صاحب الحلاج والجنيد ملأت شطحاته وجنونه وحكمته المجالس

صاحب الحلاج والجنيد ملأت شطحاته وجنونه وحكمته المجالس

السكران أبو بكر الشبلي من شيوح المدرسة البغدادية بالتصوف

طارق حرب

هو أبو بكر دلف بن جحدر وان كان قد كتب على قبره في مقبرة الخيزران مقبرة الاعظمية اسمه الاخر جعفر بن يونس كما  أسماه أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه طبقات الصوفية وابن خلكان في وفيات الاعيان ولكن والحق اقول عندما تدخل هذه المقبرة تجد لافتة كبيرة مكتوب عليه اسمه أبو بكر الشبلي وهو بغدادي المولد وبغدادي النشأة حيث ولد عام 247  هج  زمن خليفة بغداد العباسي المنتصر بالله وتوفي عام  334 هج زمن الخليفة المطيع كانت توبته في مجلس خير النساج ببغداد وصاحب الشيخ الصوفي الجنيد البغدادي ومن عاصره بما فيهم شيخ الصوفية الحلاج  وله معهم كلام عندما تم صلب الحلاج والشيخ الصوفي ابو الحسين النوري تفقه في بداية حياته على مذهب الامام مالك وكتب الحديث الكثير حتى صار في بغداد أوحد أهل الوقت علماً وحالاً وظرفاًً وقبره لا زال ويزار وقبلها كان والياً لاحدى مدن خراسان لكنه تنازل عن الولايه ووهب أمواله ووزعها على فقراء المدينة وسلك طريق التصوف وهو أول من سمى التصوف بعلم الخرق في مقابلة علم الورق وهو علم الفقه وكان الجنيد البغدادي يقول لكل قوم تاج وتاج الصوفية الشبلي كما ينقل ذلك موءرخ بغداد الخطيب ويردف الجنيد قائلا : لا تنظروا الى الشبلي بالعين التي ينظر بها بعضكم الى بعض فأنه عين من عيون الله ويردف لم أر في الصوفية أعلم من الشبلي ومن شدة زهده كان يلقب بريحانة المؤمنين وكان يؤم حلقته في جامع المنصور ببغداد خلق كثير .

عرف التصوف فقال هو ترويح القلوب وتجليل الخواطر بأردية الوفاء والتخلق بالسخاء والبشر في اللقاء وهو الجلوس مع الله بلا هم والصوفية أطفال في حجر الحق

منهج الصوفية

و وهو يرى في السكرة السبيل الى معرفة منهجه الصوفي لأنه يرى هذه السكرة هي التي ترسم طريق الصوفي في عشقه الالهي ويصفوة بالمجتذب الولهان المستلب السكران الوارد العطشان ويقول عنه الجنيد لو أفاق من سكره لجاء منه امام ينتفع به وهو يعد السكر جوهر طريقته في التصوف ومصدر شطحاته وتواجده وكان يحث الناس على السكره الروحية التي يرى فيها الخلاص من ربقة الدنيا والصعود الى السماوات .

وكان يقول عن الحلاج كنت مع الحلاج شيئاً واحداً الا انه أعلن وأنا كتمت أي لم أعلن علمي الصوفي بالحلول والاتحاد للناس في حين ان الحلاج أعلن علمه فكانت نتيجة سكوت الشبلي  بقاءه وكانت نتيجة الحلاج الصلب حتى انه سأل الحلاج وهو يتم فيه تنفيذ العقوبة من الف سوط وقطع اليدين والرجلين وحز الرأس وحرق الأشلاء عن ماهية التصوف  فأجاب الحلاج الشبلي أهون مرقاة منه ماترى أي ان هذا العقاب الذي أعذبه هو الحد الادنى للأحاطة بالتصوف ومعرفته. وكانت مجاهدات الشبلي في بدايته فوق الحد اذ كان يقول أكتحلت بالكحل لأعتاد السهر ولا يأخذني النوم فلما زاد علي لأمر حميت الميل وأكتحلت به وقيل له متى يكون الشخص مريداً فقال اذا استوت حالاته في السفر والحضر والمشهد والمغيب ولما سألوه كيف الدنيا قال قدر يغلي وكيف يملأ وكان يقول في مناجاته:  أحبك الخلق لنعماءك وأنا أحبك لبلاءك وفي مرة أخر الصلاة للعصر حتى دنت الشمس الى الغروب فقام فصلى وأنشد:

نسيت اليوم من عشق صلاتي

فلا أدري عشائي من غذائي

ويقول ليس للمريد فترة ولا للمعارف علاقة ولا للمحب شكوى ولا للصادق دعوى ولا للخلق من الله فرار ويقول لأهل عصره : أنتم قبور ! فقيل له لماذا! فقال لأن كل واحد منكم مدفون في ثيابه وعندما قال له احدهم له ونحن نعد في الاموات فأجابه؛ نعم العارفون نيام والجاهلون أموات.

ومن شعره الذي يقول فيه:

دع الاقمار تغرب أو تنير لنا بدر تدل له البدور

لنا من نوره في كل وقت ضياء ما تغيره الدهور

ويقول : العارف لا يكون لغيره لاحظاً ولا لكلام غيره لافظاً ولا يرى لنفسه غير الله حافظاً.

ويروى عن خادمه قوله : سمعت الشبلي يقول : علي درهم واحد مظلمه ظلمته أيام ولايتي وقد تصدقت عن صاحبه بألوف وما على قلبي أعظم منه.

وحين شبه الشبلي حاله بمجنون ليلى رمزاً كشأن المتصوفه الى عشقهم  الالهي من خلال دلالة الجنون في حب العامري:

قالو؛ جننت على ليلى فقلت لهم

الحب أيسره ما بالمجانين.

وروي انه مات له ولد فجزت امه شعرها عليه فلما سمع الشبلي جز شعره ولحيته فقيل لماذا قال: جزت هذه شعرها على مفقود فكيف لا أجز لحيتي على موجود.

دخول المستشفى

ودخل الشبلي المارستان (المستشفى) أكثر من مرة وكان يقول لزائريه جئتكم أي فائدة لكم في؟ دخلت المارستان كذا مره وسقيت من الدواء كذا مره فلم أزدد الاجنوناً ومن أقواله التي تمثل قمة الفلسفة الصوفية؛ ان الله لم يحتجب عن خلقه انما خلقه أحتجبوا عنه بحب الدنيا. وفي المحبه يقول؛ المحبه الفراغ للحبيب وترك الاعتراض على الرقيب ويكرر صراط الاولياء المحبة والفبول بالمحبة منحة آلهية. ولا بد أن نلاحظ الفرق بين الشبلي السكران وبين شخصية بغدادية صوفية أيضاً أخرى  اذ هنالك خلط بين الاثنين حتى ان صاحب كتاب تنزه العباد في مدينة فالشبلي وان لقب بالسكران فقد عاش ومات في العهد العباسي الوسيط ودفن في مقبرة الخيزران مقبرة الامام أبي حنيفه في الاعظمية في حين ان الشيخ محمد السكران عاش في العهد العباسي الاخير بحيث كانت بعض ايامه في السنوات التي سيطر فيها هولاكو على بغداد وهو الشيخ محمد السكران الذي تسمى بأسمه مقبرة الرصافة الموجودة على الطريق الذاهب من بغداد الى بعقوبة والخالص حيث يوجد قبره في تلك المقبرة المجاورة لمحلة الزهور في الشمال الشرقي من بغداد في حين ان قبر الشبلي في مقبرة الاعظمية.