أحمد الخميسي لـ الزمان صوت القصة مثل نهنهة الأطفال تحت القصف
حاوره عذاب الركابي
كاتب وقاص ومترجم.. عشقه الجنونيّ للحرف والكلمات جعله يربض في إيقاعهما بلذّة، ودونما تعب أوْ ملّل، وهو يبحر على زورق شفّاف ليصوغ من كلّ موجة متمرّدة صورةً موحيةً وراقيةً، فأنجز بفتافيت جسده النّحيل، وسهره الدائم، وشذرات وقته، وصبره دكتوراه في الأدب الروسيّ.. برع في ترجمة عديد القصّص الرائعة لعظام الكتّاب الروس، وفي أكثر من كتاب، كان آخرها رائحة الخبز مختارات قصّصية.
د. أحمد الخميسي كاتب مهموم، منحاز للكلمة الصادقة، والإنسان العاشق.. الجريح.. والنبيل، يومياته الثقافية المتناثرة في الصّحف ومواقع الإنترنيت تقول الكثير.. والكثير. كاتب جاد، لمع اسمه من بين المثقفين والمبدعين المصريين القلائل الذين ارتبطت الكلمة لديهم بمعاناة الإنسان، وصبره، فتارةً نراه قاصّاً متميزاً في لغته، وموضوعاته، وتقنيته، وجملته القصّصية المثيرة.. وتارةً أخرى ناقداً بارعاً، وراصداً دقيقاً لعديد القضايا والظواهر الثقافية في مصر والوطن العربي عبر زاويته ناصية في جريدة؟ أخبار الأدب المصرية. يطول الحديث عن كاتب دؤوب، له حضوره المميز وسط كمّ من الكتّاب والمبدعين.. كانت له كلمته وحرفه الفسفوري في تصحيح ثقافة تهادن وتنهار.. وها هو يتحدث لي من خلال جلسة حميمية، وجولة في شوارع وميادين القاهرة المضيئة بعبقها التاريخي، يتحدّث بحرية عن أعباء الكلمة.. ومعاناة المبدع.. وهموم وطن نحبّه ويزدرينا
لا أريد أنْ أقول لك كما قال سارتر ما الأدب .. العبارة التي عنون بها كتابه المهم والرائع، ولكني أقول بحميمية لماذا الكتابة؟
نعم لماذا الكتابة؟هلْ يمكن بالمنطق نفسه أنْ نسأل ولماذا النّهر؟ وتلك السحابة التي تسبح هناك؟ولماذا نتنفس؟ بلْ ولماذا نموت؟.. الكتابة؟ في اعتقادي حاجة ضرورية، وأحياناً ماتكون وثيقة الصلة بالطبيعة الأولى، الإنسان الذي ولد يفكّر، ويأكل، ويخترع، ويعمل، ولكي يتأمل كلّ ذلك، مولود أيضاً لكيْ يكتب.ثمّة شيء بدائي في الرغبة في الكتابة، مثل رغبة في الضحك، أوْ البكاء، أو دفع الوحدة أوْ الصرخة اليائسة من ألغاز الكون والوجود.إنّه شيء خاص بالتعبير، ولكنْ ليس التعبير فقط، بلْ التعبير من أجل التغيير.. حتّى السّحر القديم كان يقوم على تضافر الرغبة الفردية في التعبير بملامح الوجه والأقنعة عنْ قوة المرء وتمايزه، مع السعي لتغيير الطبيعة من حوله بادعاء السيطرة عليها وتسخيرها في الكتابة شيء بدائي مثل الخوف من الكهوف والظلمة، شيء متوارث وأصيل،لا يمكن انتزاعه من الطبيعة البشرية. وفيها أيضاً ذلك الشعور السرّي بالنبوة، بأنك تتحدث باسم الجميع، وفيها الرغبة في دفق الألم والحلم والعذاب إلى نهر آخر. ذات مرة قال نجيب محفوظ ربّما لا تكون الكتابة أهمّ شيء في العالم، لكنّها شيء بالنسبة لي .. أذكر أنني وكنت في نحو الثامنة من عمري قرّرت؟ وإلى الآن لا أدري لماذا أنْ أقيم مسرحاً فوق بلاطة عريضة على سلّم البيت، ولمْ يكن في ذهني حين تجمع الأولاد من شارعنا الضيق أيّ شيء أقوله أو أقدمه لهم. لكني خرجت أرقص أمامهم، وأغني، وأبسط يديّ في الهواء، وأهزّ رأسي.. ما الذي دفعني إلى ذلك؟هل هي الرغبة في التعبير؟ الرغبة في إدهاش الآخرين؟الرغبة في التواصل معهم؟الرغبة في إسعادهم وتغيير رتابة أيّامهم؟ لا أدري لكنّ في تلك القصّة البعيدة تكمن الإجابة عن سؤالك لماذا الكتابة؟؟
صوت الثقافة أصبح خافتاً جدّاً
وهل استطاعت الكتابة أنْ تستوعب همومنا العربية التي تفيض كأنهارنا..وأنت تكتب القصّة القصيرة والنقد ؟ مارأيك بما يكتب من قصّة قصيرة هذه الأيام؟
هناك علامات بارزة كبيرة في القصّة القصيرة الّتي تكتب هذه الأيام، هناك قاصّ مبدع هو محمّد المخزنجي الذي صدرت له تحفة اسمها أوتار الماء أتمنى لوْ أنني درت بها على كلّ البيوت، أدعو الناس إلى قراءتها، هناك القاص السوري إبراهيم صمويل ، وهنك كتّاب عراقيون وليبيون ومغاربة.. المشكلة أنّ صوت القصّة القصيرة، وصوت الثقافة عموماً، أصبح خافتاً جدّاً، مثل نهنهة الأطفال تحت القصف الذي تعيشه حضارتنا وبلداننا. ذات يوم عاتب البعض
يوسف إدريس لأنّه انصرف عن القصّة القصيرة إلى كتابة المقالات فقال لهم منْ الّذي يستطيع أنْ يكتب وستائر بيته تحترق؟ هناك كتّاب كبار، وقصّة جيدة
بلْ وجيدة جدّاً في بعض الحالات وأغلب النصوص القصصية العظيمة هي حالة شعر..
وهناك ما يسمّى بالقصّة؟ القصيدة.. هل كتبت هذا النوع من القصص؟ ما رأيك؟ أليست هي قصيدة ضلّت الطريق؟
نعم كتبت هذا النّوع مبكّراً، حين كنت أجد معنى يقودني إلى حالة الشعر، ولمْ يكنْ تعبير القصة؟ القصيدة معروفاً حينذاك، فنشرت بعضها باسم
كتابات نثرية ، لأني لمْ أكنْ أجد لها تصنيفاً أوْ تعريفاً. وقدْ لا أتفق معك في أنّ تلك الأعمال قصائد ضلّت الطريق، لأنّ ذلك يعني أنّها قصائد مجهضة، فعلى الرغم من التداخل القديم التاريخي بين النثر والشعر، إلا أنّ ذلك التداخل كان يتمّ دائماً لصالح شكل من الأشكال، إذ لا يمكنه أنْ يراوح بين شكلين، أغلب النصوص القصّصية العظيمة تتضمن حالة من الشعر، لكنّها ليست الشعر..
هناك نقّاد كثيرون أثق بهم.
والنقد هلْ تؤمن به؟ ماذا أضاف لك؟ ومنْ من النقّاد مازالت تثق بحنكته وذكائه؟
بالطبع أثق بالنقد.. ولكن النقد مثل كلّ شيء في الدنيا أنواع، النقد الذي أومن به هو النقد الذي يقترب من العمل الأدبي بحبّ، ويعتبر أنّ دوره هو الكشف عن جمال النّص للقاريء، والكشف عن آفاق تطور الكتابة للكاتب.. هناك شكل آخر من النقد معني بالانقضاض على النّص وتمزيقه، أنا شخصياً لا أكتب عن الأعمال الرديئة، لأنني أعتقد أنّها ستسقط من تلقاء ذاتها، لأنّها
لا تحمل مقومات الحياة والاستمرار. لكن هناك بعض الأعمال الفنّية الرديئة التي تتقاطع فنّياً مع قضايا كبرى، وهنا لا أستطيع أن أتجاهلها ليس تصدياً لنواقصها الفنّية، ولكن دفعاً لأثرها الاجتماعي والسياسي الضار.على سبيل المثال هناك تيار شاع لدينا أطلق عليه كتابة الجسد ، وحين أكتب عن ممثلي هذا التيار، فإنني أكتب عنهم لأنّهم يشيعون نظرة فلسفية خاطئة إلى الحياة باعتبارها عالماً من المتعة الشخصية هو كلّ العالم. وهناك نقّاد كثيرون أثق بهم، لكن الأساتذة الكبار مثل علي الراعي وغيره رحلوا..
الكاتب فيلسوف
يقول أروين أدمان والكاتب القصّصيّ على وجه من الوجوه هو فيلسوفك الصّادق، لأنّ حشد مجموعة من الناس في قصّة يتضمن رأياً في المصير وفلسفة الطبيعة ..ما رأيك؟ وماذا تضيف لهذا القول الهادف؟
الكاتب سواء أكان قاصّاً أمْ شاعراً أمْ مسرحياً هو بطبيعة الحال فيلسوف، ليس بمعنى أنّه مختص في علم الفلسفة،ولكن بمعنى أنّ له رؤية فلسفية خاصة به للعالم.وإذا أمعنت النظر فليس ثمة كاتب كبير عظيم ليس له رؤية فلسفية خاصّة. نجيب محفوظ، ليف تولستوي، كامو، لكلّ من أولئك فلسفته الخاصّة، وتصوره الاجتماعي والسياسي والإنسانيّ لمستقبل العالم من دون ذلك ليس ثمّة كتابة.. الفلسفة هنا تساوي أحياناً الزاوية الخاصّة التي يرى الكاتب العالم عبرها.
ما الذي يمكن أنْ أضيفه لقول أروين أدمان ؟أعتقد أنّه لا بدّ من إضافة انّ الكاتب القصصي ليس فيلسوفك الصادق فقط، بلْ و قلبك الصادق ، لأنّه من دون قدرة الكاتب على التعاطف مع الآخرين لا يوجد كاتب، فالكاتب ليس فيلسوفاً فحسب، إنّه فيلسوف متعاطف، ومشفق، ومحب..
الترجمة اليوم تعيش وضعاً بائساً
وكمترجم كيف ينظر القاص والناقد والمترجم د. أحمد الخميسي إلى الترجمة اليوم؟أليس نقل نصّ من لغة إلى لغة في غاية الخطورة والمسؤولية؟ من من المترجمين تألّق في هذا المجال؟
الترجمة اليوم تعيش وضعاً بائساً، والأرقام تشير إلى ذلك من المدهش أنْ تعلم مثلاً أنّ تعداد العالم العربي 250 مليون نسمة، ويصدر من الكتب المترجمة سدس ما تقوم به أسبانيا بترجمته وعدد سكانها 39 مليون نسمة، أضف إلى ذلك أنّ كلّ حركة للترجمة عندنا تتمّ بشكل عشوائي، لأنّ الترجمة بعدد المترجمين واختصاصهم، أي بواقع الحال، وليستْ مرتبطة بما نريد أو بما نخطّط له، وستجد أنّ الكتاب الواحد قدْ يصدر عشر مرّات بأسماء مختلفة مرّة في الكويت وأخرى في القاهرة، بينما تختفي كتب أخرى تماماً، وذلك لغياب أيّ تنسيق داخل الحركة الثقافية العربية على المستويين الرسمي وغير الرسمي.
نعم لاشك انّ نقل نصّ من لغة أمر في غاية الخطورة، ولكنه ذلك الخطر اللازم للحياة. في بداية القرن حين دخل الترام إلى القاهرة كان السكان يتواثبون فزعاً أمامه، والدجالون يشيعون أنه؟ أي الترام يأكل الأطفال، وفي كلّ مرّة يظهر فيها اختراع علمي محفوف بالخطر كالكهرباء أو أنابيب الغاز يهب الناس لمهاجمته لأنه خطر، ثمّ يعتادون الحياة في الخطر. ونحن اعتدنا الحياة في خطر الترجمة، لأنّها ضرورية جدّاً. وقدْ تألق مترجمون كثيرون في تاريخ الترجمة، بدءأ من الشاعر مطران خليل مطران أول منْ ترجم هاملت شكسبير مروراً بالدكتور سامي الدروبي الذي ترجم فيودر دستوفسكي حتّى طلعت الشايب والمترجم السوريّ المذهل د. عفيف دمشقية الذي ترجم أمين معلوف، أيضاً تألّق د. أبو بكر يوسف الذي نقل تشيخوف عن الروسية مباشرةً إلى العربية، وهناك أسماء كبيرة في هذا المجال..
الترجمة خيانة حلال
وهلْ الترجمة خيانة للنّص كما يصفها البعض؟
هي في نهاية الأمر خيانة، لكنّها خيانة حلال إذا جاز القول، وقدْ جرّبت مرّة أنْ أترجم قصيدة لـ ألكسندر بوشكين من الروسية إلى العربية، واجتهدت ثلاثة أيّام، ثمّ عدت إليها بالحذف والتدقيق، ثمّ تركتها مستريحاً. وحين رجعت إليها أصابني الذهول، فقد اكتشفت أنّ الترجمة صحيحة جدّاً، ولكنّها بلا روح، لقد نجحت الترجمة ومات النّص هناك أشياء تستعصي حتّى على الخيانة كما هي الحال عند ترجمة الشعر..
نجيب محفوظ هرم الرواية..مثال للتواضع
يقول ألبير كامو إنني لم أصنع شيئاً بعد.. إنّ عملي لمْ يبدأ بعد .. أليس هذا تواضعاً؟ قلْ لي هلْ يعرف أدباؤنا التواضع؟
أعتقد أنّ ماقاله كامو ليس تواضعا، إنه ناجم من علمه بحقيقة ضآلة ما ينجزه المرء عبر حياة قصيرة، مقارنةً بما هو مطلوب منه. وتسأل هل يعرف أدباؤنا التواضع؟ أقول نعم يعرفون التواضع، إذا كنت تقصد بأدبائنا أولئك الأدباء الكبار فعلاً.. ويكفي أنْ تنظر إلى هرم الرواية العربية نجيب محفوظ وإلى تواضعه.
أما إذا كنت تقصد بأدبائنا كلّ منْ هبّ ودبّ، فأنهم لايعرفون التواضع، لأنّ التواضع مرتبط أشدجّ الارتباط بالإدراك.
ما جديد القاص والناقد د. أحمد الخميسي؟
الجديد هو هذا الحوار، قبله مباشرة صدرت لي مجموعة قصص بعنوان قطعة ليل عن دار ميريت في القاهرة، وهي تضم اثنتي عشرة قصّة قصيرة.. وهناك في الايام القادمة المزيد.
AZP09
























