأنوار الذي تفيض عنه بقية الأنوار، كما تفيض العقول عن الواحد في نظرية الفيض عند ابن سينا.
ويميّز بين الأنوار الطولية التي تشبه العقول في فلسفة ابن سينا، وبين الأنوار العرضيةالتي تشبه مُثُل أفلاطون، كما ميز بين الأنوار القاهرة التي تكتفي بالإشراق، وبين الأنوار المدبّرة التي تباشر الحركة.
إشراقات التشكيل
إن سبب الحركات كلها، التي يقوم بها الفنان المخلص للوحته، هو النور، وهذا يعني أن الحركة وجود، وأن السكون عدم، وبهذا تكون كل الحركة شرط الإشراق، والإشراق تارة أخرى يوجب الحركة التي بعده، ولكي تكتمل الصورة الدينامية لمذهب الإشراق.
من اللازم اكتمال العلاقة التي تحكم كل الأنوار، وهي علاقة محبة أو قهر، أو عجز عن وصول سبل المعرفة الحقة، أما نور الأنوار، فإن له قهراً على كل ما عداه، وهو لا يعشق إلا نفسه لأن كماله ظاهر له، وهو أجمل الأشياء، وما اللذة، إلا الشعور بالكمال.
وبهذا تكون إشراقات التشكيل، ضربا من تجلي الحقيقة، لقهر الجهل البصري، المتفشي في الذات، وتبديد ظلماتها بيقين المعارف، التي تقود لسلوك قويم، غايته انسجام الأرواح، والأنوار، لخدمة الانسانية، وتطهير الذات من عدوانية الجهالة، ورياح السَموم، واقتفاء أثر التسامح في كل أبعاده الكونية والإنسانية.
في هذا الجو التفاؤلي تُحل مشكلة الشر، إذ بوسع الفنان التشكيلي، إذا أخلص في التوجه إلى نور الأنوار، أن يزداد اقتراباً منه.
وأعظم ما يطمح إليه هو أن يحوز ملكة الابداع، ينسلخ بها عن الظلمات ويرتقي إلى عالم الأنوار، من دون أن تنقطع علاقته بالبدن، فيصير وكأنه موضوع في النور المحيط، فيساقط عليه ماء من ينبوع البهاء.
وحين تتكرر مشاهداته، فإن جوهر نفسه ينقلب إلى جوهر أنقى، تفيض أنواره على المتلقي، ويتحسن سلوك الفرد ويذوب في الجمع، بنور قوامه الحق والتعايش التضامني، لأن النفوس إذا دامت عليها الإشراقات العلوية، تطيعها مادة العالم، والنفوس المجردة، يتقرر فيها مثال من نور الله، ويتمكن فيها نور خلاّق.
إبن كيران
وأكمل رئيس المهرجان مؤكدا عدد المدعوين إلى المهرجان فقال في هذا المهرجان، الدال برقم 11، ضيفنا فيه 70 فنانا تشكيليا، من 23 جهة ، من جغرافيات عدة، كل وافد يحمل النور والوجود، من سنا الكون، بعدما تشبع بيقين المشاركة، من أجل تذليل صعاب التواصل، والتوحيد بين النور والمعرفة، لأن العلم بالشيء يعني مشاهدته موجوداً أمام المرء، حاضراً بكل ثقله أمام الشعور الذي ينيره.
وهذا الذي سعينا إليه بكل جرأة منذ عشر سنوات، وذلك يعني أن النفس، ككائن نوراني، هي التي تشرق على الموضوع، وتمنحه حضوراً حين تستحضر نفسها.
فظهورها الخاص لنفسها هو حضور ذاك الحضور، وهذا هو قوام الحضور الظهوري أو الإشراقي. وبذلك ترتد حقيقة كل معرفة موضوعية إلى معرفة العارف بنفسه، وهذا ينطبق على كل الكائنات النورانية في جميع العوالم، إذ كل منها يستحضر ما عداه بمجرد وعيه بذاته لا غير.
لا حجاب إذن ما بين الأنوار، فهي متواصلة الإشراق والمعرفة دونما انقطاع، حاضر كل منها أمام الآخرين ولنفسه في آن معا، وليست المعرفة التشكيلية سوى المشاركة في هذا المهرجان.
النور الذي فاض بالعلم على العاصمة العلمية للمملكة، حيث اخترانا بحب مٌعتق، مع سبق الاصرار والترصد، الاحتفاء بمربي الأجيال والفنان التشكيلي، ومؤسس الدرس البصري بالعالم القروي والحضري، الأستاذ محمد بن كيران، الذي ساهم في ارساء قواعد الفن التشكيلي، في مختلف المحافل والمدارس، واللقاءات، والندوات.
وكرس حياته خدمة للفن والفنانين، بتفان قل نظيره، وبمحبة شامخة عز وجودها، وبإخلاص عنيد لهذا الوطن الشامخ في قلبه، وأشرق بهاءه الخلاق، ليقبس منه الأجيال ويقتفي آثاره العديدة، وبصماته التليدة، التي تزدان بها فاس العزيزة على روحه، وتشرق أنواره بفكر أنيق، وحكمة بليغة، وحضور وضاء.
وهو احتفاء بطعم إرجاع غيض من فيض معروفه، وإن كنا لن نجاريه في سبقه، ولن نقدر على رد جميله، من النعم التي أنعمل الله عليه بها، ونثر علينا بصفاء سريرته.
لكي يستمر هذا المهرجان،ويشرق بأنواره في سبيل نشر الثقافة البصرية بكل أبعادها، حتى تزدان فاس بأكاديمية الفنون، الحلم الذي يراوده، ويعاوده، ويراجعه، بدون كلل ولا ملل، لتطيب نفسه ويكون قرير العين، ومرتاح البال.
الهشاشة والتهميش
وقال عن هدف المهرجان الحادي عشر الرئيسي إن الهدف الأسمى من تنظيم المهرجان الدولي للفنون التشكيلية بفاس، هو الـبحث المجرد، والسعي الحثيث في الطريقة العقلية في التفكير، والتي تعتمد على منطق البرهان، والمكاشفات،والمقايسات، والمطارحات، والمقابسات، وتبادل الأنخاب الفكرية والتقنية التشكيلية.
والبحث في المضامين، والنهل من حياض التجارب، والتسامي لجوهر الفن الخالص، ونثر معالم الضوء في المناطق التي تعاني الهشاشة والتهميش، ومحاولة الوصول إلى يقين الإشراك والمشاركة، والتعاون المبني على الدعم والمساندة من كل شركائنا.
وذلك لشعورنا بوجود قضايا لا يمكن اثباتها إلا عن طريق الفن التشكيلي، كما هو الحال فيما يتعلق بالأنوار القاهرة أو العقول الأُفقية العرضية، والتي هي فروع للعقول العمودية الطولية.
لمحاولة التجلي في حكمة الإنصات بالعين والمشاهدة بالأذن، ومعاينة هذه الإشراقات التشكيلية، بعين الرضا والنور، نحو تكامل بصري معرفي، ما زاغ البصر وما طغى الآية 17 سورة النجم.
المدعوون
وقد حمل برنامج المهرجان أسماء الفنانين المدعوين من الدول العربية والدول الغربية والمغرب، كالأتي من الأردن جمانة النمري، مها محيسن وفادية عابودي » من الجزائر رهام أحمد الشامي وبن علي بنيوب » من فلسطين رانية عقل وبثينة ابو ملحم ومحمد ابو عمير » من الكويت شيخة السنان ونورة العبد الهادي » ومن البحرين كاضي مطر » ومن العراق ملاك جميل وعالية الوهاب » ومن تونس سناء بن سالم » ومن سورية أحمد الصوفي وفتحي صالح وعايشرطحيمر » ومن السعودية منصور الشريف وعبد الحميد الفقي » ومن ليبيا عمران بشنة وخالد سلمة » ومن لبنان ندى عيتاني » ومن مصر أمل نصر ورانيا المدهون » ومن كندا حميد بوحيوي » ومن روسياSebatigoulnara و KOURZINA Olga/ ومن امريكاalejandravargasو » pacopardoومن اسبانياMiguel SebastiçnLlamb as / ومن ايران عليرضااقاميري » ومن الراشيدية لحسن مصواب » ومن الخميسات محمد حستي » ومن تازة محمد خلوف وبوسيف طنان » ومن صفرو وسام يوسفي وابوبكربنخضرة » ومن القنيطرة دريسيةاويدادن وحميد مرجقطان » ومن العيون فاطمة القيوان وفاطمة عيجو » ومن بلجيكا زهرة زيراوي » ومن جنيفرة مصطفى قصطال وعبد العزيز عبدوس » ومن اغبالة محمد البركمي » ومن آسفي محمد بكاري » ومن مراكش محمد عصامي » ومن بولمان عمر بلغيتي علوي » ومن خريبكة بوعبيدنغراوي ومصطفى ترابي » ومن الجديدة عبد الاله زخروف » ومن الرباط محمد قرماد وعبد الرحمان الويداني وعبد الغني الحراتي وعمر البلغيتي » ومن تطوان فاطمة بنكيران » ومن الدار البيضاء كريم ثابت وحسن شبوغ »ومن مكناس يونس الحسيني » ومن فاس نجية ايراجعي وفوزية السقاط ومحمد الاصيل وادريس الهدار وحسن جميل ومصطفى العطار ونور الدين الغماري ورضوان كمكول وعادل الصافي وعبد الرحيم الحسني وفوزي ياسين » ومن السودان محمد عصمان .
وتنظم دورة المهرجان الحادية عشرة تحت اشراف ولاية جهة فاس بولمان، وبدعم من وزارة الثقافة، وصندوق الايداع والتدبير، وبشراكة مع الجماعة الحضرية لفاس.
AZP09