حوار مع الروائي القاص علي السباعي: أنا بلبل أرسم للعالم أفاقاً سومرية

حوار مع الروائي القاص علي السباعي: أنا بلبل أرسم للعالم أفاقاً سومرية

اسماعيل ابراهيم عبد

قرأت أحدى شخصيات القاص علي السباعي ،تطالع هذا الحوار  وفي الوقت نفسه تعد شاي  النعناع ، نافذتها تطل على نهر الفرات ورموشها ينزلق عليها الماء وينساب نورا مبارك يمضي نحو قلوب القرّاء

ـــ نبدأ بالقراءة ، أنت من مدمنيها وتحب العالمَ أن يقرأ ، أنت قارئ تصنع إنساناً مثقفاً، وبما انك تكتب قصصاً قصيرة ما هي نوعية الكتب التي تأخذ منك  الأهمية، أهي كتب القصة القصيرة ؟ أم الرواية؟أم كتب أخرى؟

تاريخ ولادة

  • -(ن ? وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ 1 (- القلم )) ، والآية ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ   الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ   عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ   – العلق )) ،  والنهر لا يستمر بالجريان ، ولا ينمو ، ولا يستقيم إلاَّ بروافده ، فإِن نضبت ، جفَّ ومات . وهكذا كل أنواع الكتب روافدي ، ولا خيار لي لنوعٍ منها على آخر . فأن نقصت ضعفت ، وإن زادت أينعت الولادة

الصباح :ربما كان هذا الصباح مجموعة ذبذبات تتصاعد من نهر الفرات ، ذهب التلميذ نحو المدرسة،

كان لصدى الولادة بل لاً نهر يا في دفاتره

الخميس : دون التلميذ تاريخ الولادة في طريقه من المدرسة نحو الشجرة والغداء

ــ عمو في اي يوم نحن من الشهر

ــ اليوم هو العاشر من الشهر السادس

{ في قصصك كم هائل من المعلومات والأسماء، أسماء علماء ،أو فنانين، وأسماء تسحبها من أعماق  التأريخ ، وأسماء أماكن . منذ متى اخترت توظيف هذه المعلومات ؟لماذا اخترت أن تُقدم قصصك هكذاُ ؟

– القصُ هو : تاريخ . وأعمدته الأسماء التي سميتها ، وأسماء أخرى لم تسميها ؟ مثل الزمان . وإن أردت أن أعدد  ك :- (( الأرض والسماوات والأقمار والنجوم والشموس والهواء والماء والنار والنبات والحيوان والإنسان..)) . فأن لم تتعلمها ، فلا تفهم ” التاريخ ” . أي (( القص )) . وكما يُقال التعلم في الصغر كالنقش على الحجر ، فلولا الأخطاء الكثيرة ، صغيرها وكبيرها التي ارتكبتها لما تعلمت  ، ولما اهتديت ، ولما اتعظت ، ولما اخترت أن أقدم ” التاريخ ” . أي قصصي بالصورة التي ذكرتها يا سيدي . ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3( – يوسف )) . و ((نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ? . . . (13 (– الكهف ))

قالت فرات تصفُ المتألق :

ــ وجه اسمر، قلب اسمر أيضا

عطر الابتسامة ينساب من غيمة الروح التي لا تفنى

ابتسامته تكاد لا ترى ،رشيقةٌ.

مثلما  هنالك تماثيل للمتألقين يتحجرُ الهواء في شارع ألحبوبي راسماً قامته .

كل قصة يكتبها تشبه منطاداً . يحلق القارئ

ويشعر بقلقٍ ابيض

{ أنت تؤمن بأن القارئ لم يعد يقرأ القصص الطويلة ،وهذا ما ذكرته في حوار متلفزلك ، في حين هنالك كتّاب اشتهروا بكتابة  الرواية حالياً علي بدر مثلا، ما قولك ؟ ثمة أمر آخر هو أن لديك مشروع رواية هل هو مجرد تجربة أم انك تستمر بالكتابة روائـــياً ؟

– أَقولُ :- كما قال الأستاذ ” محمد فاضل المشلب ” في كتابه الموسوم  : – (( الإنتلجينسيا العراقيّة  في عالم عليّ بَدر الرّوائي . . .  دراسة في الرُؤى والتمثّلات )) ، حيث كتب :- ( لا يقف منجز الروائي علي بدر في طليعة المنجز السردي العراقي فحسب ، بل والمنجز السردي العربي المعاصر دون مبالغة ، إذ يشكل ظاهرة غير مألوفةٍ في السردِ العراقي من ناحية غزارة النتاج ، وأهمية الموضوعات والمضامين التي يطرحها في رواياته . فروايات علي بدر تعد وثيقة أدبية ذات صلةٍ وشيجةٍ بالطبقة الوسطى من المجتمع العراقي من جانب ، وتأخذ على عاتقها إعادة قراءة التاريخ المعاصر للعراق لاسيما الثقافي منه من المنظور السردي ، ومناقشة الكثير من قضاياه واجتهاده في طرح تصورات ورؤى شديدة الأهمية عن التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي على لسان الإنتلجينسيا الروائية من جانب آخر ، كل هذه الموضوعات تم تمثلها روائياً عبر الإنتلجينسيا أو الطبقة المثقفة في العراق..)). هذا من جانب ، ومن جانب آخر ما قلته :- (( بأَن القارئ لم يعد يقرأ القصص الطويلة…))، مؤكداً هذه المقولة أو الهاوي أو حتى الوسطي دون المحترف أو المتخصص اللذين قد تستثنيهما تلك المقولة بدرجةٍ أو أُخرى ، فهذا عصر السرعة واختصار الزمان والمكان فالعالم أصبح قرية واحدة كما يصفون ، ودليلك عالم الإلكترونيات . أما بشأن :- (تجربة رواية..) أو ( مشروع رواية ) ، فأني خضت وأخوض ((تجربة رواية )) عازماً ! ! ! ولا أدري هل أنجح أو أُخفق في ((مشروع رواية )) متردداً ؟!!!

الكتابة

تستطردُ فرات :

ــ يكتب على جدران المدينة قصصه

تطالعها الطيور المهاجرة وترسلها مثل الرسائل للمساجين والعشاق

{ أنت قارئ مثابر ….. هل تفضل الكتب الالكترونية على الورقية  ؟ أم العكس ؟ ولا تقرأ الكتب الالكترونية إلا مضطراً ؟

– نعم . إن شاء الله تعالى قارئ مثابر . يقولون الحاجة أُم الاختراع ، وأنا شرهٌ ورقياً ، ومفرطٌ إليكترونياً ، وحسب  إِشباع الحاجة عندي من غذاء الروح .

من الإصدارات :

إيقاعات الزمن الراقص / مجموعة قصصية / عن :- اتحاد الأدباء والكتاب العرب / سوريا / دمشق / سنة 2002 م.

صرخة قبل البكم / مجموعة قصصية / حصدت الجائزة الثالثة في الدورة الثالثة لمسابقة دبي الثقافية عام 2003/2004 م.

{ في قصصك تطيلُ الوصف وتعيد نفس الكلمات بين الحين والآخر مثال في : قصة (  كاكا . . . عبد الحليم ) ،هل هذا  تفسيره كي تأخذ قصتك حجماً اكبر ؟ وأنت الذي تحدثت عن وضع  القارئ الراهن (لم يعد يقرأ كتبا كبيرة الحجم) !!!

– نعم . الإطالة مملة ؛ ولكن لو دققت المكررات بإمعان ، لوجدتها تختلف في تصويب الهدف ، فتارةً من فوق ، وأخرى من أسفل ، وثالثةً شمالاً ، وأخيرة يميناً ؛ وفي كل منها صورةٌ تختلف عن الأُخرى في الشكل والاتجاه والوضوح ، كما أن تكرارها يوحي للمتلقي مدى عمق الهيام في فؤاد البطل ، وكأنها تكرارات المجنون المختلف عن الإنسان الطبيعي السوي . يا سيدي التكرار : تكرار الكلمات لخلق نغمة موسيقية داخلية أثناء القراءة ، خلق إيقاعٍ خاصٍ بتلك القصة يوائم سير أحداثها حيث يتصاعد تكرار نغمة الكلمة مع تنامي دراما القصة ، وتلك بصمتي ، وتلك ضرورة فنية تحتمها موضوعة القصة التي أدوزن كلماتها حسب سلم موسيقي روحي أراه أنا ويحس به الآخرون .

{ هنالك من يشجع على قراءة الكتب ولكنه يرى أن قراءة القصص والروايات والشعر مضيّعة للوقت ،ما الذي تقدمه القصة من فائدة للمجتمع للعائلة  ؟ هكذا يقولون :- ما الذي قدمه شكسبير بالقياس لتوماس أديسون ؟  وما الذي قدمه نجيب محفوظ بالنسبة لعالِم ما اكتشف علاجاً لمرض عضال؟ ما ردك؟

– أُحيلكَّ باحترام إلى الحوار رقم اثنين آنفاً ، للآية الثالثة من سورة يوسف ؛ والآية الثالثة عشر من سورة الكهف ، ومئات الآيات من الذكر الحكيم في القرآن المجيد التي تخبرنا وتقصُّ علينا أخبار وأحوال ومعايش ومدائن وحضارات ومستقبلاً وحياةً ومماتاً وجنةً وناراً . . . ماذا تظن بهذا ( القص ) أي (التاريخ ) ؟ هل قال ربنا تعالى هذا عبثاً – حاشا لله – أترك لجنابك الكريم التحليل وباحترام يا سيدي . حضرتك تقيس (القص ) بمنظار ( مادي ) صرف . فقط . وتنسى مزدوج ( المادة والروح ) صنوان لا يفترقان . أسألك بالله كيف يخفق قلبك عندما تقول لك حبيبتك : (( أُحبك )) ؟!!! هل أَخفقه العبقري أَديسون ؟!!! ولماذا يقولون مجازاً للحبيبة : ” حبيبة الروح ” ؟ يا سيدي النبيل ؛ القص غذاء الروح .

فرات مسترخية تحتسي النعناع  وتستلذ بكل قطرة  من هذا الشراب ، وبكل كلمة من مجموعة (صرخةٌ قبل البكم) الجائزة الثالثة  في الدورة الثالثة لمسابقة دبي  الثقافية

قالت فرات وجمع غفير في الشرفة يصغي اليها:

(نال السباعي الجائزة الأولى في الأمل القصصي)

{ هل تشعر أن هنالك أفكاراً لديك، صرخات مكتومة،حرارة عالية لا يمكن أن تستوعبها كتابة القصة ،فتحتار كيف تطرح ما لديك ، وأنت لست سينمائياً ، لست مسرحياً ،لست تشكيلياً؟ هل ثمة منافذ أخرى فنية غير القصة القصيرة؟

– نعم ؟ أَصبت ، وكأنك تناغمني فثمة أفكاراً وصرخات مكبوتةً لا يمكن لكتابة القصة ولا للمسرح ولا للسينما ولا للتشكيل استيعابها ، وذلك لأنه يتعذر بي البوح بها . إنها : أُمنيات الروح . ومنفذها الوحيد : الذهاب إلى الله ربي فالق الحَبَّ والنوى .

{ كيف تروّج  لقصصك ،هل تطلب من النقّاد أن يكتبوا حول تجربتك  أم عليك أن تبدع فقط ؟ ما رأيك بالشهرة؟ تتلهف لها أم مشغول بتطوير كتابتك القصصية  بصبر؟

– تمتاز مدينتي ، مدينة الناصرية بكثرة البلابل النادرة المغردة التي تناولت تمر نخيلنا الجنوبي الطيب ، وارتوت من ماء فراته العذب ؛ فالبلابل الغريدة لها صيادوها طمعاً بتغريداتها الشجية كل صباح لتبدد في نفوسهم عتمة نهارات الويل والحزن العراقيين ، والبلابل لا تروج لشدوها ، البلابل تغرد . فقط ، و( علي السباعي ) بلبل مغرد من بلابل مدينة الناصرية المغردة بحب الناس ؛ وعلي السباعي لا يجيد غير التغريد وبصبر .

نهارات الويل

{ كل كتباتك راض عنها ؟ هل هنالك قصص ندمت على كتابتها؟

– نعم . كل كتاباتي راضٍ عنها ، ولست بنادم عن بعضها . قط . لأنها خرجت من أعماق الروح بصدق عال ونقاء قل نضيره ؛ كأفكار متجانسة مع ” الإنسان ” الذي هو صيرورتها ونماؤها . لكن . هل كتاباتي متكاملة ؟ الجواب :- كلا . لأن الكمال لله وحده . وهل أنها متكاملة بقرينة الكتاب الآخرين ؟ الجواب : كلا . لأنني من الخطائين ، و (( خير الخطائين التوابون )) . الخلاصة يا سيدي : كلنا نُكمل بقصنا بعضنا ببعض ، لعلنا نتكامل ، وذلك محال ، والكمال لله .

{ هل تعتبر أن سيد القصة العراقية كما يذكر غالبية الأدباء في العراق  هو ( محمد خضيّر ) أم إن هنالك أدباء هم سادة أيضا من هم  برأيك اقصد على مستوى القصة القصيرة؟

– مطر . . مطر . . مطر ، ومطر السياب أَينع ( إقحوانة ) :- ” محمد خضير ” ، فأزهرت وأثمرت للآكلين والشاربين سلوى وشهداً ومملكة سوداء وفي 54 مئوية ورؤيا خريف وتحنيط وحدائق الوجوه وسيرة مدينة بصرياثا وكراسة  كانون وأحلام باصورا والرجل والفسيل والحكاية الجديدة والسرد والكتابة . والعراق مهد الحضارات ، والعراق ولود بالمبدعين والأسماء اللامعة التي تجاوزت حدود المحلية  إلى العالمية .

{ متى تطورت القصة القصيرة في ذي قار وأصبحت  قصة متكاملة  فنياً من هي الأسماء التي لها الريادة ؟

– علي السباعي ، كاتب القصة القصيرة ، لا زال هاوياً لهذا الفن الصعب ، وما زلت أسير حثيثاً في خطواتي الأولى في هذا الدرب اللاحب ؛ درب القصة القصيرة . فقل لي بربك يا سيدي الكريم :- كيف لمن يخطو خطواته الأولى أن يقيِّم من أفنوا أعمارهم في السيرِ كتابةً في طريقِ كتابةِ القصةِ القصيرةِ المؤدي إلى مدينة الناصرية ؟ صعب . أترك هذا لأهل الفصاحة والبلاغة وأهل البحث العلمي الرصين وموثقي الأدب لأنني لست منهم ، واعتذر.

 بعد أن أطلعت فرات على زليخات يوسف ،ثم احتراق مملكة الزاماما ، ثم مدونات أرملة جندي مجهول

صنعت قيثارة ً من هذه الكلمات وراحت تعزف

ظلت تعزف ،وتصلي

وقصص السباعي تتطاير ………تلاشى حبر القلم لكن ظلت النكهة الأبدية لحبر الروح.

{ نود  أقصوصة  لك نتوّج بها الحوار ، أقصوصة تلمع  دائما في جسدك  ، في العمل، في السوق،وأنت تعبر الجسر نحو فكرة ما طينية.

– قصة بكماء : (( شــابةٌ حلوةٌ بكماء ، تقدم لخطبتِها شــابٌ اخرس، رفضـت الاقترانَ به،مخافة أن يبكي طفلهُما وهما نائمـين)) .