تكريم المبدعين المنتَظرين في المغرب

تكريم المبدعين المنتَظرين في المغرب
نسائم الربيع لمن يفوز بعبق الزهرة
فيصل عبد الحسن
أخيراً كان للربيع معنى للمبدعين والفنانين المغاربة، الذين فاتت فرصة تكريمهم منذ سنوات كثيرة، وأثروا الأنتظار بالرغم مما أمضوه من سنوات العطاء المثمر في حقول الثقافة والفنون والمعرفة الإنسانية.
إذ بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، نظمت كلية علوم التربية ـــ ماستر ديدكتيك اللغة العربية ــ بشراكة مع جمعية بنو حسان للثقافة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية لأجل الطنطان برحاب كلية علوم التربية في الرباط، مساء الجمعة الماضية، تكريما للأديبة، زهرة زيراوي، مما فتح الباب لتكريم مبدعين آخرين قريباً لديهم عطاء ثر يماثل عطائها المتنوع.
وقد شارك في هذا التكريم ثلة من الأساتذة، والأدباء الذين قدموا شهادات في حق المحتفى بها، وبهذه المناسبة بعثت وزارة الثقافة البلجيكية وعمدة بروكسيل برسالة تهنئة للأديبة زهرة زيراوي، في وقت غاب فيه ممثل عن وزارة الثقافة المغربية، الذي كان مبرمجا أن يشارك في هذا التكريم.
والتكريم جاء بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وتضمن أمسية شعرية، وقصصية تحت شعار الإبداع جسر التواصل بين الأجيال ، وإدار الأحتفالية الأديبان الشاعر حسن أعبيدو والقاص إبراهيم غراف.
وبدأ الحفل بكلمة عميد كلية علوم التربية، وكلمة ممثل ماستر ديدكتيك اللغة العربية ثم تلت ذلك كلمة د.فاتح عبد السلام رئيس تحرير جريدة الزمان الدولية التي قًرأت بالنيابة عنه، وكلمة وزارة الثقافة البلجيكية؛ وكلمة السيد عمدة بروكسيل وقد ألقاهما بالنيابة د. محمد رضائي.
وتليت ذلك كلمات ممثلي الجمعيتين المشاركتين في التكريم، وهي جمعية بني حسان للثقافة، وجمعية لأجل طانطان، ثم توالى ألقاء شهادات المبدعين والفنانين في حق الأديبة والفنانة زهرة زيراوي.
تقرأ من الداخل
وقد جاء في شهادة د.فاتح عبد السلام رئيس تحرير جريدة الزمان الدولية بحق الأديبة زيراوي قوله حين تكتب زهرة زيراوي في نقد الفن التشكيلي أو تنجز حوارا في قضية إبداعية أو فكرية مع أديب أو فنان, فكأن نصا إبداعيا يولد من بين ثنايا سطورها ذلك أنها تكتب من داخل أجواء المبدعين وعوالمهم.
واكبت الكاتبة والقاصة والشاعرة والناقدة زهرة زيراوي الملحق الثقافي لصحيفة الزمان اليومية الدولية الصادرة في لندن منذ بداياته في التسعينات القرن الماضي.
وكانت مقالاتها محط إعجاب القراء, ولعلها كانت تطبع ابتسامة رضا ومحبة على وجه المحرر، وهو يتلقى أية مادة إبداعية أو نقدية أو صحافية من هذه المبدعة، التي قلما وجدنا مثيلا لها مشغولا كما هي، بهموم التنوير عبر الكلمة واللون والفكرة.
وكنا نشعر ولا نزال كم كانت صبورة في إنجاز أية مادة تروم نشرها, في حرص المبدع ولهفة الصحافي. يمر وقت طويل في الصحافة الثقافية، حتى يمكن أن نلتقي وجها ثقافيا تعدديا في عطائه مثل زهرة, وقد نلتقي ذلك الوجه يوما , لكننا لا نجد مثل المبدعة زهرة زيراوي.
من الانصاف أن تكون هناك مراجعة نقدية لأعمال زيراوي لا سيما حواراتها الفكرية، والتشكيلية التي كانت تثير فيها إشكاليات السؤال الثقافي الصعب، والمطلوب لاجتياز العتبة العالية في واقعنا الثقافي العربي المحاط بأسلاك وموانع ومتفجرات مستمرة تحاول النيل من المنجز الإبداعي، ووضعه في إقامة إجبارية عند حدود الهامش.
زهرة زيراوي تقرأ من الداخل، وتلك مهمة صعبة يتجاهلها كثيرون .
تقاسم الرؤى
وجاء في كلمة وزير الثقافة البلجيكي رشيد مدران قوله منذ سنوات عديدة وأنا أشتغل مع السيدة زهرة زيراوي الفنانة التشكيلية و الكاتبة، أول لقاء كان بيننا كنت يومها عمدة لمدينة بروكسيل مسؤولا عن الثقافة بمجلس مدينة إتيربيك، كنا نهيئ معا برنامجا مشتركا للقاءات ثقافية فنية مع جمعية ملتقى الفن التي تمثلها زهرة زيراوي ببروكسيل، ثم أصبحت وزيرا للثقافة و ما يظل عندي من انطباع، هو أننا نتقاسم نفس المعاييروالأهداف والاعتراف بتنوع الثقافات المهم أن الأهداف الرئيسية بالنسبة لي في السياسة يعتمد أساسا الثقافة جسرا بين أطراف الأرض هذا هو ما أنهجه وإننا معا أنا والأديبة زهرة زيراوي نتقاسم هذه الرؤى، و من أجل ذلك أتعهد بتقديم العون لها فيما يتعلق بالبرامج الثقافية الفنية لنستمر إلى الأمام .
عمدة بروكسل
وجاء في كلمة عمدة مدينة بروكسيل السيد إزي ألبيرتهال قوله عن زيراوي سيداتي سادتي، لمدة سبعة و عشرين عاما وأنا أقوم بمهمة عمدة مدينة بروكسيل مجلس إتيربيك مسؤولا عن الأعمال الثقافية والاجتماعية
كان لي شرف أن ألتقي مع الفنانة والأديبة السيدة زهرة زيراوي لقاءاتنا أساسا اشتغلت على التعايش الثقافي و مد الحوار بين الديانات والفكر الفلسفي هذه السيدة العظيمة تعمل كسفيرة فريدة من نوعها لتضيف غنى للثقافات المتنوعة، وللاختلاف البشري قصد مد جسر بين البشر جميعا بعيدا عن الصراعات والعداء في المجتمع الذي أعيش فيه يتحتم علي أن أكد على هذا النوع من الأهداف التي تصب في هذا المنحى، وكانت السيدة زهرة زيراوي تجسد ذلك بامتياز.
حدث ثقافي هام وفريد من نوعه شهدته بروكسيل أن تجتمع إدارة مجلس مدينة بروكسيل المؤسسة البلجيكية العمومية وجمعية ملتقى الفن من المغرب، ليتفقا معا على برمجة ثقافية فنية بين الإدارة والجمعية ممثلة في شخصية الأديبة زهرة زيراوي والهدف الثقافة والفنون جسر التواصل، حيث يلتقي الأدباء والتشكيليون، والنُّقادُ والمؤسساتُ الثقافية لتحقيق الحلم، حلم الاقتراب من الفكر والتجارب الإنسانية الفنية والثقافية عموما.
لقدْ جاءتْ فكرةُ تنظيمِ هذه اللقاءات عربيّ مغربي، أوربي بلجيكي، بهدف خلق فضاء يجتمع فيه الفنّانون التشكيليّون على اختلاف مشاربهم، قصد التعريف بأعْمالهم، وتَبادُل الخبْراتِ والآراء الفنيةِ والفكرِيةِّ والجمالية فيما بينهمْ، عسى أن أن يسهم ذلك في بناء مستقبل قادم يخفف من الكراهية التي تنتشراليوم بين البشر، وقد تم اللقاء الثقافي الفني الأول الذي كان عنوانه الحضارات و تقاربها، الثقافة والفن جسر يلتقي عليه البشر في نهاية دسمبر 2009 حيث ساهم فيه أدباء و فنانون وإعلاميون من كل من المغرب وبلجيكا، أشرف على اللقاء كل من مجلس المدينة ممثلا في شخصية السيد ألبير تهال، و جمعية ملتقى الفن تمثلها الأديبة و الفنانة زهرة زيراوي،
في هذا المسعى كان التنسيق الأول.
الثوابت والعوائد
وتلت الكلمات شهادة د.أحمد بلحاج آية وارهام، بحق المكرمة، والتي كانت بعنوان انشقاقاتُ الروحِ في بَيْتِ الحَيْرَة ِ… وهي كما يقول آية وارهام ملامسة ُ لصدامِ الذات مع الوجود في ديوان ولِأَنِّي… للشاعرة المغربية زهرة زيراوي .
وهناك شعر يُزلزل، ويُقلق، ويُخلخل، ويُشعل الحرائق في الثوابت والعوائد، ويُعيد الروح إلى نقطة الصدام مع الوجود لفهم، التباساته ومكامِن حِرْبَائيتِه، واستبداد يده التي ما تنفك تُصافحنا بالموت في كل لحظة، وتُوَشِّي حياتنا بفحيحِ القصف والعصف، وبنشيشِ الدم العَبيطِ الساخن .
أَتَهَجَّى
واكمل د. وارهام بقوله السمات الغالبة عليه، لا مراء في أن كل من جذبه هذا الديوان، وشغفه حبا، سيندغم مع بنياته الجمالية والدلاليه، وسيكتشف أن الشاعرة تُبستِنُ العالم بما هو غير مألولف للعالم. وهذا هو رهانُها الشعري، فهي تخز جسد المُتَحَنْدِسَ بإِبَرِ الضوء ليتكلم لغة اختلافٍ لا لغة ائتلافٍ، وليورقَ سِلمًا ومحبَّةً لا عُنفًا وكراهية.
كما سيتضح له أن هذا كله يدور في فلك أربعِ سماتٍ؛ هي القلق، وهو سمة جمالية وجودية تَحمِل القصائد على طرح الأسئلة والبحث، وعلى تصوير المحيط بكل أبعاده البرانية والجوانية، إنه القلق الباني المحرِّض على سَبرِ أغوار الواقع والأحداث، والتعبير عنها بلغة خاصة، ورؤية ذاتية خاصة إِنِّي أَقِفِزُ إِلَى قِمَّةٍ نَفْسِي»عَسَانِي أَرَى.
قناع ولادة
وتناولت شهادة الشاعر محمد علي الرباوي ديوان الشاعرة زهرة زيراوي ولأني ولوحتها نائمة المقهى فقال وأنا أقرأ مجموعة ولأني للشاعرة زهرة زيراوي، لاحظتُ، كما ذكرتُ في مقدمة هذه المجموعة الشعرية، أن المكان يشتعلُ بين يديها، وهي تَخُطُّ بريشتها، قصائدَها التي كساها الحزنُ غلالةَ شِعْرٍ يَسْعَدُ القارئُ، وهو يغوص بين موجاته.
تقوم هذه المجموعة على عديد من الأبطال. وكأن الشاعرة بِهذا تكتب روايةً، أو لنقل سيرةً ذاتية، ترصد من خلالها تفاصيلَ حياتها. من هذه الأبطال الوادي الكبير في علاقته بقرطبة، والمعتمد بن عباد في علاقتة بالأندلس. وابن زيدون في علاقته بولادة. وبِهذا فالبطل الأساسي في هذه السيرة الرواية هو الأندلس»قرطبة.
مبدعة استثنائية
وأثنت شهادة الروائي د.علي القاسمي على المحتفى بها إذ اعتبرها مبدعة متعددة المواهب فقال عنها كما تتكامل الأخلاق في نفس الإنسان النبيل، تتعانق الفنون في روح المبدع الأصيل. وقد اجتمعت في زهرة الزيراوي الأخلاق السامية والفنون الراقية. فهي إنسانة استثنائية ورثت الفضيلة والكرم والصدق والتواضع وحبَّ الوطن من آبائها الأماجد؛ وحملت عصاها وحيدة، في رحلة البحث عن جوهر الإنسان وأسرار تعلُّقه بالحقِّ والخير والجمال، وسافرت في أقانيم الفكر القصية تاريخاً وفلسفة وعلماً، وتجوّلت في تخوم الإبداع الدنية شعراً وقصة ورواية وتشكيلاً.
وبدافع من حسِّها العربي الأصيل، وإيمانها بأن معاناة المثقَّف العربي واحدةٌ في المشرق والمغرب، أصدرت كتابها التشكيل في الوطن العربي مقامات أولى . ولا شك في أنّها ستُتبعه بمقامات أخرى. ولأنَّ زهرة الزيراوي مناضلةٌ لا تلين لها قناة، ولا يتسرَّب اليأس والخذلان إلى نفسها، وتؤمن بأن ليل الانكسارات والأحزان والأشجان لا بدَّ أن ينجلي، وأنها ستنشر آمالها وتطلعاتها على وجنة الصبح، فقد أبدعت روايتها الفردوس البعيد .
لم تتَّسع رحاب النثر لطموحها الأدبي العريض، فارتادت آفاق الشعر، سيِّد الفنون. وهكذا نشرت ديوانها الأوَّل في دار ميريت بالقاهرة بعنوان ليس إلّا ، ثم صدر ديوانها الثاني مؤخراً عن ملتقى الفنّ في الدار البيضاء بعنوان ولأني… .
فن المحو
وجاء في شهادة المحتفى بها بسم الله الرحمن الرحيم .. لا أعرف كيف أصوغ شكري للمنظمين وللطلبة الباحثين الذين مدوا الجسر بين جيلين من جنوب المغرب إلى شماله ومن غربه لشرقه، ليتحقق اليوم هذا الحضور الوارف لهذا الجمع من الأدباء.
وشكرا لكل من السادة د. فاتح عبد السلام، الأديب والناقد ورئيس تحرير جريدة الزمان المقيم في بريطانيا، والسيد رشيد مدران وزير الثقافة البلجيكي، والسيد ألبيرتهال عمدة مدينة بروكسيل، إذ أصروا على المساهمة ومد الجسر فيما بين آحاد الوعي عبر الضفتين. أعترف هنا حيث الأرض التي يخصب فيها الفكر التربوي والثقافي ساقني فضاء كلية علوم التربية باتجاه الخلف، إلى مركز تكوين المفتشين بالرباط عام 1972 حيث تتلمذت على يد مفكرين كبار الدكاترة رشدي فكار الدكتورعابد الجابري الدكتورة عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ وما أطول القائمة.
يحاضر أستاذ تاريخ الفن الأكاديمية الملكية للفنون ببروكسيل حول فن المحو فيقول الفنان ديكونين كان مغرما بالاشتغال على بورتريهات لنساء مشوهات، فسافر إليه فنان من إحدى الولايات الأمريكية، أخبره بأنه جاء ليشتري منه لوحة، أخذه ديكونين لمحترفه وباعه اللوحة التي أراد التفت الفنان إليه و سأله هل تعلم لماذا اشتريتها؟ثم عقب لأمحوها. ثم بعد شهور أقام معرضا له، و ضمن اللوحات المعروضة لوحة ديكونين، لكن بعد محوها، و قد كتب أسفل اللوحة أوف كم أتعبتني و أنا أمحوها.
و عبق الزهرة هو عنوان الكتاب المطبوع الذي كرمت به المحتفى بها، وقد ساهم بتحريره عدد كبير من الكتاب والفنانين من المغرب وخارج المغرب، إضافة إلى ذلك قدم لها العديد من الهدايا التذكارية من طلبة كليةعلوم التربية من بينها رقعة جلد كتب عليها بالخط الحساني قصيدة في مدحها، وشهادة وملصق الأحتفالية، لقد كان تكريم زهرة زيراوي هو بحق تكريم لجميع المبدعين المغاربة المنتظرين التكريم، وأن نسائم الربيع لمن يفوز بعبق الزهرة
AZP09