قتل الجنود المصريين في سيناء ـ سمير درويش
سماء القاهرة الآن مزدحمة بالأخبار، لدرجة أنها تتقادم بعد ساعات فقط من اعلانها مع هجوم أخبار أخرى، تضيف اليها أو تمحوها، بعضها حقيقي تسربها جهات مطلعة للنيل من جهات أخرى، أو بالونات اختبار تقيس ردود الأفعال قبل الشروع في فعل ما، وبعضها ملفق يهدف الى تشويه شخصيات سياسية لتحجيم دورها وشعبيتها. هذه سمة الفترات الانتقالية التي لم تحسم فيها بشكل نهائي أوزان القوى الفاعلة، وقدرتها على الانجاز والاقناع، خاصة أنها جميعاً لم تختبر من قبل، بمن فيها جماعة الاخوان. أهم الأخبار في الفترة الأخيرة ما تناقلته بعض المواقع والمحطات الفضائية من ضلوع عناصر حمساوية في قتل الستة عشر جنديّاً مصريّاً على خط الحدود في شهر رمضان الماضي، بينما كانوا يتناولون افطارهم.
ساهمت السلطة في رسم هذا المشهد السرابي بالتردد، وبعدم اعلان الحقائق مجردة للناس للهروب من تحمل مسؤوليتها، وبالكذب أحياناً كنفي ارسال خطاب لبيريز ثم الاضطرار الى الاعتراف، والادعاء بأن الحسيني أبو ضيف ــ الصحفي الناصري ــ ينتمي للجماعة، وبالصمت الذي كان أداة مبارك في ادارة شؤون الحكم، ما دفع كثيرين للاندهاش من اختفاء الرئيس وقت اشتعال الأزمات، وبتقديم معلومات وأرقام مغلوطة أو مجتزأة كتلك التي يقولها مرسي في خطاباته عن النمو الاقتصادي المضطرد وتحسن السياحة، بينما قاربت الطبقة المتوسطة العليا على الانهيار، وأغلقت معظم الفنادق الكبرى أبوابها كليّاً أو جزئيّاً. والغريب أن الجماعة تعرف أن كثيرين ينتظرون هذه الأخبار للعمل عليها، وبالفعل ينتج عن هذا تدني شعبيتها لدى قطاعات كانت موالية لها، ومع ذلك لا تحرك ساكناً، وتبث المزيد من الأكاذيب برعونة وقلة كفاءة. وقضية مقتل الجنود هي المثال الأخطر للتعتيم وغياب المعلومات وتعمد التضليل، لذلك فعلى الباحث أن يدقق الأخبار بنفسه ليصل الى نتيجة تظل في نطاق الاجتهاد.
السؤال مَنْ مِنْ مصلحته قتل الجنود ويمتلك القدرة على الفعل؟
سؤال شائك تستلزم اجابته التوقف أمام حقيقة أن حوالي سبعة أشهر مرت على الجريمة ولم يحدد المسؤولون فاعلاً، رغم تسلم رفات منفذي العملية من اسرائيل وقتها، في حين أنهم يتحدثون حديثاً مرسلاً عن مؤامرات داخلية وخارجية ــ دون تقديم أدلة ــ لاسقاط الرئيس واختطافه وارساله الى جهة غير معلومة بمساعدة هذا الطرف العربي أو ذاك، ويسمونهم بالاسم. غياب المعلومات هنا يعزز فكرة التواطؤ، سواء أكانت حقيقية أم لا، خصوصاً اذا ما قيست على الصمت ازاء حوادث مماثلة كالاعتداء على المتعصمين أمام الاتحادية يوم الخامس من ديسمبر 2012، والاعتداء على المتظاهرين السلميين بميدان التحرير وتحطيم منصتهم يوم جمعة الحساب، والاعتداء بالضرب على الاعلاميين المعارضين وقت حصار مدينة الانتاج الاعلامي، واحراق مقر جريدة الوفد.. وغيرها كثير. هذا الصمت عن كل الجرائم التي أحد طرفيها ينتمي للتيار الاسلامي يترك انطباعاً سيئاً عنهم فيما يخص قتل الجنود. والانطباع على عدم رصانته وكونه لا يشكل دليلاً قاطعاً، فانه يدفع باتجاه معين اذا توفرت قرائن أخرى.
أربعة أطراف ــ اذا استبعدنا أن يقتل جندي مصري أخاه ــ يمكنها التنفيذ اذا توفرت الارادة، لأنها تمتلك السلاح والمال والمعلومات والعناصر المدربة اسرائيل، والقوات الدولية، والجماعات الاسلامية المسلحة التي تتحصن بسيناء، والذراع المسلحة لحركة حماس، خاصة أن الحدود المصرية الفلسطينية مكتظة بالأنفاق غير المراقبة، والتي غض ــ وما يزال ــ المسؤولون الطرف عنها لأنها تخدم مصالحهم، التجارية والسياسية، وعن طريقها أيضاً يمر السلاح والمسلحون. الأخيران يرتبطان بعلاقات قديمة، تنظيمية وفكرية، مع جماعة الاخوان الحاكمة، وبالتالي يمكنها التأثير عليهما ايجاباً وسلباً، ما يجعلهما ضالعين في المشهد السياسي المصري، في حين أن التأييد الأمريكي المعلن للجماعة، ومن ورائها اسرائيل، قد يستبعد ضلوعهما في الجريمة، فالظاهر أن أمريكا تبحث عن التهدئة والاستقرار في مصر حماية لمصالحها في الخليج العربي، واسرائيل ــ بالتبعية ــ لم تفتعل أية مشكلة مع مصر منذ 25 يناير 2011، رغم اقتحام سفارتها في القاهرة ونهب أوراقها وانزال علمها.
لاشك أن مرسي استفاد من الجريمة كغطاء للاطاحة بالمشير طنطاوي والفريق أول سامي عنان، لينهي الازدواجية التي كانت قائمة في حكم مصر، صحيح أنه لم يقل صراحة انهما مسئولان، لكن اللجان الالكترونية التابعة للجماعة، والتي تأخذ أوامرها من قياداتها العليا، قالت ما هو أكثر، وحاولت اظهار الرئيس في صورة البطل الذي أنهى حكم العسكر لمصر، وهم يكذبون لأنهم يعلمون أن الشباب الذين قتلوا في موقعتي محمد محمود وقصر العيني، في نوفمبر 2011، هم الذين انتزعوا من طنطاوي موعداً نهائيّاً لنقل السلطة.
على الجانب الآخر استفادت حماس، حيث استمر تهريب المواد الغذائية الى غزة عبر الأنفاق بأسعار مدعمة تقل كثيراً عن السعر العالمي، والمواد البترولية كالبنزين والسولار رغم نقصها في مصر، وكذلك السلاح المهرب من ليبيا. وعلى المستوى السياسي أصبحت مصر تتعامل مع حماس كدولة مستقلة عن الكيان الفلسطيني، بصرف النظر عن تأثير ذلك على القضية الكبرى.
لا أستطيع أن أجزم بصحة الأخبار المنشورة أو كذبها، لأنه لا أحد يقول الحقيقة كما كنا قبل الثورة، وربما أكثر، لكنني أرص المشاهد والأفكار وأحاول أن أجد علاقة تربط بينها، واثقاً أن أحداً لا يستطيع أن يخبئ الحقيقة طوال الوقت، وأن عقاب الجاني ــ مهما كان ــ سيكون مؤلماً.
AZP07
























